العودة إلى الحكايات

حكاية

إدريس والطائرة الورقية التي تحتاج إلى يدين أخريين

إدريس والطائرة الورقية التي تحتاج إلى يدين أخريين
كانت عند إدريس طائرة ورقية جديدة تمامًا. كانت على شكل معيّن، ومرسومة مثل غروب الشمس: برتقالية في الأعلى، وردية في الوسط، وبنفسجية غامقة في الأسفل. وكان لها ذيل طويل من فيونكات شرائط صغيرة، كلّ فيونكة بلون مختلف.

ساعده عمّه في صنعها. ألصقا العيدان معًا، وشدّا الورق جيّدًا، وربطا الخيط بعقدة مزدوجة قويّة. وقال عمّه: "الآن صارت جاهزة للسماء."

في عصر يوم الجمعة، جاءت الريح. حرّكت أشجار النخيل في شارع إدريس، وجعلت الغسيل على أسطح البيوت يرفرف مثل الأعلام. أمسك إدريس طائرته وركض إلى الساحة الواسعة في آخر الطريق.

قال لنفسه: "اليوم سأطيّر طائرتي أعلى من العصافير. وحدي تمامًا."

رفع الطائرة فوق رأسه بيد، وأمسك الخيط باليد الأخرى. ثمّ ركض بأسرع ما يستطيع.

ارتطمت الطائرة بالأرض خلفه. انقلبت. واحتكّت بالعشب. ثمّ سقطت على الأرض مثل سمكة متعبة.

عبس إدريس. رفعها وحاول مرّة أخرى. ركض هذه المرّة أسرع. كان نعلاه يضربان الأرض، وأنفاسه تخرج كبيرة. ارتفعت الطائرة قليلًا، وتمايلت، ثمّ دارت وسقطت في شجيرة.

تمتم إدريس: "يا لكِ من طائرة عنيدة!"، وسحبها بلطف. كانت إحدى الفيونكات قد انفكّت، فربطها من جديد بأصابع حريصة.

على طرف الساحة، كانت بنت تجلس على سور منخفض. لها ضفيرتان طويلتان ووشاح أصفر، وكانت تأكل بذور دوّار الشمس من قرطاس ورقيّ. كان إدريس يعرفها. اسمها بسمة، وقد سكنت في البيت ذي الباب الأخضر منذ شهر. رآها مرّات، لكنّهما لم يتكلّما حقًّا.

راقبته بسمة وهو يحاول مرّة ثالثة. ثمّ رابعة. وفي كلّ مرّة، كانت الطائرة تنقلب وتسقط.

نادت بسمة: "هل تريد مساعدة؟"

هزّ إدريس رأسه: "لا، شكرًا. أستطيع أن أفعلها وحدي."

ركض مرّة أخرى. وسقطت الطائرة مرّة أخرى. وهذه المرّة التفّ الخيط حول ساقيه، فجلس على العشب بقوّة. لم يبكِ، لكنّ عينيه صارتا حارّتين وتلسعانه.

قفزت بسمة عن السور واقتربت. جلست بجانبه وقدّمت له القرطاس: "بذرة؟"

أخذ إدريس واحدة. وصارا يكسران البذور معًا بهدوء لحظة.

قالت بسمة: "طائرتك جميلة جدًّا. تشبه السماء قبل غروب الشمس."

قال إدريس: "صنعتها مع عمّي. لكنّها لا تريد أن تطير."

أمالت بسمة رأسها وقالت: "في مدينتي القديمة، كنت أطيّر الطائرات الورقية على الشاطئ مع أختي الكبرى. كانت تقول دائمًا إنّ الطائرة تحتاج إلى شخصين في البداية. واحد يرفعها عاليًا ويتركها في اللحظة المناسبة. والآخر يمسك الخيط ويركض. وحين تمسك الطائرة الريح، يستطيع شخص واحد أن يطيّرها بسهولة. لكنّ البداية تحتاج إلى اثنين."

نظر إدريس إلى طائرته. ونظر إلى الخيط. وفكّر كم هو صعب أن يمسك الاثنين ويركض في الوقت نفسه.

قال ببطء: "ربّما... تستطيعين أن ترفعيها؟"

أشرق وجه بسمة بابتسامة كبيرة: "يسعدني ذلك كثيرًا."

فكّ إدريس الخيط عن ساقيه. ومشى إلى الخلف عبر الساحة، يرخي الخيط شيئًا فشيئًا، حتى صار بعيدًا عن بسمة. وقفت بسمة وظهرها للريح، ورفعت الطائرة فوق رأسها بيديها الاثنتين. وكان الذيل يرفرف على ذراعها.

صاحت بسمة: "مستعدّ؟"

صاح إدريس: "مستعدّ!"

نادت بسمة: "انتظر الريح. انتظر... انتظر..."

انتظر إدريس. شعر بالنسيم على رقبته. وسمع النخيل يبدأ بالهمس. ثمّ جاءت هبّة قويّة دافئة مسرعة عبر الساحة.

صاحت بسمة: "الآن!" وأفلتت الطائرة.

شدّ إدريس الخيط وركض. وهذه المرّة لم تنقلب الطائرة. ولم تسقط. بل قفزت إلى الهواء كأنّها انتظرت هذه اللحظة طوال اليوم. ارتفعت، وارتفعت، وارتفعت، فوق الأسطح، وفوق النخيل، وفوق حمامة مندهشة ابتعدت عن طريقها.

صاح إدريس: "إنّها تطير! بسمة، انظري، إنّها تطير!"

ركضت بسمة نحوه وضفيرتاها تقفزان. ووقفا معًا ينظران إلى الأعلى. كانت الطائرة معلّقة في السماء الزرقاء، مثل غروب صغير في وسط العصر. وكان ذيلها يرقص ويتلوّى كأنّه يضحك.

أرخى إدريس مزيدًا من الخيط، فصعدت الطائرة أعلى. وشعر بها تشدّ الخيط بلطف، مثل حيوان لطيف يريد أن يلعب.

سألها إدريس: "هل تريدين دورًا؟"

اتّسعت عينا بسمة: "حقًّا؟"

قال إدريس: "حقًّا. أنتِ ساعدتِها على الطيران. هذا عدل."

أراها كيف تمسك الخيط، يدًا في الأمام ويدًا في الخلف. أمسكته بسمة بقوّة، وضحكت حين مالت الطائرة إلى اليسار ثمّ إلى اليمين. وقالت وهي تقهقه: "إنّها تشدّني!"

تبادلا الأدوار بقيّة العصر. وسمّيا الطائرة "شمسة" بسبب ألوانها. جعلاها تنخفض وترتفع. ومرّة جعلاها تنخفض كثيرًا حتى كادت تلمس رأس نخلة، فشهقا معًا ثمّ ضحكا حتى آلمتهما بطناهما.

وحين بدأت السماء تتلوّن بألوان الطائرة نفسها، نادت أمّ إدريس عليه من آخر الطريق. لفّ إدريس وبسمة الخيط ببطء وحرص. ونزلت شمسة تطفو، وحطّت بنعومة بين ذراعي إدريس.

وفي طريق العودة قالت بسمة: "أختي بعيدة الآن. أشتاق إلى تطيير الطائرات معها."

فكّر إدريس لحظة ثمّ قال: "يوم الجمعة القادم قد تأتي الريح من جديد. نستطيع أن نطيّر شمسة معًا." ثمّ أضاف بخجل: "وربّما نصنع طائرة ثانية. عند عمّي ورق كثير."

ابتسمت بسمة: "بأيّ لون؟"

قال إدريس: "أنتِ اختاري."

في تلك الليلة، علّق إدريس شمسة على الحائط فوق سريره. وقبل أن ينام، نظر إليها وابتسم. كان يريد أن يطيّر طائرته وحده. لكنّه قرّر أنّ تطييرها مع صديقة يجعلها تصعد أعلى بكثير، بكثير.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

تَتَبَّعِ الكَلِماتِ عَلى الوَجْهِ: أُغْنِيَةُ روبي
تَتَبَّعِ الكَلِماتِ عَلى الوَجْهِ: أُغْنِيَةُ روبي

تَتَبَّعْ كُلَّ كَلِمَةٍ، ثُمَّ الْمِسْ ذلِكَ الجُزْءَ مِنْ وَجْهِكَ وَقُلْها.

قصة نبي الله يوسف عليه السلام والبئر والكواكب الأحد عشر
قصة نبي الله يوسف عليه السلام والبئر والكواكب الأحد عشر

يسمّي الله قصة يوسف «أحسن القصص» (سورة يوسف، الآية 3). إنها قصة عن رؤيا، ورحلة طويلة، وقلب كثير العف...

زوي وَالعَمُّ ماجِدٌ وَزَعْتَرُ بَبَّغاءُ الطَّقْسِ
زوي وَالعَمُّ ماجِدٌ وَزَعْتَرُ بَبَّغاءُ الطَّقْسِ

كانَ العَمُّ ماجِدٌ يُخْبِرُ الشّارِعَ بِالطَّقْسِ كُلَّ صَباحٍ. رَفْرَفْ! حَطَّ زَعْتَرُ عَلى فِنْج...