العودة إلى الحكايات

حكاية

الشيخ زاهد وحلم جرّة العسل (من كليلة ودمنة)

الشيخ زاهد وحلم جرّة العسل (من كليلة ودمنة)
في قديم الزمان، في بيت أبيض صغير على طرف قرية، عاش شيخ طيّب اسمه زاهد.

كان لزاهد لحية بيضاء طويلة، وطاقية صوف ناعمة، وابتسامة تجعّد عينيه. لم يكن يملك كثيرًا. كانت له غرفة بسيطة جدرانها مطليّة بالأبيض، وحصيرة مخطّطة ينام عليها، ووسادة زرقاء، ونبتة صغيرة في أصيص فخّار، وعصا خشبية لها مقبض معقوف.

لكنّ زاهد كان له جيران طيّبون. وكلّ صباح، كان خبّاز طيّب في آخر الزقاق يرسل له هديّة صغيرة. أحيانًا خبزًا، وأحيانًا تمرًا، وأحيانًا ملعقة من العسل الذهبيّ.

لم يكن زاهد يأكل العسل كلّه أبدًا. كان حريصًا. كلّ يوم يأكل قليلًا ويدّخر قليلًا. وكان يحفظ العسل الزائد في جرّة فخّار مستديرة.

يومًا بعد يوم، وملعقة بعد ملعقة، امتلأت الجرّة أكثر فأكثر.

وأخيرًا، في أحد الأمسيات، امتلأت الجرّة حتى أعلاها.

نظر إليها زاهد بفخر. لم يكن يريد أن يجدها النمل، ولا أن يوقعها القطّ. فربط حبلًا حول عنقها، وعلّقها في خطّاف في السقف، فوق حصيرته تمامًا.

وتأرجحت هناك بلطف، ذهابًا وإيابًا. يلمع العسل الذهبيّ في أعلاها، ورائحته حلوة دافئة، مثل أزهار في الشمس.

استلقى زاهد على حصيرته، ووضع يديه خلف رأسه، ونظر إلى الجرّة.

وبدأ يحلم.

قال لنفسه: «يا لها من جرّة عسل جميلة! أستطيع أن أبيعها في السوق. العسل غالٍ. أبيعها بقطعة فضّة، وربّما بقطعتين!»

وابتسم.

وتابع: «وبقطعتي فضّة، أشتري عنزة. عنزة بنّيّة جميلة لها لحية صغيرة، مثل لحيتي تمامًا.»

وضحك لهذه الفكرة.

«وعنزتي ستلد جديين صغيرين. ويكبران ويلدان جداء أيضًا. وبعد قليل يصير عندي عشر عنزات!»

لمعت عينا زاهد.

«وبعشر عنزات، أبادل بعضها بخراف. خراف بيضاء منفوشة صوفها ناعم. والخراف تلد حملانًا. وبعد قليل يصير عندي عشرون خروفًا وعشرون عنزة، كلّها ترعى في مرج أخضر!»

كاد يراها. خراف منفوشة، وعنزات نطّاطة، ومرج أخضر كبير فيه أقحوان، تحت سماء زرقاء واسعة.

قال زاهد وهو يتحمّس أكثر فأكثر: «ثمّ أشتري مزرعة. فيها بيت كبير، وحديقة، وبستان مليء بأشجار المشمش، وبئر فيها ماء عذب.»

واعتدل قليلًا على حصيرته.

«وسأحتاج إلى عصا راعٍ لأرعى كلّ حيواناتي. عصا جميلة، مثل هذه تمامًا.»

والتقط عصاه ورفعها.

«وكلّ صباح، أمشي إلى مرجي، وأنظر إلى كلّ خرافي وعنزاتي. وإن ابتعدت عنزة صغيرة نحو أشجار المشمش، ألوّح بعصاي هكذا، وأنادي: عودي إلى هنا أيّتها العنزة الصغيرة! عودي!»

ورفع زاهد عصاه عاليًا في الهواء، يلوّح بها بكلّ قوّته.

طُق!

ضربت العصا جرّة العسل.

تأرجحت الجرّة بقوّة على حبلها: تأرجح، تأرجح، تأرجح. ثمّ... طَق! ظهر شقّ كبير على جانبها.

وبدأ العسل ينسكب.

قطرة.

قطرة، قطرة.

بُلُق، بُلُق، بُلُق!

انصبّ العسل الذهبيّ اللزج من الجرّة. انصبّ على طاقية زاهد، وعلى لحيته البيضاء الطويلة، وعلى أنفه، وعلى كتفيه، وعلى حصيرته المخطّطة.

جلس زاهد ساكنًا جدًّا. والعسل يقطر من طرف لحيته: قطرة، قطرة، قطرة.

ذهبت العنزات، وذهبت الخراف. وذهبت المزرعة والمرج وأشجار المشمش.

ولم يبقَ إلّا جرّة فارغة، وشيخ لزج جدًّا، وعسل كثير.

وفي تلك اللحظة، طُرق الباب: طَق، طَق، طَق.

نادى صوت صغير: «جدّي زاهد؟ أنا ليلى! أرسل لك أبي بعض الخبز!»

كانت بنت الخبّاز. دفعت الباب وأطلّت.

ثمّ توقّفت، واتّسعت عيناها.

كان زاهد جالسًا على حصيرته، مغطّى بالعسل الذهبيّ من رأسه إلى قدميه. لحيته ملتصقة كتلًا لزجة، وقطرة عسل تتدلّى من طرف أنفه.

شهقت ليلى: «جدّي زاهد! ماذا حدث؟»

نظر إليها زاهد، ثمّ نظر إلى الجرّة المشقوقة الفارغة، ثمّ إلى لحيته اللزجة.

ثمّ بدأ يضحك.

ضحك وضحك حتى اهتزّ بطنه، وتطاير العسل من لحيته قطرات صغيرة.

قال وهو يمسح عينيه بيد لزجة: «آه يا ليلى، كنت أحلم. كنت أحلم كثيرًا بالعنزات والخراف والمزارع، حتى نسيت العسل الذي فوق رأسي تمامًا.»

بدأت ليلى تضحك، ثمّ ضحكت حتى اضطرّت أن تجلس.

وقالت أخيرًا: «تعالَ، دعني أساعدك.»

أحضرت ليلى دلو ماء من البئر، ووجدت قطعة قماش ناعمة. ومعًا، غسلا العسل من لحية زاهد، ومن طاقيته، ومن أنفه. أخذ ذلك وقتًا طويلًا، فالعسل لزج جدًّا.

ثمّ فركا الحصيرة المخطّطة، ونشراها في الشمس لتجفّ.

وعندما انتهيا، نظر زاهد إلى الجرّة المشقوقة. كان في قاعها ما زال قليل من العسل، يكفي لاثنين تمامًا.

قسم زاهد خبز الخبّاز الدافئ نصفين. غمس نصفًا في العسل وأعطاه لليلى، وغمس النصف الآخر لنفسه.

وجلسا معًا على عتبة الباب، في شمس العصر الدافئة، يأكلان الخبز بالعسل.

كان طريًّا حلوًا لذيذًا.

قالت ليلى وفمها ممتلئ: «جدّي زاهد، هل ما زلت تتمنّى كلّ تلك العنزات والخراف؟»

فكّر زاهد. نظر إلى السماء الزرقاء، وإلى بيته الأبيض الصغير، وإلى ليلى والعسل على ذقنها.

وقال مبتسمًا: «ربّما يومًا ما. لكنّ هذا الخبز والعسل، الآن، أجمل شيء في الدنيا كلّها.»

وكان كذلك فعلًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)
السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)

بعد رحلته الأولى، بقي السندباد في بيته في بغداد سنة كاملة. كان يحكي الحكايات، ويأكل التمر الحلو، ويس...

الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)
الحمامة المطوّقة والشبكة الطائرة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في أرض أشجار الزيتون والتلال الذهبية، عاش سرب من الحمام. كان الحمام رماديًّا ناعم...

صل النقاط: منطاد لُجين
صل النقاط: منطاد لُجين

صفحة صل النقاط من حكاية لُجين وصباح المنطاد. اطبع الصفحة وصل النقاط من 1 إلى 19، ثمّ عُد إلى 1، لترس...