العودة إلى الحكايات

حكاية

هبة والصديقة الجديدة التي تتكلّم بيديها

هبة والصديقة الجديدة التي تتكلّم بيديها
في أوّل صباح بارد من الفصل الدراسيّ، جاءت بنت جديدة إلى صفّ هبة.

كان شعرها قصيرًا مجعّدًا، وفيه مشبك أصفر على شكل فراشة. ولبست فستانًا أخضر بجيوب بيضاء. ووقفت قريبة جدًّا من المعلّمة، تمسك حزام حقيبتها بيديها الاثنتين.

قالت المعلّمة سميرة: "صباح الخير جميعًا. هذه رُبى. ستنضمّ إلى صفّنا اليوم. رُبى صمّاء، وهذا يعني أنّها لا تسمع الأصوات كما يسمعها معظمنا. إنّها تتكلّم بيديها، بلغة الإشارة. وتستطيع أن تقرأ شفاهنا إن نظرنا إليها وتكلّمنا بوضوح."

سكت الصفّ. وحدّق الجميع في رُبى. فنظرت رُبى إلى حذائها.

ابتسمت المعلّمة سميرة، وحرّكت يديها في بضعة أشكال سريعة. فرفعت رُبى رأسها وابتسمت قليلًا.

شرحت المعلّمة سميرة: "قلت لها للتوّ أهلًا وسهلًا بلغة الإشارة. رُبى، هل تحبّين أن تجلسي بجانب هبة؟"

قفز قلب هبة قفزة صغيرة. جاءت رُبى وجلست على الكرسيّ الفارغ بجانبها. ووضعت حقيبتها بحرص شديد.

أرادت هبة أن تقول مرحبًا. لكنّها توقّفت. كيف تقول مرحبًا لشخص لا يسمعك؟ وماذا لو قالتها بطريقة خطأ؟ وماذا لو لم تفهم رُبى؟ شعرت هبة بخدّيها يسخنان، فنظرت إلى مقلمتها بدلًا من ذلك.

طوال الصباح، أرادت هبة أن تكلّم رُبى، لكنّها لم تعرف كيف. في وقت الوجبة، جلست رُبى وحدها وأكلت شطيرة الجبن. وفي وقت اللعب، وقفت عند الحائط تراقب الأطفال يلعبون لعبة الحجلة. وكانت هبة تراقبها من الطرف الآخر للساحة، وتشعر بشيء ثقيل حزين في صدرها.

في المساء، في البيت، جلست هبة إلى طاولة المطبخ، وصارت تحرّك الأرز في صحنها من غير أن تأكل.

سألها أبوها: "ما بكِ يا هبة؟"

قالت هبة: "في صفّي بنت جديدة. اسمها رُبى. تتكلّم بيديها. أردت أن أكون صديقتها، لكنّي لم أعرف كيف أكلّمها. فلم أقل شيئًا أبدًا."

وضع أبوها الشوكة وقال: "تعرفين؟ كلّ الناس يخجلون حين لا يعرفون كيف يقولون شيئًا. لكن هناك طرق كثيرة لتكوني لطيفة. تستطيعين أن تبتسمي. وأن تلوّحي. وأن تشاركي. وتستطيعين أن تتعلّمي."

سألت هبة: "أتعلّم؟"

قال أبوها: "ربّما تتعلّمين بضع كلمات بلغتها. بضع كلمات فقط. أظنّ أنّ هذا سيعني لها الكثير."

بعد العشاء، جلست هبة مع أبيها يبحثان عن مقاطع فيديو عن لغة الإشارة. تعلّما كيف يقولان "مرحبًا": ترفعين يدك إلى جبينك ثمّ تبعدينها، مثل تحيّة صغيرة. وتعلّما "صديق": تشبكين إصبعي السبّابة معًا، مرّة بهذا الاتّجاه ومرّة بالاتّجاه الآخر. وتعلّما "نلعب": تمدّين الإبهام والخنصر، وتهزّين يديك بلطف. وتعلّما "شكرًا": تلمسين ذقنك بأطراف أصابعك ثمّ تحرّكين يدك إلى الأمام.

تدرّبت هبة أمام المرآة حتى موعد النوم. وتدرّبت وهي تفرّش أسنانها. بل تدرّبت في السرير أيضًا، ويداها تحت البطّانية، حتى نامت.

في الصباح التالي، دخلت هبة الصفّ وقلبها يدقّ بقوّة. كانت رُبى جالسة إلى طاولتهما، ترسم زهرة بقلم تلوين بنفسجيّ.

أخذت هبة نفسًا عميقًا. ونقرت على الطاولة بلطف حتى ترفع رُبى رأسها. ثمّ نظرت إليها، وابتسمت، ورفعت يدها إلى جبينها وأبعدتها.

مرحبًا.

اتّسعت عينا رُبى. وتوقّف قلم التلوين في منتصف ورقة الزهرة. ثمّ أضاء وجهها كلّه مثل المصباح. ردّت بإشارة مرحبًا بسرعة، ثمّ أشارت بشيء آخر سريع جدًّا، وأصابعها تطير.

ضحكت هبة وهزّت رأسها. رفعت يديها وصنعت إشارة "قليلًا": مسافة صغيرة بين الإبهام والسبّابة. ثمّ أشارت إلى نفسها.

فهمت رُبى. وضحكت ضحكة سعيدة مثل الفقاعات. ثمّ أرتها ببطء، حتى تستطيع هبة أن تتابع، إشارة جديدة. صنعت دائرة بيدها وهزّتها. ثمّ أشارت إلى قلمها البنفسجيّ.

قالت هبة بصوت مسموع، وهي تنظر إلى رُبى حتى ترى شفتيها: "بنفسجيّ؟"

هزّت رُبى رأسها وصفّقت.

وطوال اليوم، علّمت كلّ منهما الأخرى. أرت هبةُ رُبى كيف تقول الكلمات بفمها، بوضوح وبطء. وأرت رُبى هبةَ إشارات "تفّاحة"، و"شمس"، و"كتاب"، و"مضحك". وحين كانت هبة تخطئ في إشارة، كانت رُبى تضحك، لكنّها ضحكة لطيفة، ثمّ تريها مرّة أخرى.

في وقت اللعب، أمسكت هبة يد رُبى. وشبكت إصبعي السبّابة معًا.

صديقة.

ثمّ هزّت يديها والإبهام والخنصر ممدودان.

نلعب؟

هزّت رُبى رأسها بقوّة حتى كاد مشبك الفراشة يطير.

ركضتا معًا إلى مربّعات الحجلة. لم تحتج هبة أن تشرح القواعد بالكلمات. أرتها بالقفز: قدم واحدة، قدمان، قدم واحدة. راقبت رُبى بانتباه، ثمّ قفزت حتى النهاية من غير أن تتمايل مرّة واحدة.

وسرعان ما جاء أطفال آخرون يتفرّجون. سأل ولد اسمه وليد: "كيف تكلّمينها؟"

قالت هبة: "هكذا"، وأرته إشارة مرحبًا.

جرّبها وليد. فردّت عليه رُبى بإشارة مرحبًا وهي تبتسم. ثمّ أرادت بنت أخرى أن تتعلّم. وأخرى. وفي نهاية وقت اللعب، كانت هناك دائرة كاملة من الأطفال حول رُبى، كلّهم يحاولون تعلّم الإشارات، وكلّهم يضحكون معًا.

وحين رنّ الجرس، التفتت رُبى إلى هبة. ولمست ذقنها بأطراف أصابعها، وحرّكت يدها إلى الأمام نحو هبة.

شكرًا.

شعرت هبة بإحساس دافئ مضيء ينتشر فيها كلّها، من أصابع قدميها حتى أطراف أذنيها.

في المساء، ركضت إلى المطبخ وقالت: "بابا! علّمتني رُبى إحدى عشرة إشارة جديدة! ونصف الصفّ الآن يريد أن يتعلّم!"

ابتسم أبوها: "وأنتِ، ماذا علّمتِها؟"

فكّرت هبة ثمّ قالت ببطء: "أظنّ أنّي علّمتها أنّها ليست وحدها."

ثمّ رفعت يدها، وشبكت إصبعيها معًا، وأرت أباها الإشارة التي تحبّها أكثر من كلّ الإشارات.

صديقة.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الفئران التي أكلت الحديد (من كليلة ودمنة)
الفئران التي أكلت الحديد (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، في مدينة قديمة بيوتها بلون الرمل وأسواقها مزدحمة، عاش تاجر. كان التاجر يسافر بعيد...

شَمْسِيَّةٌ أَمْ قَمَرِيَّةٌ؟ صَنِّفِ الكَلِماتِ
شَمْسِيَّةٌ أَمْ قَمَرِيَّةٌ؟ صَنِّفِ الكَلِماتِ

اِقْرَأْ كُلَّ كَلِمَةٍ وَاكْتُبْها تَحْتَ الشَّمْسِ أَوِ القَمَرِ.

آدَمُ وَسارَةُ وَزَعْتَرُ يَرْسُمونَ شَجَرَةَ العائِلَةِ
آدَمُ وَسارَةُ وَزَعْتَرُ يَرْسُمونَ شَجَرَةَ العائِلَةِ

قالَتِ المُعَلِّمَةُ: «اُرْسُموا عائِلاتِكُمْ عَلى شَكْلِ شَجَرَةٍ.» في البَيْتِ، رَفْرَفْ! حَطَّ ز...