العودة إلى الحكايات

حكاية

كنز وسنّو زهرة دوّار الشمس

كنز وسنّو زهرة دوّار الشمس
على شرفة بيت كنز كان هناك صفّ من الأصص الفخّاريّة. في بعضها زهور ورديّة، وفي بعضها أعشاب خضراء رائحتها كالنعناع، وأصيص واحد ليس فيه شيء إلا التراب البنّيّ.

قالت تيتا، جدّة كنز، في صباح يوم سبت: «هذا لكِ.» وفتحت يدها، فإذا في كفّها بذرة كبيرة مخطّطة، رماديّة وبيضاء، على شكل قارب صغير.

سألت كنز وهي تميل قريبًا جدًّا حتى سقطت خصلاتها على يد تيتا: «ما هذه؟»

قالت تيتا: «إنها بذرة دوّار الشمس. إذا اعتنيتِ بها ستصير أطول منكِ، وربّما أطول من بابا.»

اتّسعت عينا كنز: «أطول من بابا؟ من هذه البذرة الصغيرة؟»

قالت تيتا: «من هذه البذرة الصغيرة. لكنّ النبتة مهمّة كبيرة. تحتاج إلى الماء، وإلى الشمس، وتحتاج إلى من يتذكّرها كلّ يوم. هل تستطيعين أن تكوني أنتِ هذا الشخص؟»

وقفت كنز مستقيمة جدًّا بفستانها الورديّ وقالت: «نعم يا تيتا، أستطيع.»

وغرستا البذرة معًا في التراب بعمق إصبع كنز تقريبًا. ثم أعطت تيتا كنز هديّة: مرشّة خضراء صغيرة بحجم يديها تمامًا.

قالت تيتا: «لا ماء كثير ولا قليل. يجب أن يكون التراب مثل الكعكة، طريًّا ورطبًا قليلًا، لا مثل الحساء.»

في الصباح التالي استيقظت كنز وركضت مباشرة إلى الشرفة، وملأت مرشّتها الخضراء من الحنفيّة وسقت الأصيص بعناية.

قالت: «صباح الخير يا سنّو.» فقد قرّرت أن يكون هذا اسم البذرة.

لم يحدث شيء.

وفي اليوم الذي بعده سقت كنز سنّو مرّة أخرى، ولم يحدث شيء أيضًا.

وفي اليوم الثالث جاءت صديقتها لينا لتلعب. بنتا حصنًا من الوسائد، ولعبتا لعبة الدكّان، وأكلتا شرائح التفّاح، ونسيت كنز سنّو تمامًا حتى وقت النوم.

قالت وهي تجلس في سريرها: «يا إلهي! لم أسقِ سنّو!»

غطّتها ماما بالبطّانيّة وقالت: «الدنيا مظلمة الآن. سنّو سيكون بخير حتى الصباح، وغدًا تتذكّرين.»

وفي الصباح التالي سقت كنز سنّو قبل كلّ شيء، حتى قبل الفطور. ثم، كي تساعد نفسها على التذكّر، رسمت صورة صغيرة لزهرة دوّار الشمس وألصقتها على الثلّاجة بمغناطيس. وكلّ صباح، حين كانت ماما تفتح الثلّاجة لتأخذ الحليب، كانت كنز ترى الصورة وتقول: «سنّو!»

ومرّ أسبوع كامل، وبقي التراب بنّيًّا مستويًا.

بدأت كنز تنزعج: «تيتا، أنا أسقيه كلّ يوم ولا يحدث شيء. ربّما سنّو بذرة معطوبة. ربّما يجب أن أتوقّف.»

ابتسمت تيتا وربّتت على المقعد بجانبها: «اجلسي معي يا حبيبتي. أتعرفين ماذا يفعل سنّو الآن تحت التراب، حيث لا نراه؟»

هزّت كنز رأسها.

قالت تيتا: «سنّو مشغول. أوّلًا تشرب البذرة ماءك فتنتفخ وتلين، ثم تتشقّق قليلًا، ويزحف جذر أبيض صغير إلى أسفل التراب ليتمسّك جيّدًا. كلّ هذا يحدث في الظلام بهدوء. إنه عمل شاقّ ويحتاج إلى وقت. وإذا توقّفتِ عن السقي الآن يتوقّف كلّ هذا العمل.»

نظرت كنز إلى التراب البنّيّ بعينين جديدتين. في مكان ما هناك تحت التراب كان سنّو يعمل بجدّ.

قالت: «إذن سأستمرّ.»

وفي اليوم التاسع ركضت كنز إلى الشرفة ومرشّتها الخضراء في يدها، وتوقّفت فجأة حتى تناثر قليل من الماء على حذائها الورديّ.

هناك، في وسط الأصيص، كانت حلقة خضراء صغيرة، مثل كوع صغير مثنيّ، تدفع نفسها خارج التراب.

صاحت كنز: «تيتاااا! سنّو استيقظ!»

خرجت تيتا بخفّيها، وتبعتها العائلة كلّها، ونظروا جميعًا إلى الحلقة الخضراء الصغيرة. التقط بابا صورة، وصفّقت ماما، ورقصت كنز في دائرة وضحكت كثيرًا حتى اضطرّت أن تجلس.

بعد ذلك نما سنّو بسرعة. استقامت الحلقة وفتحت ورقتين مستديرتين مثل يدين صغيرتين، ثم جاءت أوراق أكثر وأكبر، خشنة ومزغّبة، وصار الساق غليظًا قويًّا. وكلّ أسبوع كانت كنز تقف بجانب سنّو لترى من الأطول.

في البداية كان سنّو يصل إلى ركبتي كنز، ثم إلى بطنها، ثم إلى كتفيها.

وفي بعض الأيام الحارّة كانت أوراق سنّو تتدلّى متعبة، فكانت كنز تعرف ما تفعل: تسقيه شربة إضافيّة في المساء حين تكون الشمس لطيفة. وفي الأيام العاصفة ساعدها بابا على ربط سنّو بعصا كي لا ينحني كثيرًا.

ثم في صباح ما رأت كنز في أعلى ساق سنّو الطويل برعمًا أخضر كبيرًا. كان يستدير أكثر كلّ يوم، وكانت كنز تتفقّده كلّ يوم ومرشّتها في يدها.

وفي صباح ذهبيّ تفتّح البرعم.

زهرة صفراء ضخمة، عريضة كالصحن، أدارت وجهها نحو الشمس. كانت بتلاتها زاهية كالزبدة، وفي وسطها دائرة بنّيّة كبيرة مليئة ببذور صغيرة.

صار سنّو أطول من كنز، وأطول من ماما، وحين وقف بابا بجانبه كانا بالطول نفسه تقريبًا.

قالت تيتا وهي تعانق كنز: «لقد نجحتِ. تذكّرتِ سنّو كلّ يوم، حتى حين بدا أنه لا يحدث شيء.»

سقت كنز سنّو وضحكت فرحًا، وقالت وهي تشير إلى الوسط البنّيّ: «وانظري يا تيتا، سنّو صنع بذورًا جديدة كثيرة!»

قالت تيتا: «صحيح. والآن تستطيعين أن تعطي البذور لأصدقائك، وتعلّميهم كيف يكونون بستانيّين جيّدين.»

وفي ذلك الخريف أعطت كنز بذرة مخطّطة للينا، وواحدة لابن خالتها، وواحدة لسامي صديق الحديقة.

وقالت لكلّ واحد منهم بجدّيّة: «إنها مهمّة كبيرة. اسقِها كلّ يوم حتى لو لم يحدث شيء، فهي تعمل بجدّ تحت التراب.»

العبرة: الاعتناء بشيء يعني أن نقوم بأعمال صغيرة كلّ يوم وأن نصبر، حتى حين لا نرى النتيجة بعد.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

علي بابا ومرجانة الذكية (من ألف ليلة وليلة)
علي بابا ومرجانة الذكية (من ألف ليلة وليلة)

في قديم الزمان، في بلدة على طرف التلال، عاش حطّاب اسمه علي بابا. كل صباح كان يأخذ حماره الرمادي إلى...

سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة
سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة

كان سَنَد حُوارًا صغيرًا، أي جملًا صغيرًا. فروه ناعم منفوش بلون الخبز المحمّص. له ساقان طويلتان تتما...

جاكُ وَزَعْتَرُ وَأُسْبوعُ اللُّطْفِ الصَّغيرِ
جاكُ وَزَعْتَرُ وَأُسْبوعُ اللُّطْفِ الصَّغيرِ

كَتَبَتِ المُعَلِّمَةُ فاطِمَةُ أَيّامَ الأُسْبوعِ عَلى اللَّوْحِ. رَفْرَفْ! حَطَّ زَعْتَرُ فَوْقَهُ...