العودة إلى الحكايات

حكاية

الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)

الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، على سفح تلّ مشمس مغطّى بالأزهار البرّية، عاش غراب.

كان للغراب ريش أسود لامع يبرق أزرق في ضوء الشمس، وعينان مشرقتان فضوليّتان، ومنقار قويّ. كان يستطيع أن يطير عاليًا فوق التلال، وينقضّ فوق الوديان، ويحطّ على أعلى طرف لأطول شجرة.

وعندما كان الغراب يمشي على الأرض، كان يقفز: قفزة، قفزة، قفزة. القدمان معًا، بنشاط وسرعة.

لم يكن الغراب يفكّر كثيرًا في قفزته. كانت ببساطة طريقة مشي الغربان، وكانت توصله إلى حيث يريد.

إلى أن جاء صباح رأى فيه الحَجَلة.

جاءت تتمشّى صاعدة الطريق الصخريّ بين الأزهار. لها ريش بنّيّ منقّط، وصدر كريميّ بخطوط مرتّبة، ووجه برتقاليّ جميل. وكانت تمشي أجمل مشية رآها الغراب في حياته.

خطوة، وخطوة، وخطوة. يتمايل رأسها بلطف، وتتحرّك قدماها واحدة بعد الأخرى، ناعمة رشيقة. كأنّها تنساب على الصخور، مثل ماء يجري في جدول.

حدّق الغراب، وانفتح منقاره.

وهمس: «آه. يا للأناقة! يا للرشاقة! هذه أروع مشية في الدنيا كلّها.»

نظر إلى قدميه، ثمّ قفز قفزة صغيرة: قفزة.

فجأة، لم تعد قفزته تبدو جيّدة. بدت نطّاطة سخيفة عاديّة.

قال الغراب: «أريد أن أمشي مثلها. أريد أن أمشي تمامًا مثل الحجلة.»

فتبعها الغراب.

مشى خلفها بهدوء شديد. راقب قدميها: خطوة، وخطوة، وخطوة. وراقب رأسها: تمايل، وتمايل، وتمايل.

ثمّ جرّب بنفسه.

رفع قدمًا ووضعها. رفع الأخرى ووضعها.

تمايل.

جرّب مرّة أخرى. القدم اليسرى، القدم اليمنى، تمايل الرأس.

تمايل، تمايل.

لم تكن قدماه معتادتين على الحركة واحدة بعد الأخرى. كانتا تريدان أن تقفزا معًا. فاعترضت قدمه اليسرى قدمه اليمنى، وداست قدمه اليمنى على قدمه اليسرى.

تمايل، تمايل، بُمب!

وقع الغراب كومة من الريش الأسود. وحطّت زهرة أقحوان على رأسه.

نظرت الحجلة خلفها، وأمالت رأسها متحيّرة. ثمّ تابعت مشيها.

قام الغراب ونفض الأقحوانة عنه. لم يكن ينوي أن يستسلم.

قال: «سأتمرّن. سأتمرّن كلّ يوم حتى أمشي مثلها.»

وفعل ذلك.

كلّ صباح، كان يتمرّن على الطريق الصخريّ: خطوة، تمايل، خطوة، تمايل، بُمب.

وكلّ عصر، كان يتمرّن في المرج: خطوة، تمايل، خطوة، تمايل، بُمب.

وكلّ مساء، كان يتمرّن على غصن شجرته: خطوة، تمايل، خطوة، تمايل... ومرّة تمايل حتى وقع عن الغصن، فاضطرّ أن يرفرف بسرعة كبيرة حتى لا يقع على الأرض.

بدأت الحيوانات الأخرى تلاحظ.

سأل أرنب: «ماذا يفعل الغراب؟»

قالت سحليّة: «أظنّه يرقص.»

لم يستمع الغراب. ظلّ يتمرّن فقط: خطوة، تمايل، خطوة، تمايل، بُمب.

صارت الأيّام أسابيع. وتمرّن الغراب وتمرّن. لكنّه ما زال لا يستطيع أن يمشي مثل الحجلة. ولا قليلًا.

ثمّ، في صباح أحد الأيّام، حدث شيء غريب.

استيقظ الغراب، ومدّ جناحيه، وطار من شجرته وحطّ على الأرض. أراد أن يقفز إلى الجدول ليشرب، كما كان يفعل دائمًا.

ثنى ساقيه واستعدّ للقفز.

لكنّ قدميه لم تعرفا ماذا تفعلان.

حاولتا أن تمشيا مثل الحجلة، ثمّ حاولتا أن تقفزا مثل الغراب، ثمّ حاولتا أن تفعلا الاثنين معًا.

خطوة، قفزة، تمايل، تشابك، بُمب!

قال الغراب بصوت صغير: «يا ويلي. لا أستطيع أن أمشي مثل الحجلة. والآن نسيت كيف أقفز مثل الغراب.»

جلس هناك بين الأزهار البرّية، يشعر بالحزن الشديد والسخافة الشديدة.

وفي تلك اللحظة، وقع عليه ظلّ. فرفع الغراب رأسه.

كانت الحجلة.

كانت تراقبه منذ أيّام كثيرة. ونظرت إليه بعينين طيّبتين لطيفتين.

قالت: «مرحبًا. رأيتك تتمرّن، كلّ صباح وكلّ عصر وكلّ مساء. لماذا تتعب كلّ هذا التعب لتمشي مثلي؟»

تدلّى ريش الغراب: «لأنّ مشيتك جميلة جدًّا، ناعمة رشيقة. وقفزتي عاديّة نطّاطة سخيفة.»

ضحكت الحجلة ضحكة ناعمة ودودة.

وقالت: «عاديّة؟ سخيفة؟ أيّها الغراب، هل تعرف بماذا أفكّر كلّما رأيتك؟»

هزّ الغراب رأسه.

قالت الحجلة: «أفكّر: ما أروع أن يقفز أحد هكذا! سريع نشيط، يقفز فوق الحصى بقفزة واحدة. وعندما تريد، تفرد جناحيك وتطير حتى أعلى شجرة. أنا أستطيع أن أطير مسافة قصيرة فقط، منخفضة فوق الأرض. لطالما تمنّيت أن أحلّق مثلك.»

رمش الغراب: «أنتِ تتمنّين أن تكوني مثلي؟»

قالت الحجلة مبتسمة: «أحيانًا. لكنّي بعد ذلك أتذكّر أنّ مشيتي مناسبة لي تمامًا، وقفزتك مناسبة لك تمامًا.»

نظر الغراب إلى قدميه. فكّر كيف كانت قفزته توصله دائمًا إلى حيث يريد. فوق الحصى، وعبر المرج، وإلى الجدول.

وقال بهدوء: «لكنّي نسيت كيف.»

قالت الحجلة: «إذن لنتذكّر معًا. أغمض عينيك. توقّف عن التفكير في قدميّ. فكّر فقط إلى أين تريد أن تذهب.»

أغمض الغراب عينيه. فكّر في الجدول البارد المتلألئ، وفكّر في شمس الصباح على ريشه.

ولم يفكّر في قدميه أبدًا.

فتذكّرت قدماه.

قفزة.

قفزة، قفزة.

قفزة، قفزة، قفزة!

فتح الغراب عينيه. كان يقفز! نشيطًا سريعًا، كما كان من قبل تمامًا!

صاح: «أستطيع! أستطيع أن أقفز من جديد!»

قفز في دائرة، وقفز فوق حصاة، وقفز حتى الجدول وعاد. وصفّقت الحجلة بجناحيها.

ثمّ فرد الغراب جناحيه الأسودين اللامعين، وطار إلى الأعلى، إلى الأعلى، إلى الأعلى، حتى قمّة أطول شجرة. ونظر إلى سفح التلّ، وإلى الأزهار البرّية، وإلى صديقته الجديدة.

ونادى: «شكرًا!»

ومن ذلك اليوم، صار الغراب والحجلة يذهبان إلى كلّ مكان معًا. هي تمشي: خطوة، وخطوة، وخطوة. وهو يقفز بجانبها: قفزة، قفزة، قفزة.

ولم يتمنَّ أيّ منهما بعد ذلك أبدًا أن يكون أحدًا غير نفسه.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

تَتَبَّعْ حَرْفَ الباءِ مَعَ بَسْمَةَ وَنُقْطَةَ
تَتَبَّعْ حَرْفَ الباءِ مَعَ بَسْمَةَ وَنُقْطَةَ

تَتَبَّعْ أَشْكالَ حَرْفِ الباءِ الأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَتَبَّعِ الكَلِماتِ. مَعَ قِصَّةِ بالونِ الباء...

قصة نبي الله شعيب عليه السلام والميزان العادل
قصة نبي الله شعيب عليه السلام والميزان العادل

منذ زمن بعيد كانت هناك مدينة مزدحمة اسمها مَدْيَن، تقع على طريق مهم تمرّ به قوافل كثيرة. كان المسافر...

حَمَدٌ وَحَمْدَةُ وَنُقْطَةُ في مَسْرَحِ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ
حَمَدٌ وَحَمْدَةُ وَنُقْطَةُ في مَسْرَحِ المُذَكَّرِ وَالمُؤَنَّثِ

حَمَدٌ وَحَمْدَةُ تَوْأَمانِ يُحِبّانِ المَسْرَحَ. في يَوْمِ الخَميسِ قالَتِ المُعَلِّمَةُ: «سَنَصْن...