العودة إلى الحكايات

حكاية

زعفرانة قطّة الميناء تعدّ القوارب العائدة

زعفرانة قطّة الميناء تعدّ القوارب العائدة
في آخر ميناء حجريّ، فوق تلّة صغيرة تطلّ على البحر، وقفت منارة بيضاء لها قبّعة حمراء. وفي المنارة عاش حارس عجوز اسمه العمّ أنسِلم، ومعه قطّته البرتقالية زعفرانة.

كان فرو زعفرانة بلون مربّى البرتقال، وطرف ذيلها أبيض، وإحدى أذنيها مائلة قليلًا إلى الجانب دائمًا. أحبّت زعفرانة المنارة كثيرًا. أحبّت غرفها المستديرة، ودرجها الملتفّ. وأحبّت البقعة الدافئة على الأرض حيث تدخل شمس العصر من النافذة. لكنّها أحبّت المساء أكثر من كلّ شيء.

ففي كلّ مساء، حين تتلوّن السماء بلون المشمش والخزامى، كانت قوارب الصيد تعود إلى البيت.

كانت زعفرانة تصعد الدرج الملتفّ حتى القمّة، وتجلس على حافّة النافذة بجانب المصباح الكبير. ومن هناك كانت ترى البحر كلّه، واسعًا ولامعًا. وكانت تعدّ القوارب وهي تدخل الميناء.

أوّلًا يأتي القارب الأخضر الكبير، تتبعه طيور النورس وهي تصيح: "كِي-آو! كِي-آو!"

ثمّ يأتي القاربان الأصفران، جنبًا إلى جنب، مثل أختين.

ثمّ يأتي القارب المخطّط بالأحمر والأبيض، وهو يطقطق: بُت، بُت، بُت.

وفي الأخير يأتي القارب الأزرق الصغير. كان لصيّاد شابّ اسمه يوان، يلوّح دائمًا للمنارة حين يمرّ. وكانت زعفرانة متأكّدة أنّه يلوّح لها هي.

كانت زعفرانة تخرخر: "واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة. الجميع في البيت." وعندها فقط، كانت تنزل الدرج الملتفّ، وتلتفّ على وسادتها قرب المدفأة، وتنام.

في أحد الأمسيات، كانت السماء جميلة جدًّا. غيوم وردية تطفو مثل حلوى القطن، والبحر يلمع ذهبًا. صعد العمّ أنسِلم الدرج ببطء، ويده على الدرابزين، وأشعل المصباح الكبير. فبدأ يدور، ويرسل شعاعه الطويل اللامع فوق الماء.

جلست زعفرانة على حافّة النافذة وبدأت تعدّ.

دخل القارب الأخضر الكبير. واحد.

دخل القاربان الأصفران. اثنان، ثلاثة.

دخل القارب المخطّط وهو يطقطق. أربعة.

وانتظرت زعفرانة القارب الأزرق الصغير.

انتظرت والسماء تتحوّل من المشمشيّ إلى البنفسجيّ. وانتظرت والنجمة الأولى تطلّ. وانتظرت وأضواء بيوت الميناء تُضاء واحدًا بعد واحد، مثل عيون لطيفة.

لكنّ القارب الأزرق الصغير لم يأتِ.

بدأ ذيل زعفرانة يرتجف. ورفعت أذنها المائلة إلى أعلى ما تستطيع. وماءت: "أين يوان؟ يجب أن يكون الجميع في البيت الآن."

جاء العمّ أنسِلم وجلس بجانبها على كرسيّه الخشبيّ الذي يصرّ. وحكّ لها خلف أذنيها بلطف وسألها: "ما بكِ يا صغيرتي؟ هل تنتظرين أحدًا؟"

ماءت زعفرانة مرّة أخرى، وألصقت أنفها بالزجاج البارد.

نظر العمّ أنسِلم إلى البحر وقال: "آه، القارب الأزرق لم يعد بعد. لا تقلقي. أحيانًا يتأخّر القارب قليلًا. ربّما وجد يوان مكانًا جيّدًا للصيد. وربّما توقّف ليساعد صديقًا. البحر هادئ الليلة، والقمر مضيء."

استمعت زعفرانة، لكنّها لم تتحرّك. لم تكن تريد أن تذهب إلى النوم. كيف تنام والعدّ لم ينتهِ؟

ظهرت النجوم، أكثر فأكثر. وطلع القمر مستديرًا فضّيًّا، ورسم طريقًا لامعًا فوق الماء. ثقلت عينا زعفرانة. رمشت ببطء. ومال رأسها، ثمّ رفعته بسرعة.

فكّرت: "يجب أن أبقى مستيقظة. يجب أن أعدّ يوان حتى يصل."

ابتسم العمّ أنسِلم. ومدّ يده ومسح على ظهرها، من رأسها حتى طرف ذيلها الأبيض.

وقال بهدوء: "هل تعرفين لماذا عندنا منارة يا زعفرانة؟ حتى تجد القوارب طريقها إلى البيت دائمًا، حتى في الظلام. الضوء يظلّ يدور طوال الليل. لا يتعب. ولا يحتاج إلى النوم. إنّه يسهر من أجلنا."

نظرت زعفرانة إلى المصباح الكبير. كان يدور ويدور، ويرسل شعاعه بعيدًا جدًّا فوق البحر. مرّ الشعاع فوق الصخور، وفوق الأمواج، حتى طرف السماء.

قال العمّ أنسِلم: "الضوء هو الذي يسهر. والبحر لطيف، ويوان يعرف الطريق. تستطيعين أن ترتاحي يا صغيرتي. لستِ مضطرّة أن تحملي كلّ شيء وحدك."

فكّرت زعفرانة في ذلك. الضوء ساطع جدًّا، أسطع بكثير من عينيها. ويرى أبعد ممّا ترى بكثير. ولا يشعر بالنعاس أبدًا.

تثاءبت تثاؤبًا كبيرًا واسعًا، حتى انفردت شواربها مثل المروحة.

حملها العمّ أنسِلم بين ذراعيه. ونزل بها الدرج الملتفّ درجة درجة، وهو يدندن أغنية بحرية قديمة. كانت الأغنية تعلو وتنخفض مثل أمواج هادئة. ووضعها على وسادتها قرب المدفأة، حيث الدفء ورائحة الخبز المحمّص والحطب.

همس: "تصبحين على خير يا زعفرانة. الضوء سيسهر."

خبّأت زعفرانة أنفها تحت ذيلها. وسمعت فوقها همهمة المصباح الكبير وهو يدور. وسمعت في الخارج الأمواج تقول: هُشش، هُشش، هُشش على الصخور. أغمضت عينيها. وصار تنفّسها بطيئًا عميقًا. وسرعان ما نامت نومًا عميقًا، تحلم بأسماك فضّية وماء يلمع تحت القمر.

في الصباح، طلعت الشمس مشرقة صافية. استيقظت زعفرانة، وتمطّت، وركضت على الدرج الملتفّ إلى النافذة.

وهناك، في الميناء، يتهادى بسعادة بين القاربين الأصفرين، كان القارب الأزرق الصغير.

وعلى الرصيف، كان يوان يلوّح للمنارة. وبجانبه صيّاد آخر، صديق قديم تشابكت شبكته بعيدًا في البحر. بقي يوان ليساعده على فكّها، ثمّ أبحرا إلى البيت معًا ببطء، يتبعان شعاع المنارة طوال الطريق.

خرخرت زعفرانة: "خمسة"، وألصقت أنفها بالزجاج. "الجميع في البيت."

جاء العمّ أنسِلم خلفها ومعه كوب شاي، وقال مبتسمًا: "أرأيتِ؟ الضوء سهر."

وفي ذلك المساء، حين عادت القوارب، عدّتها زعفرانة من جديد. لكن إن تأخّر قارب، لم تعد تقلق كثيرًا. كانت تتثاءب تثاؤبًا كبيرًا، وتلتفّ على وسادتها، وتترك الضوء الكبير يسهر. فهي في النهاية قطّة منارة. وقطط المنارات تعرف أنّ الضوء لا ينام أبدًا، حتى ينام الجميع.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)
الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، على سفح تلّ مشمس مغطّى بالأزهار البرّية، عاش غراب. كان للغراب ريش أسود لامع يبرق...

رِيما شُجاعَةٌ عِنْدَ الطَّبيبَة
رِيما شُجاعَةٌ عِنْدَ الطَّبيبَة

اليَوْمَ تَذْهَبُ رِيما إلى الطَّبيبَةِ بَسْمَة. تُمْسِكُ رِيما يَدَ ماما بِقُوَّة. «أَشْعُرُ بِرَ...

الجمل الكسول والنمل النشيط
الجمل الكسول والنمل النشيط

على طرف صحراءٍ رمليّةٍ واسعة، قرب بلدةٍ تمرّ بها القوافل، عاش جملٌ صغيرٌ اسمه جمّال. كان له وبرٌ بنّ...