العودة إلى الحكايات

حكاية

كنز وأجمل أرجوحة في الحديقة

كنز وأجمل أرجوحة في الحديقة
في وسط الحديقة العامّة كانت هناك شجرة قديمة عملاقة لها غصن عريض قويّ. وكانت تتدلّى من ذلك الغصن، بحبلين غليظين، أجمل أرجوحة في البلدة كلّها.

كانت أرجوحة خشبيّة ناعمة من كثرة ما جلس عليها الأطفال سنوات طويلة. حين تتأرجح عاليًا ترى ما وراء الشجيرات وأحواض الزهور حتى عربة البوظة عند البوّابة، وحين تنزل منخفضًا تلامس أصابع قدميك العشب الناعم. كانت كنز تحبّ تلك الأرجوحة أكثر من أيّ زحليقة أو لعبة تسلّق.

وفي عصر يوم الجمعة ركضت كنز إلى الحديقة قبل ماما، وخصلاتها تقفز وحذاؤها الورديّ يلمع في الشمس.

غنّت: «الأرجوحة فارغة! الأرجوحة فارغة!»

صعدت على المقعد الخشبيّ وأمسكت الحبلين جيّدًا وحرّكت رجليها: إلى الأمام وإلى الخلف، إلى الأمام وإلى الخلف، أعلى وأعلى، حتى صارت أوراق الشجرة الكبيرة تدغدغ السماء فوقها.

ضحكت كنز: «ويييي! أنا أطير!»

تأرجحت وتأرجحت. عدّت إلى خمسين، ثم إلى مئة، وغنّت أغنيتها المفضّلة عن العصفور الصغير كاملة مرّتين.

ثم رأت ولدًا واقفًا قرب الشجرة. كان شعره بلون الرمل منتصبًا من الأمام، ويلبس قميصًا أصفر. كان ينظر إلى الأرجوحة بعينين واسعتين مليئتين بالأمل. لم يقل شيئًا، بل كان ينتظر فقط.

أشاحت كنز بنظرها وتأرجحت أعلى.

فكّرت: «هذا دوري. أنا جئت أوّلًا.»

وتأرجحت أكثر. وحين نظرت مرّة أخرى كان الولد ما يزال هناك، وقد جلس على العشب يقطف أعواده الصغيرة.

جاءت ماما ومعها زجاجة ماء وقالت: «يبدو أنك تستمتعين كثيرًا.»

قالت كنز: «نعم! سأتأرجح طوال اليوم!»

نظرت ماما إلى الولد ثم إلى كنز وقالت بلطف: «أظنّ أنّ هناك من يريد دورًا.»

قالت كنز: «لكنني جئت أوّلًا، وأنا أحبّ الأرجوحة.»

قالت ماما: «أعرف أنك تحبّينها. هل تظنّين أنه يحبّها أيضًا؟»

نظرت كنز إلى الولد. كان يراقب طفلًا آخر ينزلق على الزحليقة، لكنّ عينيه كانتا تعودان إلى الأرجوحة كلّ بضع ثوانٍ.

قالت كنز بهدوء: «ربّما.»

سألتها ماما: «كم من الوقت وهو ينتظر؟»

فكّرت كنز. لقد عدّت إلى مئة، وغنّت أغنيتها مرّتين. هذا وقت طويل.

اعترفت: «وقت طويل جدًّا.»

سألتها ماما: «وكيف ستشعرين لو كنتِ أنتِ التي تنتظر على العشب؟»

تخيّلت كنز ذلك. تخيّلت نفسها جالسة على العشب تنظر إلى غيرها يطير بين الأوراق، ورجلاها تتململان وبطنها مليء بالأمل ثم ببعض الحزن. ولم يعجبها هذا الشعور أبدًا.

جرّت حذاءها الورديّ على الأرض فتباطأت الأرجوحة: ششش... ششش... ششش... وتوقّفت.

نزلت كنز ومشت إلى الولد.

قالت: «مرحبًا، هل تريد دورًا على الأرجوحة؟»

أضاء وجه الولد كأنّ الشمس خرجت من بين الغيوم وقال: «نعم، من فضلك! أنا سامي.»

قالت كنز: «وأنا كنز. تستطيع أن تتأرجح حتى المئة، فهذا ما فعلته أنا.»

ركض سامي إلى الأرجوحة وصعد عليها، وأخذ يحرّك رجليه، لكنّ الأرجوحة لم تتحرّك إلا قليلًا.

قال: «لا أستطيع أن أرتفع. أختي الكبيرة تدفعني عادةً.»

قالت كنز: «أنا أدفعك!» ووقفت خلف الأرجوحة كما يقف بابا خلفها، ووضعت يديها على ظهر سامي ودفعت. لا بقوّة كبيرة، بل بالقدر المناسب تمامًا.

إلى الأمام وإلى الخلف، إلى الأمام وإلى الخلف.

ضحك سامي: «أعلى!»

دفعته كنز مرّة أخرى، فطار سامي نحو الأوراق، وأخذت كنز تعدّ بصوت عالٍ: «واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة...»

وحدث شيء عجيب. لم تكن كنز على الأرجوحة، لكنها كانت تضحك تمامًا كما كانت تضحك وهي عليها. وكلّما قال سامي «ويييي!» انفجرت فقاعة سعادة في صدرها.

وحين وصلت إلى المئة جرّ سامي قدميه وتوقّف وقال: «دورك الآن، وأنا سأدفعك!»

صعدت كنز، ودفعها سامي، وكان قويًّا. فطارت عاليًا جدًّا حتى رأت عربة البوظة عند البوّابة، وكلبًا أبيض صغيرًا يركض وراء كرة، وماما تلوّح لها من المقعد.

صاحت: «ويييي!»

وتناوبا طوال العصر: مئة لكنز، ومئة لسامي. أحيانًا كانا يعدّان بسرعة ويضحكان، وأحيانًا يعدّان ببطء بأصوات غليظة مضحكة فيضحكان أكثر.

وبعد قليل جاءت بنت صغيرة بفستان أحمر ووقفت قرب الشجرة تنظر إلى الأرجوحة بعينين واسعتين مليئتين بالأمل.

نظرت كنز وسامي أحدهما إلى الآخر.

وسألا في الوقت نفسه: «هل تريدين دورًا؟»

أومأت البنت الصغيرة بخجل. فدفعتها كنز وسامي معًا، كلّ واحد من جهة. لا بقوّة كبيرة، بل بالقدر المناسب تمامًا.

وحين بدأت الشمس تغيب وصارت السماء برتقاليّة، نادت ماما: «حان وقت العودة إلى البيت يا كنز!»

ودّعت كنز سامي والبنت ذات الفستان الأحمر وقالت: «أراكما الجمعة القادمة عند الأرجوحة!»

وفي طريق العودة أمسكت كنز يد ماما وأخذت تقفز.

قالت: «ماما، ظننت أنني إذا أعطيت سامي دورًا سأستمتع أقلّ، لكنني استمتعت أكثر. أليس هذا غريبًا؟»

ضغطت ماما على يدها وقالت: «ليس غريبًا أبدًا. هكذا هي المتعة، حين نتشاركها تكبر.»

فكّرت كنز في فقاعات السعادة في صدرها وابتسمت.

وقالت: «الجمعة القادمة سأتناوب من البداية.»

العبرة: التناوب لطف وعدل، وحين نشارك الآخرين متعتنا تكبر غالبًا للجميع.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة
سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة

كان سَنَد حُوارًا صغيرًا، أي جملًا صغيرًا. فروه ناعم منفوش بلون الخبز المحمّص. له ساقان طويلتان تتما...

صفحة تلوين: كنز تبني قلعة رمليّة
صفحة تلوين: كنز تبني قلعة رمليّة

لوّن كنز وهي تبني قلعتها الرمليّة على الشاطئ بدلوها ومجرفتها، والأصداف من حولها. من قصّة «كنز وقلعة...

دينا ترسم قائمة مشترياتها بنفسها
دينا ترسم قائمة مشترياتها بنفسها

كلّ صباح خميس، كانت ماما تذهب إلى السوق الكبير المكشوف في آخر الشارع. وكلّ صباح خميس، كانت دينا تتوس...