العودة إلى الحكايات

حكاية

الأمير قمر والحصان الأبنوسي الطائر (من ألف ليلة وليلة)

الأمير قمر والحصان الأبنوسي الطائر (من ألف ليلة وليلة)
في قديم الزمان، في بلاد فارس، كان هناك ملك يحب الاختراعات الذكية. وفي كل سنة، في أول يوم من أيام الربيع، كان المخترعون يأتون من قريب ومن بعيد ليعرضوا عليه عجائبهم.

في ذلك الربيع جاء مخترعان. أحضر الأول طاووسًا ذهبيًا يغني أغنية كل ساعة. فصفّق الملك فرحًا.

أما المخترع الثاني فكان رجلًا عجوزًا له لحية رمادية طويلة ووجه عابس. أدخل حصانًا مصنوعًا من خشب الأبنوس الأسود اللامع. كان له سرج من المخمل الأحمر، ولجام مغطى بنجوم ذهبية صغيرة. وعلى رقبته وتدان خشبيان صغيران.

قال المخترع العجوز: «هذا الحصان يطير. يستطيع أن يحمل راكبه إلى أي مكان في العالم في يوم واحد.»

فتقدّم ابن الملك، الأمير قمر. كان شابًا شجاعًا وفضوليًا جدًا جدًا. وقال: «هل أستطيع أن أجرّبه يا أبي؟»

وقبل أن يجيب أحد، قفز الأمير قمر إلى السرج. رأى الوتد على الجانب الأيمن من رقبة الحصان، فأداره.

فووش! قفز الحصان الأبنوسي في الهواء. طار فوق أبراج القصر، وفوق الغيوم، وابتعد عبر السماء.

صاح المخترع العجوز: «انتظر! ارجع! لم أُرِك كيف تنزل!»

لكن الأمير كان قد ارتفع كثيرًا فلم يسمع.

في البداية ضحك الأمير قمر فرحًا. كانت الريح تمرّ في شعره. وفي الأسفل بدت الأنهار مثل شرائط فضية، والمدن مثل مكعبات ألعاب. لكنه بعد قليل أراد أن ينزل. شدّ اللجام، فظل الحصان يطير إلى الأعلى. أدار الوتد الأيمن مرة أخرى، فطار الحصان أعلى وأعلى.

قال الأمير: «يا إلهي! كنت مستعجلًا جدًا فلم أنتظر لأتعلم كيف يعمل.»

أخذ الأمير قمر نفسًا عميقًا، وجعل نفسه يهدأ. وقال: «إذا لم أستطع الخروج من هذا بالعجلة، فيجب أن أنظر بعناية.» ومرّر يديه ببطء وصبر على رقبة الحصان كلها. وهناك، على الجانب الأيسر، مختبئًا تحت العُرف، كان وتد صغير ثانٍ. فأداره برفق.

بدأ الحصان ينزل بنعومة، مثل ورقة شجر في الخريف. فابتسم الأمير وهمس للحصان: «شكرًا لك.»

كانت الشمس قد بدأت تغرب. وحطّ الحصان الأبنوسي على السطح المستوي لقصر أبيض جميل، في مدينة لم يرها الأمير من قبل. نزل الأمير عن الحصان وأطلّ من حافة السطح.

وفي حديقة في الأسفل كانت فتاة تقرأ على ضوء فانوس. إنها الأميرة شمس، ابنة ملك تلك البلاد. رفعت عينيها فرأت الأمير على السطح بشعره المنكوش من الريح. دهشت، لكنها لم تخف. بل ضحكت.

نادت: «من أنت؟ وكيف صعدت إلى سطحي؟»

أجابها: «أنا الأمير قمر. جئت على حصان طائر، مع أنني لم أخطط لذلك تمامًا.»

دعته الأميرة لينزل ويشرب الشاي. تحدثا ساعات طويلة عن الكتب والنجوم والأماكن البعيدة. وسرعان ما صارا صديقين حميمين. أرادت الأميرة شمس أن ترى بلاد الأمير، وأراد الأمير أن يعرّفها إلى أبيه.

قال الأمير قمر: «سنسأل أباكِ أولًا.» فقد تعلّم الآن ألا يستعجل.

استمع الملك، أبو الأميرة شمس، إلى القصة. دهش، لكنه أحب الأمير المهذب. وقال: «يمكنكِ أن تزوري فارس، على أن تعودي لتحكي لي كل شيء.»

فصعد الأمير والأميرة على الحصان الأبنوسي. أدار الأمير الوتد الأيمن فارتفعا إلى السماء. وعندما وصلا إلى فارس، أدار الوتد الأيسر، فحطّا برفق في حديقة خارج مدينة أبيه.

قال الأمير للأميرة: «انتظري هنا واستريحي. سأذهب لأخبر أبي بالخبر السعيد، ثم نعود إليكِ بالموسيقى والزهور.»

لكن المخترع العجوز كان ينتظر في تلك الحديقة. كان ما يزال غاضبًا لأن الأمير طار بحصانه من غير أن يستأذن. وعندما ذهب الأمير، اقترب المخترع من الأميرة.

وقال: «لقد أرسلني الأمير لآخذكِ.» ولم يكن هذا صحيحًا. ساعد الأميرة على ركوب الحصان، وركب خلفها، وأدار الوتد. فطارا إلى الأعلى.

وتذمّر المخترع: «سآخذكِ بعيدًا، وعندها سيندم الأمير لأنه أخذ حصاني.»

طارا إلى بلاد اسمها الروم، وحطّا في مرج أخضر. وهناك كان ملك الروم يتنزه مع أصدقائه. رأى الأميرة حزينة فسألها: «هل هذا الرجل العجوز جدّكِ؟»

قالت الأميرة: «لا. لقد خدعني. أرجوك ساعدني لأعود إلى صديقي الأمير قمر.»

فأمر ملك الروم حرّاسه أن يُبقوا المخترع في غرفة هادئة في قصره حتى تُحلّ المسألة.

وفي هذه الأثناء، عاد الأمير قمر إلى الحديقة فوجد الأميرة قد اختفت. لم يفزع. فكّر بعناية. وسأل كل من قابله إن كان قد رأى حصانًا أسود في السماء. وأخيرًا أخبره تاجر أنه رآه ينزل في بلاد الروم.

فسافر الأمير إلى الروم في ثياب مسافر بسيط. وعندما وصل إلى قصر الملك، شرح كل شيء بأدب. فركضت الأميرة لاستقباله، وتعانقا.

ثم ذهب الأمير ليرى المخترع العجوز. نظر المخترع إلى الأرض وتمتم: «كنت غاضبًا. لقد أخذت حصاني من غير أن تستأذن.»

قال الأمير قمر: «أنت محقّ. كان يجب أن أستأذن، وأن أستمع. أنا آسف. وآسف لأن أحدًا لم يشكرك على اختراعك الرائع.»

رفع المخترع عينيه مندهشًا. لم يعتذر له أحد من قبل. ولان وجهه العابس، وقال: «وأنا آسف أيضًا. ما كان يجب أن أخدع الأميرة.»

وطار الأمير والأميرة والمخترع معًا إلى البيت على الحصان الأبنوسي، بحذر شديد. وفي فارس أعطى الملك المخترع العجوز ورشة خاصة به مليئة بالأدوات. ومن يومها، كلما أراد أحد جديد أن يركب الحصان الطائر، كان الأمير قمر يقول: «اجلس أولًا واستمع. دعني أُرِك الوتدين كليهما.»
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

نُقْطَةُ وَنُقْطَةُ وَمَدينَةُ التّاءِ المَرْبوطَةِ
نُقْطَةُ وَنُقْطَةُ وَمَدينَةُ التّاءِ المَرْبوطَةِ

في صَفِّ الأُسْتاذَةِ مَرْيَمَ، رَسَمَتِ المُعَلِّمَةُ عَلى اللَّوْحِ دائِرَةً صَغيرَةً. وَفَجْأَةً....

الشيخ حكيم والجسور الثلاثة
الشيخ حكيم والجسور الثلاثة

في قريةٍ بين نهرين عاش شيخٌ اسمه حكيم. كانت لحيته بيضاء كالقطن، وعيناه طيّبتين لامعتين. لم يكن حكيمٌ...

أَلْعابُ بِلال تَعودُ إلى بَيْتِها
أَلْعابُ بِلال تَعودُ إلى بَيْتِها

يَلْعَبُ بِلالُ طُولَ اليَوْم. مُكَعَّباتٌ عَلى السَّجّادَة. سَيّاراتٌ عَلى السَّرير. كُرَةٌ تَحْتَ...