العودة إلى الحكايات

حكاية

وافي وصباح العدسة المكبّرة

وافي وصباح العدسة المكبّرة
في صباح عيد ميلاده السادس، فتح وافي علبة صغيرة ثقيلة من جدّه. وفي داخلها، فوق قطعة قماش زرقاء ناعمة، كانت عدسة مكبّرة.

كانت لها عدسة زجاجية مستديرة صافية مثل الماء، ومقبض من خشب داكن أملس. وحين رفعها وافي ونظر من خلالها، صارت عين جدّه فجأة ضخمة جدًّا، لها وسط بنّيّ يلمع، وحولها تجاعيد صغيرة كثيرة.

صرخ وافي ضاحكًا: "جدّو! عينك كبيرة مثل الصحن!"

ضحك الجدّ فوزي وقال: "هذا ما تفعله العدسة المكبّرة. تجعل الأشياء الصغيرة تبدو كبيرة. وبها تستطيع أن ترى العالم السرّيّ المختبئ حولنا. عالم الأشياء الصغيرة."

ضمّ وافي العدسة إلى صدره وقال: "إنّها لي. لي وحدي."

كانت أخته الصغيرة سِدرة جالسة على السجّادة بجانبه. كانت في الرابعة، ولها ضفيرتان تقفزان حين تتكلّم. سألت وهي تمدّ يدها: "هل أستطيع أن أنظر؟"

سحب وافي العدسة بعيدًا وقال: "لا. إنّها هديّة عيد ميلادي. قد توقعينها."

انقبض وجه سِدرة، وذهبت لتجلس مع أمّهما. راقب الجدّ فوزي ما حدث، لكنّه لم يقل شيئًا. رفع حاجبيه الكثيفين قليلًا فقط.

لم ينتبه وافي. كان قد ركض إلى الحديقة.

كانت الحديقة مشرقة بشمس الصباح. ركع وافي على الممرّ، ورفع العدسة فوق شقّ بين حجرين.

وهناك كان العالم السرّيّ.

كانت نملة تمشي على طول الشقّ. من غير العدسة، كانت مجرّد نقطة سوداء صغيرة. لكن من خلال العدسة، رأى وافي كلّ شيء. جسمها اللامع مقسوم ثلاثة أجزاء مستديرة، مثل خرزات في خيط. ولها ستّ أرجل رفيعة تتحرّك بنظام دقيق. وعلى رأسها قرنان مرنان ينقران الأرض، كأنّها تتحسّس طريقها في الظلام. وكانت تحمل فتاتة أكبر من رأسها.

همس وافي: "واو."

انتقل إلى ورقة شجر. من خلال العدسة، لم تعد الورقة خضراء فقط. كانت مغطّاة بخطوط صغيرة جدًّا، تتفرّع من وسطها مثل الطرق على الخريطة، ومثل أغصان الشجرة، ومثل الخطوط على كفّ يده.

ونظر إلى زهرة. كان وسطها الأصفر مليئًا بحبيبات ذهبية صغيرة، مثل رشّات السكّر. وكانت نحلة قد نثرتها على أرجلها المزغّبة.

ونظر إلى حصاة. لم تكن رمادية عادية أبدًا. كانت فيها نقاط لامعة، بيضاء ووردية وفضّية، مثل سماء الليل.

ونظر إلى إصبعه. كانت على طرفه خطوط ملتفّة، تدور وتدور مثل متاهة صغيرة.

همس وافي: "كلّ شيء مدهش. كلّ شيء!"

أراد أن يخبر أحدًا. رفع رأسه. كانت أمّه تنشر الغسيل على الحبل. وأبوه ذهب إلى السوق. والجدّ فوزي جالس على المقعد تحت العريشة يقرأ جريدته.

وكانت سِدرة جالسة على الدرجة الخلفية، وحدها تمامًا، تنكش الأرض بعود.

نظر وافي بعدسته إلى قطرة ندى على عود عشب. وفي داخل القطرة رأى صورة صغيرة مقلوبة للحديقة كلّها: البيت، والشجرة، والسماء. كان أعجب شيء رآه في حياته.

نادى: "انظروا إلى هذا!" لكنّ أحدًا لم يسمعه.

نظر وافي إلى قطرة الندى مرّة أخرى. كانت ما تزال عجيبة. لكنّها لم تعد مثيرة بالقدر نفسه، لأنّه لا يوجد أحد يشاركه إيّاها. وفكّر كم سيكون جميلًا أن يرى وجه شخص آخر يضيء كما أضاء وجهه.

نظر إلى سِدرة مرّة أخرى. كانت ترسم دوائر في التراب، ببطء شديد، ورأسها منخفض.

شعر وافي بإحساس غريب مزعج في بطنه. تذكّر كيف سحب العدسة منها. وتذكّر كيف انقبض وجهها.

فقام ومشى إلى الدرجة.

قال: "سِدرة."

لم ترفع رأسها.

"سِدرة، هل تريدين أن تري العالم السرّيّ؟"

الآن رفعت رأسها. كانت عيناها ما تزالان مبلولتين قليلًا. وقالت: "قلت إنّي قد أوقعها."

جلس وافي بجانبها وقال: "سأريك كيف تمسكينها. أمسكي المقبض بقوّة، هكذا. وضعي يدك الأخرى تحتها، احتياطًا. عندها لن تقع."

ووضع العدسة بلطف في يديها، وساعدها أن تلفّ أصابعها حول المقبض الخشبيّ. وقال وهو يشير: "الآن انظري إلى قطرة الندى. اقتربي. أكثر."

انحنت سِدرة. ورفعت العدسة فوق قطرة الندى. وسكتت لحظة طويلة.

ثمّ شهقت بصوت عالٍ جدًّا حتى رفع الجدّ فوزي رأسه عن جريدته.

صرخت فرحًا: "فيها بيت! وافي، بيتنا كلّه داخل الماء! وهو مقلوب!"

ضحك وافي. أضاء وجهها تمامًا كما تخيّل، مثل مصباح يُضاء. ورؤية ذلك جعلته أسعد حتى من رؤيته لقطرة الندى بنفسه.

قال وهو يقفز: "تعالي. سأريك النملة التي تحمل الفتاتة العملاقة. والحصاة اللامعة. والمتاهة على إصبعك!"

وطوال الصباح، استكشف وافي وسِدرة العالم السرّيّ معًا. تبادلا العدسة. ووجدا دعسوقة وعدّا نقاطها: سبع نقاط. ووجدا ريشة، فرأيا أنّها مصنوعة من آلاف الشعيرات الصغيرة، مشبوكة كلّها مثل السحّاب. ووجدا صدفة حلزون فيها دوّامة مثل الدرج.

ووجدت سِدرة أشياء لم ينتبه لها وافي. وجدت يرقة خضراء صغيرة مختبئة تحت ورقة، وبذرة لها جناحان مثل طائرة مروحية صغيرة. فقال وافي: "مستكشفان يجدان ضعف ما يجده مستكشف واحد."

وحين نادتهما أمّهما للغداء، ركضا إلى الداخل معًا، يتكلّمان في الوقت نفسه: "ماما، هل تعرفين أنّ على الأوراق طرقًا؟" "ماما، الريشة فيها سحّاب!"

طوى الجدّ فوزي جريدته وابتسم، وقال لوافي: "إذن، ما رأيك في عالم الأشياء الصغيرة؟"

فكّر وافي ثمّ قال: "إنّه مدهش. لكنّه أكثر إدهاشًا حين نتشاركه."

ونظر إلى سِدرة، التي كانت ترفع العدسة فوق صحن الحساء، وتحدّق في الفقاعات الصغيرة.

قال وافي: "بعد الغداء، دورك أنتِ لتختاري أين ننظر أوّلًا."
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الأرنبة فيروز وعين القمر (من كليلة ودمنة)
الأرنبة فيروز وعين القمر (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، قرب بحيرة هادئة بين التلال، عاشت عائلة من الأرانب. كانت البحيرة مستديرة صافية ساك...

الأرنب في القمر
الأرنب في القمر

تأتي هذه الحكاية اللطيفة من المكسيك، من شعب الأزتيك القديم، وتُروى حكاية تشبهها كثيرًا في الهند والص...

أبو الحسن خليفةً ليوم واحد (من ألف ليلة وليلة)
أبو الحسن خليفةً ليوم واحد (من ألف ليلة وليلة)

في مدينة بغداد العظيمة، عاش شاب مرح اسمه أبو الحسن. كان يسكن مع أمه في بيت صغير في شارع ضيق. لم يكن...