العودة إلى الحكايات

حكاية

كنز وخريطة الكنز

كنز وخريطة الكنز
صباح يوم السبت وجدت كنز على وسادتها ورقة ملفوفة مربوطة بشريطة ورديّة.

جلست في سريرها وفركت عينيها وفكّت الشريطة. فإذا في داخلها خريطة! مرسومة بقلم رصاص بنّيّ، فيها طريق متعرّج، وشجرة كبيرة، وصخرة رماديّة، وجدول أزرق، وعلامتا × واضحتان.

وفي أسفلها رسم لبنت صغيرة شعرها مجعّد وعلى رأسها طوق ورديّ.

شهقت كنز: «هذه أنا!»

وركضت إلى المطبخ تلوّح بالخريطة. كان بابا هناك يلبس كنزته الخضراء وحذاء المشي، وعيناه تلمعان.

«بابا! انظر! إنها خريطة كنز!»

قال بابا متظاهرًا بالدهشة الشديدة: «حقًّا؟ ترى إلى أين تقودنا؟ هل نتبعها؟»

«نعم! نعم، نعم، نعم!»

لبست كنز فستانها الورديّ وحذاءها الورديّ مع الجوارب البيضاء. وربطت ماما خصلاتها بطوقها المزهّر، وجهّزت حقيبة صغيرة فيها ماء وتفّاح وشطائر جبن.

قالت ماما وهي تقبّلها: «ابقي قريبة من بابا. المستكشفون يبقون معًا دائمًا.»

قالت كنز: «أعدك.»

قادتهما الخريطة إلى طرف الغابة الصغيرة خلف حيّهم. كانت كنز قد رأت الغابة من السيّارة مرّات كثيرة، لكنها لم تمشِ فيها قطّ.

كان الطريق ناعمًا بنّيًّا مغطّى بأوراق تقرمش تحت الأقدام، والأشجار الطويلة على جانبيه، وضوء الشمس ينزل بين أغصانها خطوطًا ذهبيّة طويلة.

رفعت كنز الخريطة عاليًا: «أوّلًا الشجرة الكبيرة.»

مشيا ومشيا، وكانت كنز تنظر إلى كلّ شجرة: «هل هذه هي؟ هل هذه هي؟» لكن لم تكن أيّ واحدة كبيرة بما يكفي.

ثم انعطف الطريق، وإذا بها هناك: شجرة قديمة ضخمة جذعها عريض جدًّا حتى إنّ كنز وبابا معًا لم يستطيعا أن يحيطا به، وجذورها مثل أصابع عملاقة تتمسّك بالأرض.

صاحت كنز: «الشجرة الكبيرة!»

بحثت كنز عن الكنز حول الجذور، فلم تجد ذهبًا، لكنها وجدت بلّوطة بنّيّة مستديرة فوقها قبّعة صغيرة، وريشة مخطّطة بالأسود والأبيض.

سألت: «هل هذه كنوز؟»

قال بابا: «ما رأيك أنتِ؟»

قلّبت كنز البلّوطة بين أصابعها، كانت ملساء كاملة. وقرّرت: «أظنّها كنزًا صغيرًا.» ووضعتهما في جيبها.

وكان التالي على الخريطة الصخرة الرماديّة. فتبعا الطريق بجانب شجيرات عليها توت أحمر. قال بابا: «ننظر، لكننا لا نأكل التوت البرّيّ.» فأومأت كنز بحكمة.

ثم سمعت كنز حفيفًا بين الأوراق، فتوقّفت وأمسكت يد بابا.

«بابا، هناك شيء!»

وقفا ساكنين تمامًا. فتحرّكت الأوراق مرّة أخرى، وخرج منها مخلوق صغير مستدير مغطّى بأشواك بنّيّة، له أنف صغير مدبّب وعينان سوداوان لامعتان.

همس بابا: «قنفذ! يا لحظّنا! القنافذ تنام عادةً في النهار.»

تشمّم القنفذ الهواء ونظر إلى كنز، ونظرت كنز إليه.

همست: «مرحبًا أيها القنفذ الصغير.» ولم تحاول أن تلمسه، لأنها تعرف أنّ الحيوانات البرّيّة تحتاج إلى مساحتها. بل جثت وراقبته فقط.

تشمّم القنفذ حوله لحظة، ثم مشى متمايلًا على الطريق أمامهما كأنه يدلّهما على الطريق، فتبعته كنز وبابا ببطء.

ضحكت كنز: «إنه دليلنا!»

وبعد قليل انعطف القنفذ إلى الشجيرات واختفى. وفي المكان الذي انعطف فيه بالضبط كانت صخرة رماديّة كبيرة على شكل قطّة نائمة.

صاحت كنز: «الصخرة! القنفذ دلّنا على الصخرة!»

وجلسا بجانب الصخرة وأكلا الشطائر والتفّاح. وقفز عصفور بنّيّ صغير قريبًا ليلتقط الفتات، والريح تجعل الأوراق تهمس. شعرت كنز أنها بعيدة جدًّا عن البيت، وشجاعة جدًّا، وسعيدة جدًّا.

قال بابا وهو ينظر إلى الخريطة: «بقي مكان واحد: الجدول، ثم علامة ×.»

وتبعا صوت الماء الجاري، وسرعان ما رأياه: جدولًا صافيًا متلألئًا يقرقر فوق حجارة ملساء. كان الماء صافيًا جدًّا حتى رأت كنز أسماكًا فضّيّة صغيرة تنطلق هنا وهناك.

أرادت كنز أن تركض مباشرة إلى الماء، لكنها تذكّرت ما قالته ماما. فأمسكت يد بابا ومشيا إلى الحافّة معًا.

قال بابا: «والآن انظري جيّدًا إلى الخريطة. أين علامة ×؟»

تأمّلت كنز الخريطة. كانت علامة × بجانب الجدول، قرب رسم لثلاثة حجارة في صفّ.

نظرت على طول الضفّة. هناك! ثلاثة حجارة مسطّحة في صفّ مثل حجارة العبور. وخلف الحجر الأوسط، نصف مخبّأ في العشب، صندوق خشبيّ صغير.

خفق قلب كنز بقوّة، فجثت وفتحت الغطاء.

لم يكن في داخله ذهب ولا جواهر، بل دفتر صغير غلافه ورديّ، ومجموعة أقلام ملوّنة، وعدسة مكبّرة، وورقة مطويّة.

قرأ بابا الورقة بصوت عالٍ: «إلى كنز، أشجع مستكشفة. استعملي هذا الدفتر لترسمي كلّ الكنوز التي تجدينها في العالم.»

نظرت كنز إلى الدفتر، ثم نظرت حولها: إلى الجدول المتلألئ، والأشجار الطويلة، والأسماك الصغيرة. وفكّرت في البلّوطة والريشة في جيبها، والقنفذ الذي دلّهما على الطريق، والعصفور البنّيّ يأكل الفتات.

قالت ببطء: «بابا، أظنّ أننا وجدنا كنوزًا كثيرة اليوم، لا في الصندوق فقط.»

ابتسم بابا وجلس بجانبها على العشب: «وأنا أظنّ ذلك. أجمل الكنوز غالبًا هي الأشياء التي ننتبه إليها في الطريق.»

فتحت كنز دفترها الجديد، ورسمت بالأقلام الملوّنة الشجرة الكبيرة، والقنفذ، والصخرة الرماديّة التي تشبه قطّة نائمة، والجدول وأسماكه الفضّيّة. ثم رسمت صورة أخرى: بنتًا مجعّدة الشعر تمسك يد بابا في الغابة.

وقالت وهي تشير إليها: «هذا أكبر كنز.»

لم يقل بابا شيئًا، بل عانقها أكبر عناق في الغابة كلّها.

وحين وصلا إلى البيت أرت كنز ماما كلّ شيء، ثم سألت سؤالًا مهمًّا جدًّا:

«هل نذهب في مغامرة أخرى السبت القادم؟»

قال بابا: «بشرط أن ترسمي أنتِ الخريطة هذه المرّة.»

وكانت كنز قد مدّت يدها إلى أقلامها.

العبرة: المغامرات مليئة بالعجائب الصغيرة إذا بقينا فضوليّين ونظرنا جيّدًا، وأجمل كنز هو الوقت الذي نقضيه مع من نحبّ.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

جاكُ وَزَعْتَرُ وَأُسْبوعُ اللُّطْفِ الصَّغيرِ
جاكُ وَزَعْتَرُ وَأُسْبوعُ اللُّطْفِ الصَّغيرِ

كَتَبَتِ المُعَلِّمَةُ فاطِمَةُ أَيّامَ الأُسْبوعِ عَلى اللَّوْحِ. رَفْرَفْ! حَطَّ زَعْتَرُ فَوْقَهُ...

نوكا الدبّ القطبي الصغير يسهر لينتظر الأضواء الراقصة
نوكا الدبّ القطبي الصغير يسهر لينتظر الأضواء الراقصة

بعيدًا، بعيدًا في الشمال، حيث الأرض بيضاء والسماء واسعة جدًّا، عاش دبّ قطبي صغير اسمه نوكا. كان فروه...

عُدّ وضع دائرة: عدّ زعفرانة في الميناء
عُدّ وضع دائرة: عدّ زعفرانة في الميناء

صفحة عدّ مستوحاة من حكاية زعفرانة قطّة الميناء تعدّ القوارب العائدة. اطبع الصفحة وعُدّ القوارب والأس...