العودة إلى الحكايات

حكاية

يوم علّمتني جدّتي خَبز الخبز

يوم علّمتني جدّتي خَبز الخبز
في كلّ يوم سبت، كان عمر يذهب إلى بيت جدّته.

في هذا السبت، طرق عمر باب جدّته الأحمر: طَق، طَق، طَق.

نادت الجدّة: «ادخل يا شمسي!»

ركض عمر إلى الداخل. كانت الجدّة واقفة في المطبخ، تلبس وشاحها البنفسجيّ ومريولها المزهّر. وكانت على طرف أنفها بقعة بيضاء من الطحين.

وعلى الطاولة الخشبية الكبيرة، كان وعاء أزرق كبير. وبجانبه كيس طحين، وإبريق ماء، وصحن صغير من الملح، وجرّة صغيرة.

قال عمر: «جدّتي، على أنفكِ طحين.»

قالت الجدّة وهي تضحك: «حقًّا؟ هذا لأنّ اليوم يوم خاصّ. اليوم سنخبز الخبز.»

صفّق عمر: «خبز!»

كان عمر يحبّ الخبز. يحبّه بالزبدة، ويحبّه بالعسل، ويحبّ أن يغمس الخبز الدافئ في شوربة العدس التي تصنعها جدّته. لكنّه لم يصنع الخبز من قبل، ولا مرّة واحدة.

ثمّ بدأا.

صبّت الجدّة الطحين في الوعاء الأزرق الكبير. ووووش! صعدت غيمة بيضاء ناعمة في الهواء. عطس عمر: أتشو! وضحكت الجدّة.

قالت الجدّة: «والآن الماء الدافئ. لا ساخن ولا بارد. دافئ مثل ماء الحمّام.»

صبّ عمر الماء ببطء: بُلُق، بُلُق، بُلُق.

أضافت الجدّة رشّة ملح. ثمّ فتحت الجرّة الصغيرة، وأضافت ملعقة من شيء بنّيّ مفتّت.

سأل عمر: «ما هذا؟»

قالت الجدّة: «هذه الخميرة. فيها شيء من السحر. هي التي تجعل الخبز يكبر وينتفخ. سترى.»

وناولت عمر ملعقة خشبية وقالت: «والآن نخلط.»

حرّك عمر الخليط، دورة بعد دورة، دورة بعد دورة. واختلط الطحين بالماء.

ثمّ قالت الجدّة: «والآن نستعمل أيدينا.»

وضع عمر يديه في الوعاء: سْكوِش!

كان العجين لزجًا. لزجًا جدًّا. التصق بأصابعه، والتصق بكفّيه. حاول أن ينفضه، فالتصق بالملعقة. حاول أن يمسحه، فالتصق بثيابه. حكّ ذراعه، فالتصق حتى بمرفقه!

سحب عمر يديه من الوعاء. كانتا مثل قفّازين أبيضين مليئين بالكتل.

احمرّ وجهه، وانعقد حاجباه.

وقال: «هذا فوضويّ جدًّا! إنّه يلتصق بكلّ مكان. أنا أفعلها خطأ. أريد أن أتوقّف.»

ومدّ يديه اللزجتين أمامه وعبس.

لم تعبس الجدّة. لم تقل: «يا للمصيبة!» ابتسمت فقط ابتسامة ناعمة طيّبة.

وقالت: «أتعرف؟ أوّل خبز صنعته كان فوضويًّا أيضًا. كنت في مثل عمرك. التصق العجين بيديّ، وبثوبي، وبشعري. ضحكت أمّي كثيرًا، ثمّ علّمتني سرًّا.»

سأل عمر: «أيّ سرّ؟»

قالت الجدّة: «دعني أريك.»

رشّت حفنة من الطحين على الطاولة الخشبية، فبدت مثل بقعة صغيرة من الثلج. ورشّت قليلًا من الطحين على يدي عمر أيضًا. فورًا، صارتا أقلّ لزوجة.

ثمّ قلبت العجين على الطاولة المرشوشة بالطحين.

وقالت: «انظر. ندفع، ونطوي، وندير.»

دفعت العجين بعيدًا عنها براحتي يديها. ثمّ طوته على نفسه. ثمّ أدارته قليلًا.

قالت الجدّة: «ادفع، اطوِ، أدِر. ادفع، اطوِ، أدِر.»

همس عمر: «ادفع، اطوِ، أدِر.»

قالت الجدّة: «والآن جرّب أنت.»

أخذ عمر نفسًا عميقًا، ووضع يديه على العجين.

دفع، وطوى، وأدار.

التصق العجين قليلًا، فرشّت الجدّة قليلًا من الطحين.

دفع، وطوى، وأدار.

التصق العجين أقلّ.

غنّت الجدّة كأنّها أغنية: «ادفع، اطوِ، أدِر.»

وغنّى عمر معها: «ادفع، اطوِ، أدِر.»

ادفع، اطوِ، أدِر. ادفع، اطوِ، أدِر. ادفع، اطوِ، أدِر.

وببطء، ببطء، تغيّر شيء. صار العجين الكتلي اللزج أملس. صار طريًّا مطّاطيًّا. توقّف عن الالتصاق بأصابع عمر. وعندما نقره بإصبعه، ارتدّ مثل وسادة.

قال عمر: «جدّتي! انظري! لم يعد لزجًا!»

قالت الجدّة: «أنت فعلت ذلك. لأنّك واصلت.»

دهنت الجدّة داخل الوعاء الأزرق بقليل من الزيت. ووضع عمر العجين الأملس المستدير فيه. ثمّ غطّته الجدّة بمنشفة نظيفة مخطّطة.

سأل عمر: «وماذا الآن؟»

قالت الجدّة: «الآن ننتظر.»

«إلى متى؟»

«حتى يصير حجمه ضعفين.»

فانتظرا.

غسلا أيديهما. وقرأا كتابًا عن سلحفاة أرادت أن تطير. ولعبا الورق، وفاز عمر مرّتين. وشربا حليبًا دافئًا بقليل من العسل.

ثمّ قالت الجدّة: «هل ننظر؟»

رفع عمر المنشفة ببطء شديد.

لقد كبر العجين! صار منتفخًا مستديرًا، ضعف حجمه من قبل. وارتفع حتى فوق حافّة الوعاء.

صاح عمر: «لقد كبر! كبر ونحن نلعب!»

قالت الجدّة وهي تغمز: «هذه الخميرة. قلت لك إنّها سحر.»

شكّلا العجين رغيفًا مستديرًا. وتركت الجدّة عمر يرسم نقشًا فوقه بالسكّين، فرسم نجمة. ثمّ فتحت الجدّة الفرن، ودخل الخبز.

وبعد قليل، بدأ البيت كلّه يفوح برائحة دافئة رائعة. رائحة مثل بطّانية دافئة. رائحة مثل يوم السبت.

جلس عمر أمام الفرن، يراقب من النافذة الزجاجية الصغيرة. ارتفع الخبز أكثر، وصار بنّيًّا فاتحًا، ثمّ ذهبيًّا.

دِن! رنّ المؤقّت.

أخرجت الجدّة الخبز بقفّازي الفرن الكبيرين. كان مستديرًا ذهبيًّا، وفوقه نجمة. وعندما نقرت على أسفله، أصدر صوتًا أجوف: طُق، طُق.

قالت الجدّة: «هذا يعني أنّه جاهز.»

انتظرا حتى برد قليلًا. ثمّ قطعت الجدّة شريحتين سميكتين دافئتين. تصاعد البخار من وسطهما. دهنتهما بالزبدة، فذابت فيهما.

أخذ عمر قضمة.

كان طريًّا من الداخل، مقرمشًا من الخارج، دافئًا بالزبدة. كان أطيب خبز ذاقه في حياته كلّها.

قال عمر وفمه ممتلئ: «جدّتي، أنا صنعت هذا.»

قالت الجدّة: «نعم، أنت صنعته.» وضمّته بقوّة.

نظر عمر إلى يديه. كان ما زال تحت أحد أظافره قليل من العجين. فابتسم.

وقال: «في السبت القادم، هل نخبز الخبز مرّة أخرى؟ لن أخاف من الأصابع اللزجة بعد الآن.»

ضحكت الجدّة ومسحت الطحين عن أنفها.

وقالت: «في السبت القادم. اتّفقنا.»
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

داليا تتبع طريق الحلزون الفضّي
داليا تتبع طريق الحلزون الفضّي

كانت داليا مستعجلة دائمًا. كانت تستعجل في لبس ثيابها صباحًا، فينتهي جوربها أحيانًا في القدم الخطأ...

قصة نبي الله عيسى عليه السلام وطيور الطين
قصة نبي الله عيسى عليه السلام وطيور الطين

منذ زمن بعيد، في أرض فلسطين، عاشت فتاة طيبة طاهرة اسمها مريم. كانت أمها قد نذرتها لله قبل أن تولد. ف...

تامر والسنّ التي تهتزّ لتقول مرحبًا
تامر والسنّ التي تهتزّ لتقول مرحبًا

في صباح يوم الاثنين، قضم تامر قطعة الخبز المحمّص، وشعر بشيء غريب. إحدى أسنانه الأمامية السفلية تح...