العودة إلى الحكايات

حكاية

الغيمة التي أرادت أن تبقى صغيرة

الغيمة التي أرادت أن تبقى صغيرة
فوق التلال الخضراء، كانت تعيش غيمة بيضاء صغيرة اسمها بَف.

كان بَف صغيرًا مستديرًا منفوشًا، يشبه كرة من القطن، أو نفخة من الكريمة. لهذا سُمّي «بَف»، مثل صوت النفخة الخفيفة.

كان بَف يحبّ أن يكون صغيرًا. فالغيوم الصغيرة تطير بسرعة. ووووش! تعبر السماء في لحظة. والغيوم الصغيرة تنخفض وتدور وتلفّ. وأجمل شيء أنّ الغيوم الصغيرة تستطيع أن تصنع أشكالًا مضحكة.

في الصباح، كان بَف يصير أرنبًا بأذنين طويلتين. وفي العصر، كان يصير قاربًا بشراع طويل مدبّب.

وفي الأسفل، في مزرعة عند سفح التلال، كانت تعيش بنت صغيرة اسمها هَنا. كلّ يوم، كانت هنا تستلقي على العشب وتنظر إلى السماء.

وكانت تصيح وهي تشير إلى بَف: «أرنب! قارب!»

كان بَف يحبّ ذلك. كان يحبّ أن تضحك هنا. فكان كلّ يوم يصنع شكلًا جديدًا من أجلها.

قال بَف للريح: «أنا أسعد غيمة في السماء. لا أريد أن أتغيّر أبدًا.»

لكن في ذلك الصيف، تغيّر شيء.

أشرقت الشمس وأشرقت، يومًا بعد يوم. كان الجوّ حارًّا ساطعًا. وبقيت السماء زرقاء فارغة. لم تأتِ غيوم كبيرة، ولم يأتِ مطر أبدًا.

بدأت التلال الخضراء تصفرّ. وصار العشب جافًّا يُقرقش تحت قدمي هنا: قَرش، قَرش. وأحنت الأزهار في الحقول رؤوسها، كأنّها متعبة جدًّا لا تقدر على الوقوف.

وصار الجدول الصغير قرب المزرعة رفيعًا، ثمّ أرفع، ثمّ صار خيطًا من الماء.

كلّ صباح، كان جدّ هنا يقف في الحقل وينظر إلى السماء.

ويقول بهدوء: «نحتاج إلى المطر. التلال تحتاج إلى المطر، والأزهار تحتاج إلى المطر، وحديقتنا تحتاج إلى المطر.»

رفعت هنا مرشّتها الخضراء الصغيرة، وقلبتها. لم تخرج منها قطرة واحدة.

وقالت: «أزهاري عطشانة أيضًا.»

وفي الأعلى، سمع بَف كلّ كلمة.

كان بَف يعرف سرًّا عن المطر: الغيوم الكبيرة وحدها تصنع المطر. الغيوم الكبيرة الثقيلة الرمادية المليئة بالماء. أمّا الغيوم البيضاء الصغيرة مثله، فليس فيها ماء يكفي، ولا لزخّة صغيرة واحدة.

ولكي يصنع المطر، عليه أن يكبر. عليه أن يطير بعيدًا حتى البحر، ويشرب الضباب الدافئ الصاعد من الأمواج، شيئًا فشيئًا، حتى يصير كبيرًا ثقيلًا.

والغيوم الكبيرة لا تطير بسرعة، ولا تدور، ولا تصنع أشكال الأرانب. إنّها كبيرة رمادية بطيئة فقط.

قال بَف للريح: «لكنّي أحبّ أن أكون صغيرًا. أحبّ أن أكون أرنبًا، وأحبّ أن أكون قاربًا. ماذا لو كبرت ولم أعد صغيرًا أبدًا؟»

لم تُجب الريح فورًا. هبّت حوله بلطف، باردة ناعمة.

وهمست: «انظر إلى الأسفل يا بَف. التلال تحتاجك.»

فنظر بَف إلى الأسفل.

رأى العشب الأصفر. ورأى الأزهار المتعبة المنحنية الرؤوس. ورأى الجدول الرفيع. ورأى هنا جالسة في الحقل الجافّ، ومرشّتها الفارغة في حجرها.

لم تكن تنظر إلى السماء اليوم. لم تكن تشير وتضحك. كانت تنظر إلى الأرض فقط.

شعر بَف بشعور غريب في داخله. شعور ثقيل، مع أنّه ما زال خفيفًا جدًّا.

قال بهدوء: «حسنًا. سأذهب.»

فطار بَف بعيدًا عن التلال. فوق المزرعة، فوق الطريق، فوق الشاطئ الرمليّ، حتى البحر الأزرق الواسع.

كان البحر دافئًا لامعًا، والضباب الناعم يصعد من الأمواج مثل بخار الحمّام.

رشف بَف رشفة من الضباب، فكبر قليلًا.

ورشف رشفة أخرى، فكبر قليلًا أكثر.

رشفة، ويكبر. رشفة، ويكبر. رشفة، ويكبر.

شرب طوال العصر، وكبر وكبر. صار جانباه الأبيضان المنفوشان عريضين ناعمين. وصار وسطه المستدير فضّيًّا، ثمّ رماديًّا لطيفًا.

لم يعد بَف يستطيع الطيران بسرعة. صار ينجرف فقط، ببطء وثبات. حاول أن يصنع شكل أرنب، لكنّ أذنيه لم تبقيا مرفوعتين. كان ثقيلًا جدًّا.

قال لنفسه: «لا بأس. عندي مهمّة.»

جاءت الريح ودفعته دفعة لطيفة وقالت: «من هنا. عُد إلى التلال.»

ببطء، ببطء، انجرف بَف عائدًا فوق الشاطئ، فوق الطريق، فوق المزرعة.

في الأسفل، رفعت هنا رأسها، واتّسعت عيناها.

ونادت: «جدّي! انظر! غيمة كبيرة! غيمة كبيرة طيّبة!»

ركض جدّها من الحظيرة، ونظر إلى الأعلى. وارتسمت على وجهه ابتسامة بطيئة.

طار بَف فوق التلال الجافّة. أخذ نفسًا عميقًا، ثمّ تنهّد تنهيدة طويلة لطيفة.

طِق، طَق.

طِق، طَق.

طِق، طَق، طِق، طَق.

بدأ المطر يهطل. هطل على العشب الأصفر، وعلى الأزهار المتعبة، وعلى الجدول الرفيع. وهطل على سطح بيت المزرعة: طَق، طَق، طَق، مثل أصابع صغيرة تقرع طبلًا.

وهطل في مرشّة هنا الخضراء، حتى امتلأت إلى آخرها.

ضحكت هنا، ودارت ويداها مفتوحتان. قفزت في بركة جديدة: طَش! ثمّ في بركة أخرى: طَش، طَش!

وضحك جدّها أيضًا. أمال قبّعته القشّية إلى الوراء، وترك المطر يسقط على وجهه.

ومن حولهما، بدأت الأزهار ترفع رؤوسها. ورديّة، وصفراء، وبيضاء. كأنّها تبتسم للسماء.

أمطر بَف وأمطر، بلطف وطيبة، حتى أخذت التلال كلّ ما تحتاجه من ماء.

ثمّ حدث شيء رائع.

عندما سقطت آخر قطرة، شعر بَف بالخفّة من جديد. خفيف مثل ريشة، خفيف مثل نفخة كريمة. صار صغيرًا أبيض منفوشًا، كما كان تمامًا.

طار إلى الأعلى، إلى الأعلى، في السماء الزرقاء الصافية، ودار دورة سعيدة.

ثمّ صار أرنبًا بأذنين طويلتين.

وفي الحقل الأخضر المبلول، رأته هنا فورًا.

وصاحت وهي تلوّح بيديها: «أرنب! شكرًا أيّتها الغيمة الصغيرة!»

هزّ بَف أذني الأرنب لها.

لقد كان كبيرًا. كان رماديًّا بطيئًا. والآن صار صغيرًا من جديد.

لكنّ بَف، بطريقة ما، شعر بأنّه أخفّ من أيّ وقت مضى.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

ناجي يستعير قفّازَي جدّه الكبيرين للحديقة
ناجي يستعير قفّازَي جدّه الكبيرين للحديقة

في صباح كلّ يوم جمعة، كان ناجي يذهب إلى بيت جدّه. وفي صباح كلّ يوم جمعة، كان جدّو سليم في الحديقة....

صفحة تلوين: زعفرانة قطّة الميناء والقوارب
صفحة تلوين: زعفرانة قطّة الميناء والقوارب

صفحة تلوين من حكاية زعفرانة قطّة الميناء تعدّ القوارب العائدة. اطبع الصفحة ولوّن زعفرانة والقوارب وا...

زيد وبئر القرية
زيد وبئر القرية

في أعالي التلال كانت قريةٌ اسمها «عين الورد». كانت فيها بيوتٌ بيضاء صغيرة، وأزقّةٌ ضيّقةٌ ملأى بالقط...