العودة إلى الحكايات

حكاية

بشير الفيل الصغير والخرطوم الذي لا يُطيعه

بشير الفيل الصغير والخرطوم الذي لا يُطيعه
كان بشير فيلًا صغيرًا له أذنان كبيرتان مستديرتان، وجلد رماديّ ناعم، وخُصلة صغيرة من الشعر فوق رأسه. كان يعيش مع عائلته في سهل ذهبيّ واسع، فيه عشب طويل، وأشجار أكاسيا تفرد أغصانها مثل مظلّات خضراء.

أحبّ بشير أشياء كثيرة في حياة الفيلة. أحبّ أن يرشّ الماء في بركة الطين. وأحبّ أن يمشي تحت بطن أمّه تمامًا، حيث الظلّ والبرودة. وأحبّ الأغاني العميقة الهادرة التي تهمهمها الفيلة الكبيرة في المساء.

لكن كان هناك شيء واحد لا يحبّه بشير أبدًا. كان خرطومه.

كان خرطومه طويلًا ومرتخيًا ويتلوّى. يميل إلى اليسار حين يريده أن يذهب إلى اليمين. ويلتفّ حين يريده أن يمتدّ. ويتدلّى حين يريده أن يرتفع عاليًا.

قال بشير لأمّه ذات صباح: "إنّه لا يسمع كلامي." وعبس في وجه خرطومه، فتمايل الخرطوم أمامه.

ابتسمت أمّه ابتسامتها الهادئة الطيّبة وقالت: "كلّ فيل صغير يشعر بهذا. الخرطوم شيء ذكيّ جدًّا، ويحتاج إلى وقت حتى نتعلّم كيف نستعمله."

قال بشير: "لكنّني أريد أن أستعمله الآن."

في ذلك الصباح، مشت العائلة إلى بركة الماء. غمست الفيلة الكبيرة خراطيمها في الماء، وسحبته، ثمّ رشّته بإتقان في أفواهها. شَفْط، رَشّ، بَلْع.

حاول بشير أيضًا. غمس خرطومه في الماء، وسحب بكلّ قوّته، ثمّ رفع خرطومه نحو فمه.

طرْطْش! انسكب الماء على وجهه كلّه، وفي أذنيه، ونزل على ظهره.

ضحك أبناء عمّه الكبار، لكنّها كانت ضحكة لطيفة. قال أحدهم: "جرّب أن تجثو على ركبتيك. هكذا تشرب بفمك وأنت تتدرّب."

فجثا بشير في الطين البارد وشرب بفمه. كان طعم الماء حلوًا ومنعشًا. لكنّه ظلّ يتمنّى أن يطيعه خرطومه.

وفي وقت لاحق، وجدت الفيلة شجرة مليئة بثمار صفراء ناضجة. مدّت الفيلة الكبيرة خراطيمها وقطفت الثمار واحدة بعد واحدة. قطف، قطف، قطف. ومدّ بشير خرطومه أيضًا. لوّح خرطومه وتلوّى. اصطدم بغصن. ودغدغ ورقة. ثمّ سقطت ثمرة وارتطمت برأسه برفق.

قال بشير: "أوف!" وجلس على الأرض الدافئة، وتنهّد تنهيدة فيل طويلة.

جاءت الخالة زوادي. كانت أكبر فيلة في العائلة. في جلدها تجاعيد كثيرة، وعيناها حكيمتان تلمعان.

قالت: "يا صغيري، هل تحبّ أن تلعب معي لعبة؟"

رفع بشير رأسه وسأل: "أيّ لعبة؟"

التقطت الخالة زوادي ريشة بيضاء صغيرة من العشب، وأمسكتها بطرف خرطومها وقالت: "هل تستطيع أن تأخذ هذه الريشة منّي من غير أن تُسقطها؟"

مدّ بشير خرطومه. تمايل الخرطوم. حاول أن يمسك الريشة، فطارت الريشة مع النسيم.

قالت الخالة زوادي: "مرّة أخرى." ووجدت الريشة ومدّتها إليه من جديد.

حاول بشير مرّة أخرى. ثمّ مرّة أخرى. وفي المحاولة الخامسة، التفّ طرف خرطومه حول الريشة. أمسكها، ولم يُسقطها.

صاح: "نجحت!"

قالت الخالة زوادي: "نعم، نجحت. وغدًا سنجرّب شيئًا جديدًا."

في اليوم التالي، أعطته عودًا ليحمله. وفي اليوم الذي بعده، حجرًا مستديرًا. ثمّ بطّيخة خضراء صغيرة، ناعمة وزلقة وصعبة الإمساك جدًّا. أسقط بشير البطّيخة مرّات كثيرة. ومرّة تدحرجت حتى أسفل تلّة صغيرة، فركض خلفها وأذناه ترفرفان. لكنّه لم يتوقّف عن المحاولة.

وكلّ مساء، حين تصير السماء ورديّة وبرتقاليّة، كان بشير يتدرّب وحده. يلتقط الأوراق. ويلتقط الأغصان الصغيرة. ويرشّ التراب على ظهره ليحميه من الشمس، تمامًا كما تفعل الفيلة الكبيرة. وشيئًا فشيئًا، بدأ خرطومه يطيعه.

في عصر يوم عاصف، استراحت الفيلة تحت شجرة أكاسيا كبيرة. وفي أعلى أغصانها، كانت طيور الحائك الصغيرة مشغولة تزقزق. كانت قد بنت أعشاشًا مستديرة من العشب المنسوج، تتدلّى من الأغصان مثل سلال صغيرة.

فجأة، هبّت ريح قويّة على السهل. ووووش! تأرجح أحد الأعشاش الصغيرة، وتأرجح، ثمّ انزلق عن غصنه، وسقط برفق في العشب الطويل تحت الشجرة.

نزل طائر حائك أصفر صغير يرفرف ويزقزق: "عشّي! عشّي! بيضي في داخله!"

التفتت الفيلة الكبيرة لتساعد. لكنّ العشب كان كثيفًا، والعشّ عالقًا بين شجيرتين فيهما أشواك. كانت أقدام الفيلة الكبيرة ثقيلة جدًّا على ذلك المكان. وخراطيمها قويّة، لكنّها معتادة على شدّ الأغصان، لا على رفع الأعشاش الصغيرة.

نظر بشير إلى العشّ. ثمّ نظر إلى خرطومه. وتذكّر الريشة.

سأل: "هل أستطيع أن أحاول؟"

أومأت أمّه وقالت: "برفق."

خطا بشير بحذر بين الشجيرتين. ومدّ خرطومه ببطء، ببطء. لم يتمايل الخرطوم. ولم يتدلّ. لفّ بشير طرف خرطومه حول أعلى العشّ، تمامًا كما أمسك الريشة البيضاء.

ثمّ رفعه. إلى أعلى، إلى أعلى، إلى أعلى. تمايل العشّ قليلًا، لكنّه بقي سالمًا مستويًا. وسمع بشير أصواتًا صغيرة رقيقة في داخله.

أنزلت الخالة زوادي غصنًا نحوه بخرطومها. فمدّ بشير خرطومه وعلّق عروة العشّ المنسوجة على الغصن من جديد. فتدلّى العشّ هناك يتأرجح برفق، سالمًا آمنًا.

طار الطائر الأصفر إلى داخل العشّ. ثمّ أطلّ برأسه وغنّى أسعد أغنية سمعها بشير في حياته.

زقزق الطائر: "شكرًا لك أيّها الفيل الصغير! خرطومك أرقّ خرطوم في السهل كلّه."

شعر بشير بالدفء يملؤه، من خُصلة رأسه حتى أصابع قدميه المستديرة. نظر إلى خرطومه، ونظر الخرطوم إليه، ولأوّل مرّة لم يتمايل أبدًا.

في ذلك المساء، عند بركة الماء، غمس بشير خرطومه في الماء. سحب الماء. ورفعه إلى فمه.

شَفْط، رَشّ، بَلْع.

ولم تسقط على وجهه قطرة واحدة.

هدرت الخالة زوادي هديرًا سعيدًا. وهدر بشير مثلها تمامًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

الأمير قمر والحصان الأبنوسي الطائر (من ألف ليلة وليلة)
الأمير قمر والحصان الأبنوسي الطائر (من ألف ليلة وليلة)

في قديم الزمان، في بلاد فارس، كان هناك ملك يحب الاختراعات الذكية. وفي كل سنة، في أول يوم من أيام الر...

قصة نبي الله عيسى عليه السلام وطيور الطين
قصة نبي الله عيسى عليه السلام وطيور الطين

منذ زمن بعيد، في أرض فلسطين، عاشت فتاة طيبة طاهرة اسمها مريم. كانت أمها قد نذرتها لله قبل أن تولد. ف...

قصة نبي الله آدم عليه السلام والجنة الجميلة
قصة نبي الله آدم عليه السلام والجنة الجميلة

منذ زمن بعيد جدًّا، قبل أن يعيش أيّ إنسان على الأرض، أراد الله أن يخلق خلقًا جديدًا. كان الله قد خلق...