حكاية
سَنَد الحُوار الصغير والطريق الطويل إلى الواحة
كان سَنَد حُوارًا صغيرًا، أي جملًا صغيرًا. فروه ناعم منفوش بلون الخبز المحمّص. له ساقان طويلتان تتمايلان، وعينان كبيرتان داكنتان فيهما أطول رموش في القطيع كلّه، وسنام صغير بدأ ينمو للتوّ.
عاش سَنَد في الصحراء مع أمّه وبقيّة قطيع الجمال. وكانت ترعاهم بنت طيّبة اسمها موزة مع جدّها. وفي كلّ صباح، كانت موزة تغنّي للجمال وهي تملأ أحواض الماء. وكان سَنَد يحبّ أغانيها. كانت تشبه صوت الريح وهي تمرّ فوق الرمل.
في صباح أحد الأيّام، نظر جدّ موزة إلى السماء وإلى الأحواض الفارغة وقال: "حان الوقت. الماء هنا كاد ينتهي. اليوم نمشي إلى الواحة."
لم يذهب سَنَد إلى الواحة من قبل. سمع عنها فقط. كانت الجمال الكبيرة تقول إنّ فيها بركة ماء زرقاء باردة، ونخيلًا ظليلًا مثقلًا بالتمر، وعشبًا أخضر ناعمًا للراحة.
سأل سَنَد أمّه: "هل هي بعيدة؟"
أنزلت أمّه رقبتها الطويلة ومسحت رأسه بأنفها. وقالت: "إنّها بعيدة. سنمشي اليوم كلّه. لكنّنا سنصل."
فرح سَنَد كثيرًا. وقفز على ساقيه المتمايلتين وصاح: "سأكون الأوّل! سأركض طوال الطريق!"
وما إن بدأ القطيع يتحرّك، حتى فعل ذلك تمامًا.
انطلق يعدو أمام الجميع، وساقاه تطيران في كلّ اتّجاه. أثار سُحبًا صغيرة من الرمل. وركض صاعدًا الكثيب الأوّل ونازلًا من الجهة الأخرى. ونادى: "انظروا إليّ! أنا أسرع جمل في الصحراء!"
أمّا الجمال الكبيرة فظلّت تمشي. خطوة، خطوة، خطوة. ببطء وثبات، وأخفافها الكبيرة الليّنة تضغط على الرمل بلطف.
ركض سَنَد على الكثيب الثاني. والثالث. والرابع. وعند الكثيب الخامس، بدأت ساقاه تثقلان. وعند السادس، صارت أنفاسه قصيرة متقطّعة. وعند السابع، اضطرّ أن يتوقّف ويجلس على الرمل.
نظر خلفه. كان القطيع بعيدًا وراءه، يمشي بثبات في صفّ طويل. خطوة، خطوة، خطوة.
ارتفعت الشمس أكثر. وسخن الرمل. وقرقرت بطن سَنَد. وحين لحق به القطيع أخيرًا، كان مستلقيًا على الرمل يلهث.
قال وهو يئنّ: "لا أستطيع أن أمشي بعد الآن. ساقاي متعبتان جدًّا. الواحة بعيدة جدًّا."
توقّفت أمّه بجانبه. وجاءت موزة تركض وثوبها الأحمر الزاهي يرفرف. ركعت وأسقت سَنَد ماءً من قربة جلدية. ثمّ مسحت على رأسه المنفوش.
وقالت بهدوء: "مسكين يا سَنَد الصغير. ركضت بسرعة كبيرة وفي وقت مبكّر جدًّا. الصحراء كبيرة جدًّا. يجب أن تمشيها على طريقة الجمال."
سأل سَنَد أمّه: "وما طريقة الجمال؟"
طوت أمّه ساقيها الطويلتين وجلست بجانبه على الرمل. وقالت: "انظر إلى الجمال الكبيرة. أترى كيف تمشي؟ إنّها لا تركض. ولا تتوقّف. تخطو خطوة، ثمّ أخرى، ثمّ أخرى. وتحفظ قوّتها. هكذا تستطيع أن تمشي اليوم كلّه، ويبقى عندها نشاط في النهاية."
قال سَنَد: "لكنّ هذا بطيء جدًّا."
قالت أمّه: "بطيء، لكنّه يوصلك."
وحين ارتاح سَنَد، وقف على ساقيه المتمايلتين. وهذه المرّة لم يركض أمام الجميع. بل مشى بجانب أمّه، وكتفه يلمس جنبها.
قالت أمّه: "امشِ على خطواتي. خطوة... وخطوة... وخطوة."
حاول سَنَد. خطوة. خطوة. خطوة. في البداية شعر بالغرابة. كانت ساقاه تريدان الإسراع. لكنّه استمرّ، يتبع إيقاع أمّه البطيء المتمايل.
وبدأت موزة تغنّي. كانت أغنية للمشي، إيقاعها يرافق خطواتهم: "امشِ يا جملي، امشِ فوق الرمال. الواحة تنتظرنا، خلف التلال."
دندن سَنَد معها. خطوة، خطوة، خطوة. وجعلت الأغنيةُ المشيَ أسهل.
وبينما كانوا يمشون، بدأ سَنَد يلاحظ أشياء لم يرها حين كان يركض. رأى التموّجات في الرمل، مثل أمواج بحر ذهبيّ. ورأى سحلية صحراوية صغيرة تتشمّس على صخرة، وترمش له بعينيها المستديرتين. ورأى صقرًا يحوم عاليًا في السماء الزرقاء، جناحاه مفرودان ساكنان. ورأى كيف تتغيّر ألوان الكثبان مع حركة الشمس، من الأصفر الباهت إلى البرتقاليّ إلى الذهبيّ الورديّ.
قال: "ماما، الصحراء جميلة."
قالت أمّه: "جميلة فعلًا. حين تمشي ببطء، يصير عندها وقت لتريك جمالها."
ساعة بعد ساعة، ظلّوا يمشون. حين شعر سَنَد بالتعب، استند إلى أمّه. وحين شعر بالحرّ، أعطته موزة الماء ومسحت وجهه بقطعة قماش باردة. وحين شعر أنّه يريد أن يستسلم، استمع إلى الأغنية وخطا خطوة أخرى. ثمّ أخرى.
بدأت الشمس تغرب. وتلوّنت السماء بالورديّ والبرتقاليّ. وبرد الهواء. ثمّ حين وصلوا إلى قمّة كثيب عالٍ، رأى سَنَد شيئًا في الأفق.
خطًّا أخضر. نخيلًا طويلًا يتمايل مع نسيم المساء. وبينه شيء يلمع مثل المرآة.
شهق سَنَد: "الواحة! ماما، إنّها الواحة!"
كأنّ القطيع كلّه استيقظ. انتصبت آذانهم إلى الأمام. وأسرعت خطواتهم قليلًا. وضحكت موزة وصفّقت بيديها.
نزلوا الكثيب ودخلوا ظلّ النخيل. كانت البركة أجمل ممّا تخيّل سَنَد. ماؤها بارد أزرق، صافٍ جدًّا حتى إنّه رأى الحصى في قاعها. والتمر يتدلّى من النخيل في عناقيد ذهبية ثقيلة. والعشب الناعم ينمو حول حافّتها كلّها.
غمس سَنَد أنفه في الماء وشرب وشرب. كان أطيب ماء ذاقه في حياته.
ثمّ استلقى على العشب الناعم بجانب أمّه. كانت ساقاه متعبتين، لكنّه تعب جميل. تعب سعيد. التعب الذي يأتي بعد رحلة طويلة.
جلست موزة بجانبه وأعطته تمرة حلوة، وقالت: "لقد فعلتها يا سَنَد الصغير. مشيت الصحراء كلّها."
مضغ سَنَد تمرته، ونظر إلى النجوم الأولى وهي تظهر فوق النخيل.
وقال وهو نعسان: "مشيتها على طريقة الجمال. خطوة، وخطوة، وخطوة."
مسحت أمّه رأسه بأنفها بلطف، وسرعان ما نام سَنَد نومًا عميقًا، يحلم بكثبان ذهبية وماء أزرق بارد.
عاش سَنَد في الصحراء مع أمّه وبقيّة قطيع الجمال. وكانت ترعاهم بنت طيّبة اسمها موزة مع جدّها. وفي كلّ صباح، كانت موزة تغنّي للجمال وهي تملأ أحواض الماء. وكان سَنَد يحبّ أغانيها. كانت تشبه صوت الريح وهي تمرّ فوق الرمل.
في صباح أحد الأيّام، نظر جدّ موزة إلى السماء وإلى الأحواض الفارغة وقال: "حان الوقت. الماء هنا كاد ينتهي. اليوم نمشي إلى الواحة."
لم يذهب سَنَد إلى الواحة من قبل. سمع عنها فقط. كانت الجمال الكبيرة تقول إنّ فيها بركة ماء زرقاء باردة، ونخيلًا ظليلًا مثقلًا بالتمر، وعشبًا أخضر ناعمًا للراحة.
سأل سَنَد أمّه: "هل هي بعيدة؟"
أنزلت أمّه رقبتها الطويلة ومسحت رأسه بأنفها. وقالت: "إنّها بعيدة. سنمشي اليوم كلّه. لكنّنا سنصل."
فرح سَنَد كثيرًا. وقفز على ساقيه المتمايلتين وصاح: "سأكون الأوّل! سأركض طوال الطريق!"
وما إن بدأ القطيع يتحرّك، حتى فعل ذلك تمامًا.
انطلق يعدو أمام الجميع، وساقاه تطيران في كلّ اتّجاه. أثار سُحبًا صغيرة من الرمل. وركض صاعدًا الكثيب الأوّل ونازلًا من الجهة الأخرى. ونادى: "انظروا إليّ! أنا أسرع جمل في الصحراء!"
أمّا الجمال الكبيرة فظلّت تمشي. خطوة، خطوة، خطوة. ببطء وثبات، وأخفافها الكبيرة الليّنة تضغط على الرمل بلطف.
ركض سَنَد على الكثيب الثاني. والثالث. والرابع. وعند الكثيب الخامس، بدأت ساقاه تثقلان. وعند السادس، صارت أنفاسه قصيرة متقطّعة. وعند السابع، اضطرّ أن يتوقّف ويجلس على الرمل.
نظر خلفه. كان القطيع بعيدًا وراءه، يمشي بثبات في صفّ طويل. خطوة، خطوة، خطوة.
ارتفعت الشمس أكثر. وسخن الرمل. وقرقرت بطن سَنَد. وحين لحق به القطيع أخيرًا، كان مستلقيًا على الرمل يلهث.
قال وهو يئنّ: "لا أستطيع أن أمشي بعد الآن. ساقاي متعبتان جدًّا. الواحة بعيدة جدًّا."
توقّفت أمّه بجانبه. وجاءت موزة تركض وثوبها الأحمر الزاهي يرفرف. ركعت وأسقت سَنَد ماءً من قربة جلدية. ثمّ مسحت على رأسه المنفوش.
وقالت بهدوء: "مسكين يا سَنَد الصغير. ركضت بسرعة كبيرة وفي وقت مبكّر جدًّا. الصحراء كبيرة جدًّا. يجب أن تمشيها على طريقة الجمال."
سأل سَنَد أمّه: "وما طريقة الجمال؟"
طوت أمّه ساقيها الطويلتين وجلست بجانبه على الرمل. وقالت: "انظر إلى الجمال الكبيرة. أترى كيف تمشي؟ إنّها لا تركض. ولا تتوقّف. تخطو خطوة، ثمّ أخرى، ثمّ أخرى. وتحفظ قوّتها. هكذا تستطيع أن تمشي اليوم كلّه، ويبقى عندها نشاط في النهاية."
قال سَنَد: "لكنّ هذا بطيء جدًّا."
قالت أمّه: "بطيء، لكنّه يوصلك."
وحين ارتاح سَنَد، وقف على ساقيه المتمايلتين. وهذه المرّة لم يركض أمام الجميع. بل مشى بجانب أمّه، وكتفه يلمس جنبها.
قالت أمّه: "امشِ على خطواتي. خطوة... وخطوة... وخطوة."
حاول سَنَد. خطوة. خطوة. خطوة. في البداية شعر بالغرابة. كانت ساقاه تريدان الإسراع. لكنّه استمرّ، يتبع إيقاع أمّه البطيء المتمايل.
وبدأت موزة تغنّي. كانت أغنية للمشي، إيقاعها يرافق خطواتهم: "امشِ يا جملي، امشِ فوق الرمال. الواحة تنتظرنا، خلف التلال."
دندن سَنَد معها. خطوة، خطوة، خطوة. وجعلت الأغنيةُ المشيَ أسهل.
وبينما كانوا يمشون، بدأ سَنَد يلاحظ أشياء لم يرها حين كان يركض. رأى التموّجات في الرمل، مثل أمواج بحر ذهبيّ. ورأى سحلية صحراوية صغيرة تتشمّس على صخرة، وترمش له بعينيها المستديرتين. ورأى صقرًا يحوم عاليًا في السماء الزرقاء، جناحاه مفرودان ساكنان. ورأى كيف تتغيّر ألوان الكثبان مع حركة الشمس، من الأصفر الباهت إلى البرتقاليّ إلى الذهبيّ الورديّ.
قال: "ماما، الصحراء جميلة."
قالت أمّه: "جميلة فعلًا. حين تمشي ببطء، يصير عندها وقت لتريك جمالها."
ساعة بعد ساعة، ظلّوا يمشون. حين شعر سَنَد بالتعب، استند إلى أمّه. وحين شعر بالحرّ، أعطته موزة الماء ومسحت وجهه بقطعة قماش باردة. وحين شعر أنّه يريد أن يستسلم، استمع إلى الأغنية وخطا خطوة أخرى. ثمّ أخرى.
بدأت الشمس تغرب. وتلوّنت السماء بالورديّ والبرتقاليّ. وبرد الهواء. ثمّ حين وصلوا إلى قمّة كثيب عالٍ، رأى سَنَد شيئًا في الأفق.
خطًّا أخضر. نخيلًا طويلًا يتمايل مع نسيم المساء. وبينه شيء يلمع مثل المرآة.
شهق سَنَد: "الواحة! ماما، إنّها الواحة!"
كأنّ القطيع كلّه استيقظ. انتصبت آذانهم إلى الأمام. وأسرعت خطواتهم قليلًا. وضحكت موزة وصفّقت بيديها.
نزلوا الكثيب ودخلوا ظلّ النخيل. كانت البركة أجمل ممّا تخيّل سَنَد. ماؤها بارد أزرق، صافٍ جدًّا حتى إنّه رأى الحصى في قاعها. والتمر يتدلّى من النخيل في عناقيد ذهبية ثقيلة. والعشب الناعم ينمو حول حافّتها كلّها.
غمس سَنَد أنفه في الماء وشرب وشرب. كان أطيب ماء ذاقه في حياته.
ثمّ استلقى على العشب الناعم بجانب أمّه. كانت ساقاه متعبتين، لكنّه تعب جميل. تعب سعيد. التعب الذي يأتي بعد رحلة طويلة.
جلست موزة بجانبه وأعطته تمرة حلوة، وقالت: "لقد فعلتها يا سَنَد الصغير. مشيت الصحراء كلّها."
مضغ سَنَد تمرته، ونظر إلى النجوم الأولى وهي تظهر فوق النخيل.
وقال وهو نعسان: "مشيتها على طريقة الجمال. خطوة، وخطوة، وخطوة."
مسحت أمّه رأسه بأنفها بلطف، وسرعان ما نام سَنَد نومًا عميقًا، يحلم بكثبان ذهبية وماء أزرق بارد.


