العودة إلى الحكايات

حكاية

كنز تشارك أقلامها

كنز تشارك أقلامها
يوم الجمعة ذهبت العائلة كلّها في نزهة إلى الحديقة الخضراء قرب النهر. أحضرت تيتا ورق العنب المحشيّ، وأحضرت ماما الخبز والجبن والخيار، وأحضر بابا بساطًا كبيرًا مربّعًا أحمر وأبيض. وأحضرت كنز أحبّ الأشياء إليها في الدنيا: علبة جديدة فيها اثنا عشر قلم تلوين، وسلّة صغيرة من الفراولة.

كانت الأقلام هديّة من خالتها، طويلة مبريّة كاملة، مصفوفة في صفّ مرتّب كالجنود. لم يكن فيها قلم واحد مكسور، ولا قلم واحد قصير ولو قليلًا.

وكانت الفراولة أوّل فراولة في الموسم، حمراء لامعة حلوة.

جلست كنز في زاوية البساط، وفتحت دفتر الرسم، وبدأت ترسم حديقة.

ثم وصل ابن خالتها يوسف. كان يوسف في الرابعة، أصغر من كنز بسنة. شعره بنّيّ منفوش، ويلبس قميصًا أزرق، وكان دائمًا، دائمًا جائعًا.

صاح وهو يركض على العشب ويرمي نفسه على البساط: «كنز! ماذا ترسمين؟ هل أرسم معك؟ واو، فراولة! هل آخذ واحدة؟»

قرّبت كنز علبة الأقلام إلى ركبتيها قليلًا، ووضعت يدها على سلّة الفراولة.

قالت: «هذه لي. خالتي أعطتني الأقلام، وأنا اخترت الفراولة بنفسي من الدكّان.»

انطفأ وجه يوسف، وجلس على كعبيه ينظر إلى الأقلام اللامعة.

قال بصوت صغير: «سأكون حذرًا.»

قالت كنز: «ستكسرها. الأطفال الصغار يكسرون الأقلام دائمًا.»

لم يقل يوسف شيئًا آخر. أخذ يعبث بخيط في البساط، وبعد قليل ابتعد ليرمي كرة على شجرة وحده.

عادت كنز إلى رسمها. لوّنت العشب بالأخضر، والزهور بالورديّ، والسماء بالأزرق. وأكلت حبّة فراولة، ثم أخرى، وكانت حلوة جدًّا.

لكنّ الرسم لم يعد ممتعًا كما كان، ولم تعد الفراولة حلوة كالحبّة الأولى. وكلّما رفعت رأسها رأت يوسف يرمي كرته وحده ويركل العشب.

جاءت تيتا وجلست بجانبها ومعها كوب شاي، ونظرت إلى الرسم.

قالت: «يا لها من حديقة جميلة! هل يلعب فيها أحد؟»

نظرت كنز إلى رسمها. كان فيه زهور وعشب وسماء، لكن لم يكن فيه أيّ أحد. بدا فارغًا قليلًا.

قالت: «لا.»

رشفت تيتا من الشاي وقالت: «حين كنت بنتًا صغيرة في مثل عمرك، أحضر أبي إلى البيت برتقالة واحدة. واحدة فقط. كان البرتقال شيئًا مميّزًا في ذلك الوقت، ولم يكن عندنا الكثير منه.»

سألت كنز: «وماذا فعلتِ؟»

قالت تيتا مبتسمة: «أردت أن آكلها كلّها وحدي. لكن كان لي ثلاثة إخوة، فقطّعتها أمّي أربع قطع. كانت قطعتي صغيرة جدًّا. لكن أتعرفين ما أتذكّره أكثر من أيّ شيء؟»

هزّت كنز رأسها.

«أتذكّرنا نحن الأربعة جالسين على عتبة الباب، والعصير يسيل على ذقوننا، ونحن نضحك. لا أتذكّر طعم البرتقالة، بل أتذكّر الضحك.»

سكتت كنز طويلًا. نظرت إلى أقلامها الاثني عشر الكاملة، وإلى سلّة الفراولة، وإلى يوسف الجالس الآن تحت الشجرة واضعًا ذقنه بين يديه.

ثم وقفت.

ونادت: «يوسف! تعال! هل تريد أن ترسم معي؟»

رفع يوسف رأسه بسرعة: «حقًّا؟»

قالت كنز: «حقًّا. وتستطيع أن تأكل من الفراولة أيضًا.»

جاء يوسف راكضًا بسرعة كبيرة حتى كاد يتعثّر بالبساط، وجلس بجانب كنز متربّعًا وعلى وجهه ابتسامة عريضة.

وضعت كنز علبة الأقلام بينهما وقالت: «تستطيع أن تختار أيّ لون تريد، لكن اضغط بلطف هكذا كي لا تنكسر.»

اختار يوسف البرتقاليّ، وضغط بلطف شديد شديد ولسانه خارج من فمه، ورسم شمسًا كبيرة مستديرة في زاوية حديقة كنز.

قالت كنز: «شمس جميلة.»

ثم رسمت كنز بنتًا مجعّدة الشعر في الحديقة، ورسم يوسف بجانبها ولدًا منفوش الشعر. رسمت كنز أرجوحة، ورسم يوسف كرة وكلبًا وشيئًا قال إنه ديناصور، مع أنه كان يشبه قليلًا حبّة بطاطا لها أرجل. فضحكا كثيرًا حتى وقعا على ظهريهما فوق البساط.

وتناوبا على الفراولة: واحدة لكنز وواحدة ليوسف، حتى لم تبقَ إلا حبّة واحدة.

نظرت إليها كنز، ونظر إليها يوسف.

قالت كنز: «نتقاسمها.» وقضمتها بعناية نصفين وأعطت يوسف النصف الآخر. فسال عصير الفراولة على ذقنيهما، وضحكا أكثر.

ثم... طق!

رفع يوسف القلم الأخضر، فإذا هو قطعتان.

اتّسعت عيناه بقلق: «آسف يا كنز! ضغطت بقوّة! أنا آسف جدًّا!»

نظرت كنز إلى القلم المكسور، وشعرت للحظة بوخزة صغيرة في داخلها. أقلامها الكاملة لم تعد كاملة.

ثم تذكّرت برتقالة تيتا.

قالت: «لا بأس. صار عندنا الآن قلمان أخضران، واحد لك وواحد لي. نستطيع أن نرسم العشب معًا في الوقت نفسه!»

تحوّل وجه يوسف القلق إلى ابتسامة عملاقة.

وحين حان وقت العودة إلى البيت أريا العائلة كلّها رسمهما. كانت حديقة مليئة بالناس، فيها أرجوحة وكلب وشمس وديناصور البطاطا. كانت فوضويّة ومزدحمة ورائعة.

قالت كنز: «هذا أجمل بكثير من رسمي هذا الصباح.»

غمزتها تيتا وقالت: «لأنّ فيه الآن ضحكًا.»

العبرة: المشاركة تحوّل «لي» إلى «لنا». الأشياء ممتعة، لكنّ الذين نشاركهم إيّاها هم من يصنعون أسعد الذكريات.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

كنز وأجمل أرجوحة في الحديقة
كنز وأجمل أرجوحة في الحديقة

في وسط الحديقة العامّة كانت هناك شجرة قديمة عملاقة لها غصن عريض قويّ. وكانت تتدلّى من ذلك الغصن، بحب...

رافي والرحلة الاستكشافية الكبرى في حديقة البيت
رافي والرحلة الاستكشافية الكبرى في حديقة البيت

كان رافي في السابعة من عمره، وكان مستكشفًا. كانت عنده حقيبة ظهر مخيط عليها بوصلة من الأمام. وقبّع...

الأرنبة فيروز وعين القمر (من كليلة ودمنة)
الأرنبة فيروز وعين القمر (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، قرب بحيرة هادئة بين التلال، عاشت عائلة من الأرانب. كانت البحيرة مستديرة صافية ساك...