حكاية
عنبر، آخر ورقة على شجرة القيقب
فوق تلّة هادئة وقفت شجرة قيقب طويلة. وعلى أعلى غصن فيها عاشت ورقة اسمها عنبر.
وُلدت عنبر في الربيع، برعمًا صغيرًا ملفوفًا. ثمّ تفتّحت ببطء في الشمس الدافئة، ومدّت أطرافها الخمسة المدبّبة مثل أصابع يد صغيرة خضراء. وطوال الصيف، رقصت مع النسيم بين مئات الأوراق الأخرى. وظلّلت أعشاش العصافير من الشمس الحارّة. والتقطت قطرات المطر وتركتها تنزلق: بِلِب، بُلُب، على العشب في الأسفل.
أحبّت عنبر حياتها على الغصن. كانت ترى الوادي كلّه من هناك: النهر يلمع مثل الشريطة، وأسطح القرية الحمراء، والحقول المخطّطة بالأخضر والذهبيّ.
ثمّ في صباح أحد الأيّام، صار الهواء مختلفًا. كان منعشًا باردًا، تفوح منه رائحة الحطب والتفّاح.
نظرت عنبر إلى نفسها. كان لونها الأخضر يتحوّل إلى أصفر عند الحوافّ. ثمّ يومًا بعد يوم، صار الأصفر برتقاليًّا، وصار البرتقاليّ أحمر عميقًا متوهّجًا، مثل الجمر في المدفأة.
نادت عنبر الورقة التي بجانبها: "انظر إليّ! لقد تغيّر لوني!"
قالت الورقة التي بجانبها، واسمه بُنّيّ، وكان ذهبيًّا وبنّيًّا وعليه نمش صغير: "كلّنا تغيّرنا. إنّه الخريف. وقريبًا سيأتي وقت الإفلات."
قالت عنبر: "الإفلات؟ ماذا تعني؟"
قال بُنّيّ: "في الخريف، تُفلت الأوراق الغصن. ونطفو نازلين إلى الأرض. هذا ما تفعله الأوراق."
تمسّكت عنبر أكثر وقالت: "إلّا أنا. أحبّ المكان هنا. لا أريد أن أُفلت."
وفي كلّ يوم، كانت الريح تهبّ أقوى قليلًا. وفي كلّ يوم، كانت أوراق أكثر تُفلت. كانت عنبر تراقبها وهي تدور نازلة في الهواء، تلفّ مثل الراقصات، حمراء وبرتقالية وذهبية. وبعضها كان يصيح وهو ينزل: "ويييي!"
وفي عصر يوم عاصف، أفلت بُنّيّ أيضًا. ونادى وهو يطفو بعيدًا في دوائر كسولة: "مع السلامة يا عنبر! إنّه رائع! سترين!"
تمسّكت عنبر بكلّ قوّتها.
وسرعان ما صارت الورقة الوحيدة الباقية على شجرة القيقب كلّها. صارت الأغصان حولها عارية رمادية. وارتجفت في الريح الباردة، وشعرت بوحدة شديدة.
حطّ أبو الحنّ صغير على الغصن بجانبها. كان صدره برتقاليًّا مستديرًا، وعيناه لامعتين فضوليّتين.
قال: "مرحبًا أيّتها الورقة. اسمي تَك. لماذا ما زلتِ هنا في الأعلى؟ كلّ صديقاتك على الأرض."
اعترفت عنبر بصوت صغير: "أنا خائفة. لا أعرف ماذا يحدث حين أُفلت. هنا في الأعلى، أعرف كلّ شيء. وهناك في الأسفل، كلّ شيء مختلف."
أمال تَك رأسه وقال: "المختلف ليس سيّئًا دائمًا. حين كنت فرخًا صغيرًا، خفت أن أترك عشّي. ظننت أنّ السماء كبيرة جدًّا. لكنّي حين رفرفت بجناحيّ أخيرًا وطرت، رأيت العالم كلّه. كان أجمل شيء فعلته في حياتي."
فكّرت عنبر في كلامه. وشدّت الريح عُنقها الصغير.
سألت: "لكن ماذا سأفعل هناك في الأسفل؟ ما فائدة ورقة على الأرض؟"
نفش تَك ريشه وقال: "انظري"، وأشار بمنقاره نحو العشب.
نظرت عنبر. عند جذع شجرة القيقب، كانت كلّ الأوراق المتساقطة مجتمعة في كومة عميقة ناعمة ملوّنة. كانت تشبه لحافًا مرقّعًا، أحمر وبرتقاليًّا وذهبيًّا. وكان بعض الأطفال يقفزون في الكومة، يضحكون ويرمون الأوراق في الهواء. وتحت أطرافها، كانت خنفساء صغيرة تزحف إلى الداخل لتجد مكانًا دافئًا تنام فيه.
قال تَك: "الأوراق على الأرض بطّانية. تبقي جذور الشجرة دافئة طوال الشتاء. وتعطي المخلوقات الصغيرة مكانًا مريحًا للنوم. ثمّ ببطء، ببطء، تتحوّل إلى تراب ناعم يغذّي الشجرة. حتى تستطيع الشجرة في الربيع أن تنبت أوراقًا جديدة."
قالت عنبر ببطء: "إذن، حتى وأنا على الأرض، سأظلّ أساعد الشجرة؟"
قال تَك: "بل أكثر من قبل."
وفي تلك اللحظة، جاءت هبّة ريح لطيفة تصعد التلّة. لم تكن قاسية ولا باردة. كانت ناعمة مثل التهويدة. التفّت حول عنبر وشدّتها بلطف شديد.
أخذت عنبر نفسًا عميقًا. وأفلتت.
في البداية نزلت بسرعة، فشهقت. لكنّ الريح التقطتها، فبدأت تطفو. دارت. ولفّت. وانجرفت في دوائر واسعة بطيئة، مثل ريشة، مثل راقصة. وتحتها كان الوادي يدور ويدور. رأت النهر والأسطح والحقول، كلّها من زاوية جديدة تمامًا.
صاحت عنبر: "ويييي!" لم تستطع أن تمنع نفسها.
وطار تَك بجانبها يزقزق بسعادة.
نزلت، ونزلت، ونزلت، حتى حطّت أخيرًا بنعومة فوق كومة الأوراق الكبيرة، بجانب بُنّيّ تمامًا.
قال بُنّيّ: "فعلتِها! أليس رائعًا؟"
قالت عنبر: "رائع فعلًا. إنّه أروع شيء فعلته في حياتي."
في ذلك المساء، عاد الأطفال إلى بيوتهم للعشاء. وتلوّنت السماء بالبنفسجيّ، وظهرت النجوم الأولى. وزحفت خنفساء صغيرة اسمها بو تحت عنبر، والتفّت في الظلام الدافئ الجافّ. وتمتمت وهي نعسانة: "شكرًا على البطّانية."
همست عنبر: "عفوًا."
وجاء الثلج في ذلك الشتاء. غطّى التلّة بالأبيض، ناعمًا صامتًا. وتحت الثلج، أبقت عنبر وبُنّيّ وكلّ الأوراق الأخرى جذور الشجرة دافئة مريحة. ونامت الخنفساء بو نومًا عميقًا. وببطء، ببطء شديد، بدأت الأوراق تذوب في التراب الغنيّ الداكن، تمامًا كما قال تَك.
شعرت عنبر بالنعاس أيضًا. كان نعاسًا هادئًا سعيدًا. وشعرت بنفسها تصير جزءًا من الأرض، وجزءًا من الجذور، وجزءًا من الشجرة نفسها.
ثمّ في صباح أحد الأيّام، ذاب الثلج. وأشرقت الشمس دافئة ساطعة. وبدأت العصافير تغنّي. وعلى أعلى غصن في شجرة القيقب، بدأ برعم صغير ملفوف يتفتّح.
مدّ أطرافه الخمسة المدبّبة، مثل أصابع يد صغيرة خضراء. ونظر إلى الوادي، إلى النهر الذي يلمع مثل الشريطة، وأسطح القرية الحمراء، والحقول التي عادت تخضرّ.
وحطّ تَك على الغصن بجانبه، وفي منقاره عود صغير لعشّه الجديد. نظر إلى الورقة الصغيرة الجديدة وابتسم ابتسامة عصفور.
وزقزق: "أهلًا بعودتك."
والورقة الصغيرة، وهي تشعر بشمس الربيع الدافئة لأوّل مرّة، بدأت ترقص مع النسيم.
وُلدت عنبر في الربيع، برعمًا صغيرًا ملفوفًا. ثمّ تفتّحت ببطء في الشمس الدافئة، ومدّت أطرافها الخمسة المدبّبة مثل أصابع يد صغيرة خضراء. وطوال الصيف، رقصت مع النسيم بين مئات الأوراق الأخرى. وظلّلت أعشاش العصافير من الشمس الحارّة. والتقطت قطرات المطر وتركتها تنزلق: بِلِب، بُلُب، على العشب في الأسفل.
أحبّت عنبر حياتها على الغصن. كانت ترى الوادي كلّه من هناك: النهر يلمع مثل الشريطة، وأسطح القرية الحمراء، والحقول المخطّطة بالأخضر والذهبيّ.
ثمّ في صباح أحد الأيّام، صار الهواء مختلفًا. كان منعشًا باردًا، تفوح منه رائحة الحطب والتفّاح.
نظرت عنبر إلى نفسها. كان لونها الأخضر يتحوّل إلى أصفر عند الحوافّ. ثمّ يومًا بعد يوم، صار الأصفر برتقاليًّا، وصار البرتقاليّ أحمر عميقًا متوهّجًا، مثل الجمر في المدفأة.
نادت عنبر الورقة التي بجانبها: "انظر إليّ! لقد تغيّر لوني!"
قالت الورقة التي بجانبها، واسمه بُنّيّ، وكان ذهبيًّا وبنّيًّا وعليه نمش صغير: "كلّنا تغيّرنا. إنّه الخريف. وقريبًا سيأتي وقت الإفلات."
قالت عنبر: "الإفلات؟ ماذا تعني؟"
قال بُنّيّ: "في الخريف، تُفلت الأوراق الغصن. ونطفو نازلين إلى الأرض. هذا ما تفعله الأوراق."
تمسّكت عنبر أكثر وقالت: "إلّا أنا. أحبّ المكان هنا. لا أريد أن أُفلت."
وفي كلّ يوم، كانت الريح تهبّ أقوى قليلًا. وفي كلّ يوم، كانت أوراق أكثر تُفلت. كانت عنبر تراقبها وهي تدور نازلة في الهواء، تلفّ مثل الراقصات، حمراء وبرتقالية وذهبية. وبعضها كان يصيح وهو ينزل: "ويييي!"
وفي عصر يوم عاصف، أفلت بُنّيّ أيضًا. ونادى وهو يطفو بعيدًا في دوائر كسولة: "مع السلامة يا عنبر! إنّه رائع! سترين!"
تمسّكت عنبر بكلّ قوّتها.
وسرعان ما صارت الورقة الوحيدة الباقية على شجرة القيقب كلّها. صارت الأغصان حولها عارية رمادية. وارتجفت في الريح الباردة، وشعرت بوحدة شديدة.
حطّ أبو الحنّ صغير على الغصن بجانبها. كان صدره برتقاليًّا مستديرًا، وعيناه لامعتين فضوليّتين.
قال: "مرحبًا أيّتها الورقة. اسمي تَك. لماذا ما زلتِ هنا في الأعلى؟ كلّ صديقاتك على الأرض."
اعترفت عنبر بصوت صغير: "أنا خائفة. لا أعرف ماذا يحدث حين أُفلت. هنا في الأعلى، أعرف كلّ شيء. وهناك في الأسفل، كلّ شيء مختلف."
أمال تَك رأسه وقال: "المختلف ليس سيّئًا دائمًا. حين كنت فرخًا صغيرًا، خفت أن أترك عشّي. ظننت أنّ السماء كبيرة جدًّا. لكنّي حين رفرفت بجناحيّ أخيرًا وطرت، رأيت العالم كلّه. كان أجمل شيء فعلته في حياتي."
فكّرت عنبر في كلامه. وشدّت الريح عُنقها الصغير.
سألت: "لكن ماذا سأفعل هناك في الأسفل؟ ما فائدة ورقة على الأرض؟"
نفش تَك ريشه وقال: "انظري"، وأشار بمنقاره نحو العشب.
نظرت عنبر. عند جذع شجرة القيقب، كانت كلّ الأوراق المتساقطة مجتمعة في كومة عميقة ناعمة ملوّنة. كانت تشبه لحافًا مرقّعًا، أحمر وبرتقاليًّا وذهبيًّا. وكان بعض الأطفال يقفزون في الكومة، يضحكون ويرمون الأوراق في الهواء. وتحت أطرافها، كانت خنفساء صغيرة تزحف إلى الداخل لتجد مكانًا دافئًا تنام فيه.
قال تَك: "الأوراق على الأرض بطّانية. تبقي جذور الشجرة دافئة طوال الشتاء. وتعطي المخلوقات الصغيرة مكانًا مريحًا للنوم. ثمّ ببطء، ببطء، تتحوّل إلى تراب ناعم يغذّي الشجرة. حتى تستطيع الشجرة في الربيع أن تنبت أوراقًا جديدة."
قالت عنبر ببطء: "إذن، حتى وأنا على الأرض، سأظلّ أساعد الشجرة؟"
قال تَك: "بل أكثر من قبل."
وفي تلك اللحظة، جاءت هبّة ريح لطيفة تصعد التلّة. لم تكن قاسية ولا باردة. كانت ناعمة مثل التهويدة. التفّت حول عنبر وشدّتها بلطف شديد.
أخذت عنبر نفسًا عميقًا. وأفلتت.
في البداية نزلت بسرعة، فشهقت. لكنّ الريح التقطتها، فبدأت تطفو. دارت. ولفّت. وانجرفت في دوائر واسعة بطيئة، مثل ريشة، مثل راقصة. وتحتها كان الوادي يدور ويدور. رأت النهر والأسطح والحقول، كلّها من زاوية جديدة تمامًا.
صاحت عنبر: "ويييي!" لم تستطع أن تمنع نفسها.
وطار تَك بجانبها يزقزق بسعادة.
نزلت، ونزلت، ونزلت، حتى حطّت أخيرًا بنعومة فوق كومة الأوراق الكبيرة، بجانب بُنّيّ تمامًا.
قال بُنّيّ: "فعلتِها! أليس رائعًا؟"
قالت عنبر: "رائع فعلًا. إنّه أروع شيء فعلته في حياتي."
في ذلك المساء، عاد الأطفال إلى بيوتهم للعشاء. وتلوّنت السماء بالبنفسجيّ، وظهرت النجوم الأولى. وزحفت خنفساء صغيرة اسمها بو تحت عنبر، والتفّت في الظلام الدافئ الجافّ. وتمتمت وهي نعسانة: "شكرًا على البطّانية."
همست عنبر: "عفوًا."
وجاء الثلج في ذلك الشتاء. غطّى التلّة بالأبيض، ناعمًا صامتًا. وتحت الثلج، أبقت عنبر وبُنّيّ وكلّ الأوراق الأخرى جذور الشجرة دافئة مريحة. ونامت الخنفساء بو نومًا عميقًا. وببطء، ببطء شديد، بدأت الأوراق تذوب في التراب الغنيّ الداكن، تمامًا كما قال تَك.
شعرت عنبر بالنعاس أيضًا. كان نعاسًا هادئًا سعيدًا. وشعرت بنفسها تصير جزءًا من الأرض، وجزءًا من الجذور، وجزءًا من الشجرة نفسها.
ثمّ في صباح أحد الأيّام، ذاب الثلج. وأشرقت الشمس دافئة ساطعة. وبدأت العصافير تغنّي. وعلى أعلى غصن في شجرة القيقب، بدأ برعم صغير ملفوف يتفتّح.
مدّ أطرافه الخمسة المدبّبة، مثل أصابع يد صغيرة خضراء. ونظر إلى الوادي، إلى النهر الذي يلمع مثل الشريطة، وأسطح القرية الحمراء، والحقول التي عادت تخضرّ.
وحطّ تَك على الغصن بجانبه، وفي منقاره عود صغير لعشّه الجديد. نظر إلى الورقة الصغيرة الجديدة وابتسم ابتسامة عصفور.
وزقزق: "أهلًا بعودتك."
والورقة الصغيرة، وهي تشعر بشمس الربيع الدافئة لأوّل مرّة، بدأت ترقص مع النسيم.


