العودة إلى الحكايات

حكاية

لميس وأوّل مطر في الشتاء

لميس وأوّل مطر في الشتاء
في المدينة التي عاشت فيها لميس، كان المطر نادرًا جدًّا.

كانت الشمس تشرق كلّ يوم تقريبًا. تدفئ الكثبان الرملية حتى تلمع مثل العسل. وتجعل البحر يتلألأ، والنخيل يرمي ظلالًا طويلة باردة. أحبّت لميس الشمس. لكنّها أرادت أكثر من أيّ شيء في الدنيا أن ترى المطر.

رأته مرّة واحدة حين كانت صغيرة جدًّا، لكنّها لا تتذكّره إلّا مثل حلم. سماء رمادية. رائحة باردة. وصوت مثل أصابع صغيرة تنقر على السطح.

كانت تسأل أمّها كلّ صباح، طوال الصيف الطويل الحارّ: "متى ستمطر مرّة أخرى؟"

وكانت أمّها تقول: "ربّما في الشتاء. المطر ضيف عزيز هنا. لا يأتي إلّا حين يكون مستعدًّا."

فانتظرت لميس.

انتظرت في أيّام الصيف الحارّة، حين كان الهواء مثل بطّانية دافئة. وانتظرت في الخريف، حين صارت الأمسيات أبرد قليلًا، وبدأت العائلة تتعشّى في فناء البيت. وفي كلّ يوم كانت تنظر إلى السماء. وفي كلّ يوم كانت صافية زرقاء.

وفي البيت المجاور للميس عاش رجل عجوز اسمه العمّ جمعة. كانت له لحية بيضاء، ووجه طيّب مليء بالتجاعيد، وعصا من خشب الزيتون الأملس. لم يعد العمّ جمعة يستطيع المشي بعيدًا، لأنّ ركبتيه متعبتان. فكان يقضي معظم أيّامه جالسًا عند نافذته، يراقب الشارع ويلوّح للأطفال.

وفي كلّ عصر، في طريق عودتها من المدرسة، كانت لميس تقف عند نافذته.

وتسأله: "هل من مطر اليوم يا عمّ جمعة؟"

فينظر العمّ جمعة إلى السماء ويمسح لحيته ويقول: "ليس اليوم يا صغيرتي. لكنّي أشعر أنّه قادم. ركبتاي تعرفان دائمًا."

لم تكن لميس تعرف كيف تعرف الركبُ عن المطر. لكنّها صدّقته.

ثمّ في صباح يوم من أيّام ديسمبر، استيقظت لميس فوجدت شيئًا مختلفًا.

الضوء الداخل من ستائرها لم يكن ساطعًا أصفر. كان ناعمًا فضّيًّا. والهواء باردًا على خدّيها. وكانت هناك رائحة، رائحة عميقة منعشة، رائحة تراب، كأنّ الأرض تأخذ نفسًا كبيرًا.

قفزت لميس من السرير وركضت إلى النافذة. كانت السماء مليئة بالغيوم. غيوم كبيرة رمادية منتفخة، تتدحرج ببطء فوق الأسطح مثل أفيال نعسانة.

صاحت: "ماما! غيوم! غيوم حقيقية!"

أسرعت العائلة كلّها إلى الفناء. أبوها وفي يده فنجان قهوته. وأمّها تلفّ شالًا على كتفيها. وأخوها الرضيع زايد بمنامته المرسومة بالنجوم الصغيرة.

وقفوا ينظرون إلى الأعلى. كان النخيل ساكنًا تمامًا. والعصافير صامتة.

ثمّ... بِلِب.

نزلت قطرة واحدة على أنف لميس.

بِلِب. بُلُب. نزلت قطرة أخرى على يدها. ثمّ أخرى على البلاط. ثمّ أخرى في فنجان أبيها.

ثمّ فجأة، انفتحت السماء، وهطل المطر غزيرًا.

صرخت لميس من الفرح. فتحت ذراعيها ودارت حول نفسها. كان المطر باردًا ناعمًا يدغدغ. يسيل على وجهها ويقطر من رموشها. ويقرع السطح: طَق طَق، طَق طَق، تمامًا مثل الصوت في حلمها.

ضحكت أمّها ومدّت كفّيها. وأمال أبوها رأسه إلى الخلف وترك المطر يرشّ وجهه. وصرخ زايد الصغير فرحًا وضرب بقدميه الصغيرتين في بركة ماء.

غنّت لميس: "إنّها تمطر! إنّها تمطر، إنّها تمطر!"

ودبّت الحياة في الشارع كلّه. انفتحت الأبواب في كلّ مكان. وركض الأطفال بأخفافهم. ووقف الجيران على عتبات بيوتهم يبتسمون للسماء. وبدأ أحدهم يصفّق، ثمّ صار الجميع يصفّقون، كأنّ المطر صديق عاد أخيرًا إلى البيت بعد رحلة طويلة.

ظلّت لميس ترشّ الماء وتضحك حتى صار شعرها يقطر. ثمّ توقّفت فجأة.

نظرت إلى البيت المجاور. كانت النافذة التي يجلس عندها العمّ جمعة دائمًا مغلقة. والستارة مسدلة.

قالت لميس: "العمّ جمعة لا يستطيع الخروج. ركبتاه متعبتان جدًّا. المطر يفوته!"

لان وجه أمّها وقالت: "آه، معكِ حقّ."

فكّرت لميس جيّدًا. ثمّ خطرت لها فكرة. ركضت إلى المطبخ ورجعت بوعائها المفضّل، الوعاء الأزرق المرسوم على حافّته زهور بيضاء. رفعته نحو السماء. فملأه المطر قطرة قطرة، حتى صار الماء يرتجف عند حافّته.

ثمّ أمسكت لميس الوعاء بيديها الاثنتين بحرص شديد، ومشت إلى البيت المجاور وطرقت الباب.

فتحت ابنة العمّ جمعة الباب وضحكت: "لميس! أنتِ مبلولة تمامًا!"

قالت لميس: "أحضرت شيئًا للعمّ جمعة."

دخلت على رؤوس أصابعها إلى غرفة الجلوس. كان العمّ جمعة في كرسيّه، وعلى ركبتيه بطّانية. ولمعت عيناه حين رآها.

قالت لميس: "يا عمّ جمعة، قلت إنّ ركبتيك تعرفان أنّ المطر قادم. وكنت على حقّ. فأحضرت لك بعضه."

ومدّت له الوعاء.

نظر العمّ جمعة إلى ماء المطر، باردًا صافيًا، وفيه قطرات صغيرة ما زالت تقفز. غمس أصابعه العجوز فيه ولمس بها جبينه. ثمّ أغمض عينيه وابتسم.

وهمس: "رائحته مثل أيّام كنت صبيًّا."

وخطرت للميس فكرة أخرى. ذهبت إلى النافذة وأزاحت الستارة. وفتحت النافذة على اتّساعها. فدخل صوت المطر فورًا: القرع على السطح، والرشّ في الشارع، وضحك الأطفال. وملأت رائحة التراب المنعشة الغرفة كلّها.

مال العمّ جمعة إلى الأمام في كرسيّه. وراقب المطر وهو يهطل على النخيل وعلى الشارع اللامع. كانت عيناه دامعتين، لكنّه كان يبتسم أكبر ابتسامة رأتها لميس.

قال: "شكرًا يا صغيرتي. لقد أدخلتِ الشتاء إلى بيتي."

جلست لميس على الأرض بجانب كرسيّه، وراقبا المطر معًا حتى صار رذاذًا خفيفًا، ثمّ توقّف ببطء. وفوق الأسطح، انفرجت الغيوم، وامتدّ قوس قزح باهت عبر السماء.

سألت لميس: "هل سيعود؟"

ربّت العمّ جمعة على ركبتيه وضحك ضحكة خفيفة: "حين يعود، ستخبرني هاتان الركبتان العجوزان. وأنا سأخبرك."

ابتسمت لميس ووعدته: "وأنا سأحضر لك أوّل وعاء منه."
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

السلحفاة التي طارت مع البطّتين (من كليلة ودمنة)
السلحفاة التي طارت مع البطّتين (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، قرب بركة خضراء باردة، عاشت سلحفاة اسمها كاشف. كان لكاشف درع بنّيّ مستدير، وأرجل ق...

الجمل الكسول والنمل النشيط
الجمل الكسول والنمل النشيط

على طرف صحراءٍ رمليّةٍ واسعة، قرب بلدةٍ تمرّ بها القوافل، عاش جملٌ صغيرٌ اسمه جمّال. كان له وبرٌ بنّ...

عُدَّ وَضَعْ دائِرَةً: أَرْقامُ جِمالِ مِيا
عُدَّ وَضَعْ دائِرَةً: أَرْقامُ جِمالِ مِيا

عُدَّ النُّجومَ في كُلِّ سَطْرٍ، وَضَعْ دائِرَةً حَوْلَ كَلِمَةِ العَدَدِ الصَّحيحَةِ. مَعَ قِصَّةِ...