حكاية
فرح تحاول أن تصطاد الضباب في مرطبان
حين استيقظت فرح في صباح من أيّام الخريف، كان شيء غريب قد حدث للعالم خارج نافذتها.
الحديقة اختفت!
لم تختفِ حقًّا. لكنّها لم تستطع أن ترى شجرة الليمون. ولم ترَ الأرجوحة. ولم ترَ حتى البوّابة الحمراء في آخر الممرّ. كان كلّ شيء ناعمًا أبيض غائمًا، كأنّ أحدًا غطّى الحديقة كلّها ببطّانيّة كبيرة منفوشة.
نادت فرح: "بابا! تعالَ وانظر! غيمة سقطت في حديقتنا!"
دخل أبوها الغرفة ومعه كوب شاي دافئ. نظر من النافذة وابتسم.
قال: "هذا ضباب. يشبه الغيمة، أليس كذلك؟ الضباب غيمة نزلت لتسلّم على الأرض."
ألصقت فرح أنفها بالزجاج البارد وسألت: "هل نستطيع أن نخرج ونلمسه؟"
قال بابا: "البسي حذاءك الطويل ومعطفك الأصفر، وسنخرج معًا."
أسرعت فرح. لبست الحذاء بالمقلوب أوّلًا، ثمّ بالطريقة الصحيحة. وزرّرت معطفها الأصفر. ثمّ خطرت لها فكرة. ركضت إلى المطبخ وأخذت مرطبانًا زجاجيًّا فارغًا عن الرفّ، له غطاء معدنيّ لامع يُفتح ويُغلق بالتدوير.
سأل بابا: "لماذا هذا؟"
قالت فرح بفخر: "سأصطاد بعض الضباب. ثمّ أحتفظ به في غرفتي إلى الأبد، وأنظر إليه متى أردت."
رفع بابا حاجبيه وقال: "حسنًا، لنرَ ماذا سيحدث."
خرجا. كان الهواء باردًا رطبًا. رائحته رائحة عشب مبلّل وتراب وليمون من شجرة الليمون المختبئة. كان كلّ شيء هادئًا جدًّا. حتى العصافير بدت كأنّها تهمس.
مشت فرح في الممرّ. دار الضباب حول حذائها. وحين نظرت خلفها، كان البيت مجرّد شكل رماديّ، مثل رسمة بدأها أحد ولم يُكملها.
قالت بهدوء: "كأنّني أمشي داخل غيمة."
فتحت غطاء المرطبان. رفعته عاليًا في الهواء، وحرّكته يمينًا ويسارًا، وإلى أعلى وإلى أسفل. ثمّ أغلقت الغطاء بسرعة، وشدّته، وشدّته، وشدّته.
رفعت المرطبان لتنظر.
كان فارغًا. زجاج شفّاف، وليس في داخله أيّ شيء.
عبست فرح وقالت: "أين ذهب؟"
حاولت مرّة أخرى. هذه المرّة ركضت في أكثف مكان في الضباب، وهي تمسك المرطبان مفتوحًا أمامها مثل شبكة. وأغلقت الغطاء بأسرع ما تستطيع.
فارغ مرّة أخرى.
قالت: "بابا، الضباب يهرب كلّ مرّة."
جثا بابا بجانبها وقال: "سأخبرك سرًّا عن الضباب. الضباب مصنوع من قطرات ماء صغيرة جدًّا جدًّا. صغيرة وخفيفة إلى درجة أنّها تطفو في الهواء. ملايين منها حولنا الآن. لكن حين تضعين بعضها فقط في مرطبان، تكون أصغر من أن تُرى."
نظرت فرح إلى المرطبان وسألت: "إذن في داخله ضباب؟"
قال بابا: "قليل جدًّا. لكنّ الضباب لا يبدو ضبابًا إلّا حين تمتلئ به السماء كلّها."
سكتت فرح قليلًا. شعرت ببعض الخيبة. كانت تريد حقًّا أن تحتفظ بالضباب.
ثمّ أشار بابا وقال: "انظري هناك، عند البوّابة."
اقتربت فرح. بين عمودين من السياج، كان هناك بيت عنكبوت. لم تنتبه إليه من قبل. لكنّه في هذا الصباح كان مغطّى بقطرات ماء صغيرة. كلّ قطرة مستديرة لامعة مثل خرزة زجاج صغيرة. وكان بيت العنكبوت كلّه يتلألأ مثل عِقد.
همست فرح: "أوه! الضباب جعل بيت العنكبوت جميلًا."
قال بابا: "الضباب يترك هدايا صغيرة في كلّ مكان. هل تجدين غيرها؟"
نظرت فرح حولها. والآن رأتها. قطرات ماء معلّقة على أطراف العشب مثل مصابيح صغيرة. وبتلات الورد مبلّلة لامعة. وعلى الأرجوحة غطاء فضّيّ ناعم من الرذاذ. وحين لمست شجرة الليمون، كانت أوراقها باردة مبلّلة، فانزلقت قطرة وسقطت على أنفها: طَب!
ضحكت فرح وقالت: "شجرة الليمون تبكي دموع الفرح."
تجوّلا في الحديقة كلّها يبحثان عن هدايا الضباب. وجدا حلزونًا يترك أثرًا لامعًا على حجر مبلّل. ووجدا حوض العصافير ممتلئًا حتى حافّته. ووجدا بيت عنكبوت في نافذة المخزن يتلألأ مثل الأوّل.
ثمّ بدأ شيء يتغيّر ببطء.
صار الهواء أدفأ قليلًا. وبدأت البطّانيّة البيضاء ترقّ. أوّلًا، رأت فرح الأرجوحة من جديد. ثمّ البوّابة الحمراء. ثمّ رؤوس الأشجار. ولمع ضوء ذهبيّ ناعم من خلال الضباب.
قال بابا: "الشمس قادمة. حين تُدفئ الشمس الهواء، يعود الضباب إلى السماء."
راقبت فرح الضباب وهو يرتفع شيئًا فشيئًا، مثل ستارة تُرفع ببطء شديد. وسرعان ما صارت الحديقة كلّها مشرقة صافية. ولمعت القطرات على بيت العنكبوت بأقواس قزح صغيرة.
قالت فرح: "إنّه يذهب. ولم أستطع أن أحتفظ به."
وضع بابا ذراعه حولها وقال بلطف: "بعض الأشياء ليست للاحتفاظ بها. بعض الأشياء نستمتع بها فقط ما دامت معنا. وأنتِ استمتعتِ بالضباب كثيرًا هذا الصباح."
فكّرت فرح في ذلك. فكّرت في بيت العنكبوت اللامع، والهواء الهادئ الهامس، والمشي داخل غيمة.
وفجأة قالت: "أعرف ما الذي أستطيع أن أحتفظ به!"
ركضت إلى الداخل، وخلعت حذاءها، وأخرجت ألوانها الشمعيّة وورقة كبيرة. رسمت الحديقة ناعمة بيضاء. ورسمت شكل البيت الرماديّ. ورسمت بيت العنكبوت بقطرات فضّيّة صغيرة. ورسمت نفسها بمعطفها الأصفر، تمسك مرطبانًا فارغًا وتبتسم.
وفي أعلى الورقة، رسمت شمسًا ذهبيّة تطلّ من بعيد.
نظر بابا إلى الرسمة طويلًا ثمّ قال: "هذه أجمل طريقة لاصطياد الضباب رأيتها في حياتي."
علّقت فرح الرسمة فوق سريرها. والمرطبان الفارغ؟ وضعته على حافّة نافذتها، وغطاؤه مشدود جيّدًا. فربّما بقي في داخله قليل من الضباب.
الحديقة اختفت!
لم تختفِ حقًّا. لكنّها لم تستطع أن ترى شجرة الليمون. ولم ترَ الأرجوحة. ولم ترَ حتى البوّابة الحمراء في آخر الممرّ. كان كلّ شيء ناعمًا أبيض غائمًا، كأنّ أحدًا غطّى الحديقة كلّها ببطّانيّة كبيرة منفوشة.
نادت فرح: "بابا! تعالَ وانظر! غيمة سقطت في حديقتنا!"
دخل أبوها الغرفة ومعه كوب شاي دافئ. نظر من النافذة وابتسم.
قال: "هذا ضباب. يشبه الغيمة، أليس كذلك؟ الضباب غيمة نزلت لتسلّم على الأرض."
ألصقت فرح أنفها بالزجاج البارد وسألت: "هل نستطيع أن نخرج ونلمسه؟"
قال بابا: "البسي حذاءك الطويل ومعطفك الأصفر، وسنخرج معًا."
أسرعت فرح. لبست الحذاء بالمقلوب أوّلًا، ثمّ بالطريقة الصحيحة. وزرّرت معطفها الأصفر. ثمّ خطرت لها فكرة. ركضت إلى المطبخ وأخذت مرطبانًا زجاجيًّا فارغًا عن الرفّ، له غطاء معدنيّ لامع يُفتح ويُغلق بالتدوير.
سأل بابا: "لماذا هذا؟"
قالت فرح بفخر: "سأصطاد بعض الضباب. ثمّ أحتفظ به في غرفتي إلى الأبد، وأنظر إليه متى أردت."
رفع بابا حاجبيه وقال: "حسنًا، لنرَ ماذا سيحدث."
خرجا. كان الهواء باردًا رطبًا. رائحته رائحة عشب مبلّل وتراب وليمون من شجرة الليمون المختبئة. كان كلّ شيء هادئًا جدًّا. حتى العصافير بدت كأنّها تهمس.
مشت فرح في الممرّ. دار الضباب حول حذائها. وحين نظرت خلفها، كان البيت مجرّد شكل رماديّ، مثل رسمة بدأها أحد ولم يُكملها.
قالت بهدوء: "كأنّني أمشي داخل غيمة."
فتحت غطاء المرطبان. رفعته عاليًا في الهواء، وحرّكته يمينًا ويسارًا، وإلى أعلى وإلى أسفل. ثمّ أغلقت الغطاء بسرعة، وشدّته، وشدّته، وشدّته.
رفعت المرطبان لتنظر.
كان فارغًا. زجاج شفّاف، وليس في داخله أيّ شيء.
عبست فرح وقالت: "أين ذهب؟"
حاولت مرّة أخرى. هذه المرّة ركضت في أكثف مكان في الضباب، وهي تمسك المرطبان مفتوحًا أمامها مثل شبكة. وأغلقت الغطاء بأسرع ما تستطيع.
فارغ مرّة أخرى.
قالت: "بابا، الضباب يهرب كلّ مرّة."
جثا بابا بجانبها وقال: "سأخبرك سرًّا عن الضباب. الضباب مصنوع من قطرات ماء صغيرة جدًّا جدًّا. صغيرة وخفيفة إلى درجة أنّها تطفو في الهواء. ملايين منها حولنا الآن. لكن حين تضعين بعضها فقط في مرطبان، تكون أصغر من أن تُرى."
نظرت فرح إلى المرطبان وسألت: "إذن في داخله ضباب؟"
قال بابا: "قليل جدًّا. لكنّ الضباب لا يبدو ضبابًا إلّا حين تمتلئ به السماء كلّها."
سكتت فرح قليلًا. شعرت ببعض الخيبة. كانت تريد حقًّا أن تحتفظ بالضباب.
ثمّ أشار بابا وقال: "انظري هناك، عند البوّابة."
اقتربت فرح. بين عمودين من السياج، كان هناك بيت عنكبوت. لم تنتبه إليه من قبل. لكنّه في هذا الصباح كان مغطّى بقطرات ماء صغيرة. كلّ قطرة مستديرة لامعة مثل خرزة زجاج صغيرة. وكان بيت العنكبوت كلّه يتلألأ مثل عِقد.
همست فرح: "أوه! الضباب جعل بيت العنكبوت جميلًا."
قال بابا: "الضباب يترك هدايا صغيرة في كلّ مكان. هل تجدين غيرها؟"
نظرت فرح حولها. والآن رأتها. قطرات ماء معلّقة على أطراف العشب مثل مصابيح صغيرة. وبتلات الورد مبلّلة لامعة. وعلى الأرجوحة غطاء فضّيّ ناعم من الرذاذ. وحين لمست شجرة الليمون، كانت أوراقها باردة مبلّلة، فانزلقت قطرة وسقطت على أنفها: طَب!
ضحكت فرح وقالت: "شجرة الليمون تبكي دموع الفرح."
تجوّلا في الحديقة كلّها يبحثان عن هدايا الضباب. وجدا حلزونًا يترك أثرًا لامعًا على حجر مبلّل. ووجدا حوض العصافير ممتلئًا حتى حافّته. ووجدا بيت عنكبوت في نافذة المخزن يتلألأ مثل الأوّل.
ثمّ بدأ شيء يتغيّر ببطء.
صار الهواء أدفأ قليلًا. وبدأت البطّانيّة البيضاء ترقّ. أوّلًا، رأت فرح الأرجوحة من جديد. ثمّ البوّابة الحمراء. ثمّ رؤوس الأشجار. ولمع ضوء ذهبيّ ناعم من خلال الضباب.
قال بابا: "الشمس قادمة. حين تُدفئ الشمس الهواء، يعود الضباب إلى السماء."
راقبت فرح الضباب وهو يرتفع شيئًا فشيئًا، مثل ستارة تُرفع ببطء شديد. وسرعان ما صارت الحديقة كلّها مشرقة صافية. ولمعت القطرات على بيت العنكبوت بأقواس قزح صغيرة.
قالت فرح: "إنّه يذهب. ولم أستطع أن أحتفظ به."
وضع بابا ذراعه حولها وقال بلطف: "بعض الأشياء ليست للاحتفاظ بها. بعض الأشياء نستمتع بها فقط ما دامت معنا. وأنتِ استمتعتِ بالضباب كثيرًا هذا الصباح."
فكّرت فرح في ذلك. فكّرت في بيت العنكبوت اللامع، والهواء الهادئ الهامس، والمشي داخل غيمة.
وفجأة قالت: "أعرف ما الذي أستطيع أن أحتفظ به!"
ركضت إلى الداخل، وخلعت حذاءها، وأخرجت ألوانها الشمعيّة وورقة كبيرة. رسمت الحديقة ناعمة بيضاء. ورسمت شكل البيت الرماديّ. ورسمت بيت العنكبوت بقطرات فضّيّة صغيرة. ورسمت نفسها بمعطفها الأصفر، تمسك مرطبانًا فارغًا وتبتسم.
وفي أعلى الورقة، رسمت شمسًا ذهبيّة تطلّ من بعيد.
نظر بابا إلى الرسمة طويلًا ثمّ قال: "هذه أجمل طريقة لاصطياد الضباب رأيتها في حياتي."
علّقت فرح الرسمة فوق سريرها. والمرطبان الفارغ؟ وضعته على حافّة نافذتها، وغطاؤه مشدود جيّدًا. فربّما بقي في داخله قليل من الضباب.


