العودة إلى الحكايات

حكاية

أونا الخفّاشة الصغيرة وصديقتها في وقت النوم

أونا الخفّاشة الصغيرة وصديقتها في وقت النوم
في عِلّيّة حظيرة حجرية قديمة، عاليًا جدًّا، كانت خفّاشة صغيرة اسمها أونا تتدلّى رأسًا على عقب من عارضة خشبية.

كانت صغيرة جدًّا، ليست أكبر من حبّة برقوق. فروها بنّيّ ناعم مثل المخمل، وأذناها مثل ورقتين ناعمتين، وجناحاها ينطويان حولها مثل عباءة دافئة. وطوال النهار، بينما تشرق الشمس في الخارج، كانت أونا تنام مع عائلتها، تتأرجح بلطف في الظلام الدافئ الهادئ.

لكنّ أونا لم تكن مثل باقي الخفافيش الصغيرة. ففي كلّ يوم، حين تبدأ بالنوم، كانت تتساءل عن شيء.

همست ذات صباح، حين تسلّل أوّل شعاع شمس تحت باب الحظيرة: "ماما، ماذا يحدث في النهار؟"

فتحت أمّها عينًا واحدة نعسانة، وتثاءبت: "أشياء كثيرة. العصافير تغنّي. والزهور تتفتّح. والسناجب تركض على الأشجار صعودًا ونزولًا. لكنّ النهار لحيوانات النهار. ونحن حيوانات الليل. أغمضي عينيكِ الآن يا صغيرتي."

أغمضت أونا عينيها. لكنّها ظلّت تتساءل.

في ذلك المساء، حين بدأت الشمس تغرب وتلوّنت السماء بالبرتقاليّ والورديّ، استيقظت أونا قبل الجميع. وزحفت إلى الفتحة الصغيرة تحت السقف وأطلّت.

كان العالم في الخارج ذهبيًّا. الحقول تتوهّج. وشجرة البلّوط العجوز بجانب الحظيرة ترمي ظلًّا طويلًا على العشب. وهناك، على غصن من أغصانها، جلست سنجابة.

كان لها ذيل أحمر كثيف يلتفّ خلفها مثل علامة استفهام. وكانت تقضم حبّة بندق، وتتثاءب تثاؤبًا كبيرًا واسعًا.

صاحت أونا بصوت رفيع: "مرحبًا!"

قفزت السنجابة عاليًا حتى كادت توقع حبّتها. ونظرت حولها: "من قال هذا؟"

"أنا! هنا في الأعلى!" ولوّحت أونا بجناح واحد.

رفعت السنجابة رأسها ورمشت: "يا إلهي! خفّاشة! لم أرَ خفّاشًا من قبل. أنا هيزل. لماذا أنتِ مستيقظة؟ اقترب وقت النوم."

قالت أونا متفاجئة: "وقت النوم؟ اقترب وقت الاستيقاظ!"

حدّقت كلّ منهما في الأخرى. ثمّ بدأتا تضحكان معًا.

سألت هيزل: "أنتِ تنامين في النهار؟"

وسألت أونا: "وأنتِ تنامين في الليل؟"

هزّت هيزل رأسها: "حين تغرب الشمس، ألتفّ في عشّي في شجرة البلّوط. وأضع ذيلي على أنفي مثل البطّانية. وأنام حتى تبدأ عصافير الصباح بالغناء."

قالت أونا: "هذا يبدو جميلًا. أنا أنام رأسًا على عقب في الحظيرة، ملفوفة بجناحيّ. وحين تغرب الشمس، أطير لأصطاد العُثّ وأرى القمر."

اتّسعت عينا هيزل: "القمر؟ لم أرَ القمر حقًّا أبدًا. أكون نائمة دائمًا قبل أن يطلع."

قالت أونا: "وأنا لم أرَ زهرة دوّار شمس تتفتّح. ولا قوس قزح. ولا فراشة. أكون نائمة دائمًا حين تخرج."

وفكّرت كلتاهما في هذا لحظة.

قالت هيزل وهي تستقرّ على غصنها: "احكي لي عن القمر."

فحكت لها أونا. حكت كيف أنّ القمر مستدير فضّيّ، مثل قطعة نقود كبيرة لامعة. وكيف يجعل النهر يتلألأ. وكيف تظهر النجوم واحدة بعد واحدة، حتى تصير السماء كلّها مرشوشة بأضواء صغيرة. وكيف تفوح من هواء الليل رائحة العشب البارد وزهر العسل. وكيف تنادي البوم بعضها من بعيد عبر الحقول: "هوو، هوو."

استمعت هيزل وذقنها على كفّيها، وتنهّدت: "يبدو ساحرًا."

قالت أونا: "والآن احكي لي أنتِ عن النهار."

فحكت لها هيزل. حكت عن شمس الصباح الدافئة الصفراء على الفرو. وعن النحل الذي يطنّ في البرسيم. وعن الفراشات التي أجنحتها مثل زجاج ملوّن. وعن الأطفال الذين يأتون ليلعبوا في الحقل، ويتركون أحيانًا فتات خبز. وعن الندى الذي يلمع على كلّ عود عشب، مثل مليون ماسة صغيرة.

ارتجفت أذنا أونا من الفرح، وهمست: "يبدو رائعًا."

كانت الشمس قد غابت تقريبًا. والسماء تتحوّل إلى بنفسجيّ ناعم عميق. وتثاءبت هيزل تثاؤبًا كبيرًا آخر. أمّا جناحا أونا فكانا يدغدغانها. كانت مستعدّة للطيران.

قالت هيزل بحزن: "ليتنا نستطيع أن نلعب معًا. لكن حين تستيقظين أنتِ، أكون نائمة. وحين أستيقظ أنا، تكونين نائمة."

فكّرت أونا جيّدًا. ثمّ أشرق وجهها الصغير.

وقالت: "لكن هناك وقت نكون فيه مستيقظتين معًا. الآن! الوقت الذي بين الوقتين. حين تغرب الشمس. وفي الصباح أيضًا، حين تشرق الشمس، قبل أن أنام بقليل وبعد أن تستيقظي بقليل."

ارتعش ذيل هيزل من الحماس: "الوقت الذي بين الوقتين! نستطيع أن نلتقي هنا، على هذا الغصن، كلّ مساء وكلّ صباح!"

قالت أونا: "وأنتِ تحكين لي عن النهار."

وقالت هيزل: "وأنتِ تحكين لي عن الليل."

وهكذا فعلتا.

في كلّ مساء، حين تتلوّن السماء بالورديّ، كانت أونا تستيقظ مبكّرة قليلًا، وهيزل تسهر متأخّرة قليلًا. تلتقيان على غصن البلّوط وتتبادلان الحكايات. ثمّ تقول هيزل: "تصبحين على خير يا أونا"، وتقول أونا: "صباح الخير يا هيزل"، وتضحكان معًا، لأنّ ذلك يبدو مضحكًا جدًّا.

ثمّ تلتفّ هيزل في عشّها، وذيلها الكثيف على أنفها. وتفرد أونا جناحيها وتطير في السماء المليئة بالنجوم.

وفي كلّ صباح، حين تتلوّن السماء بالذهبيّ الباهت، كانت أونا تطير إلى البيت متعبة وسعيدة. وكانت هيزل تنتظر على الغصن، تتمطّى وترمش في أوّل الضوء.

تسألها هيزل: "هل رأيتِ القمر؟"

فتقول أونا: "كان مستديرًا مثل الصحن. وخبّأت لك حكاية عن يراعة مضيئة."

ثمّ تقول أونا: "تصبحين على خير يا هيزل"، وتقول هيزل: "صباح الخير يا أونا." وتطير أونا إلى العلّيّة الدافئة المظلمة، وتتدلّى من عارضتها، وتلفّ جناحيها حول نفسها.

فتفتح أمّها عينًا واحدة نعسانة: "أين كنتِ يا صغيرتي؟"

فتهمس أونا: "كنت أتكلّم مع صديقتي. هي حيوان نهار. وأنا حيوان ليل. لكنّنا نتشارك الوقت الذي بين الوقتين."

ثمّ تغمض عينيها وتنام، وتحلم بزهور دوّار الشمس والفراشات وقطرات الندى اللامعة مثل الماس.

وفي الخارج، في شجرة البلّوط العجوز، تكون سنجابة صغيرة حمراء تفكّر في القمر.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)
السندباد ووادي طائر الرخّ العظيم (من ألف ليلة وليلة)

بعد رحلته الأولى، بقي السندباد في بيته في بغداد سنة كاملة. كان يحكي الحكايات، ويأكل التمر الحلو، ويس...

بَسْمَةُ وَنُقْطَةُ وَبالونُ حَرْفِ الباءِ
بَسْمَةُ وَنُقْطَةُ وَبالونُ حَرْفِ الباءِ

اِسْتَيْقَظَتْ بَسْمَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَرَأَتْ عِنْدَ سَريرِها بالونًا أَزْرَقَ كَبيرًا. وَفَجْ...

قصة نبي الله موسى عليه السلام والتابوت الصغير والبحر الذي انشق
قصة نبي الله موسى عليه السلام والتابوت الصغير والبحر الذي انشق

منذ زمن بعيد، في أرض مصر، كان هناك ملك متكبر اسمه فرعون. كان يظن أنه أعظم الجميع، حتى قال للناس إنه...