حكاية
المقعد في الحديقة الذي يتّسع لثلاثة
في وسط الحديقة العامّة قرب بيت ملاك، كان هناك مقعد أخضر تحت شجرة دُلْب طويلة. لم يكن مقعدًا فاخرًا. كان طلاؤه مقشورًا قليلًا، وكان أحد ألواحه الخشبيّة يصرّ حين تجلس عليه. لكنّ ملاك أحبّته أكثر من أيّ مقعد في العالم.
كلّ يوم بعد المدرسة، كانت ملاك وصديقها المفضّل سليم يركضان إلى المقعد الأخضر. وكانا يجلسان دائمًا في المكانين نفسيهما. ملاك على اليسار، بجانب مسند اليد الذي يشبه ورقة شجر ملتفّة. وسليم على اليمين، بجانب اللوح الذي يصرّ. وفي الوسط يضعان علبة الطعام، ويتقاسمان ما فيها.
يوم الاثنين، شرائح برتقال. ويوم الثلاثاء، بسكويت مالح. ويوم الأربعاء، حفنة تمر من جدّة سليم. كانا يؤرجحان أرجلهما ويراقبان الحمام وهو ينقر الممرّ. ويتحدّثان عن كلّ شيء: عن معلّميهما، وألوانهما المفضّلة، والغيوم التي تشبه الحيوانات.
كان سليم يقول دائمًا: "هذا مقعدنا."
وكانت ملاك توافقه دائمًا: "لنا وحدنا."
في يوم اثنين عاصف من أيّام الخريف، ركضت ملاك وسليم على العشب كالعادة. كانت أوراق برتقاليّة وصفراء تتساقط من شجرة الدلب. لكنّهما حين وصلا إلى المقعد الأخضر، توقّفا.
كان أحد يجلس عليه.
كانت بنتًا في مثل عمرهما. شعرها قصير مجعّد، وعلى رقبتها وشاح أزرق، ومعها حقيبة ظهر تبدو جديدة جدًّا. كانت تجلس في وسط المقعد تمامًا، وحدها، وتمسك كيسًا ورقيًّا صغيرًا.
نظرت ملاك وسليم أحدهما إلى الآخر.
همس سليم: "هذا مقعدنا."
همست ملاك: "أعرف."
وقفا لحظة لا يعرفان ماذا يفعلان. نظرت البنت إليهما، ثمّ نظرت إلى كيسها الورقيّ، واحمرّ خدّاها قليلًا.
قال سليم بشيء من الضيق: "ربّما يجب أن نبحث عن مقعد آخر."
نظرت ملاك حولها في الحديقة. كان هناك مقعد أصفر قرب البركة، لكنّه مبلّل بالبرك الصغيرة. وكان هناك مقعد حجريّ قرب البوّابة، لكنّه بارد وقاسٍ. ولم يكن لأيّ منهما مسند على شكل ورقة ملتفّة، ولا لوح يصرّ.
نظرت ملاك إلى البنت مرّة أخرى. لاحظت أنّ على حقيبتها بطاقة فيها اسمها: إينيس. ولاحظت أنّ إينيس لا تأكل شيئًا من كيسها. كانت تمسكه فقط وتنظر إلى الحمام، وحدها تمامًا.
تذكّرت ملاك أوّل يوم لها في هذه المدرسة، منذ وقت طويل، حين لم تكن تعرف أحدًا. تذكّرت كيف كانت بطنها كأنّها مليئة بالفراشات. وتذكّرت كيف جاءها سليم وقت الغداء وقال: "هل تحبّين أن تتقاسمي معي البسكويت؟"
شدّت ملاك كُمّ سليم وقالت بهدوء: "سليم، هل تذكر يومي الأوّل؟"
فكّر سليم. ثمّ نظر إلى إينيس مرّة أخرى، ولان وجهه المتضايق.
قال: "تبدو وحيدة قليلًا."
قالت ملاك: "تبدو مثلي يومها."
أخذت ملاك نفَسًا عميقًا، ومشت إلى المقعد وقالت: "مرحبًا. هل أنتِ إينيس؟"
أومأت البنت وقالت بصوت صغير: "أنا جديدة. انتقلنا إلى هنا الأسبوع الماضي."
قالت ملاك: "أنا ملاك، وهذا سليم. نجلس على هذا المقعد كلّ يوم بعد المدرسة. هل نستطيع أن نجلس معك؟"
أشرق وجه إينيس وقالت: "نعم، من فضلكما!" وتزحزحت إلى جانب.
جلست ملاك في مكانها المعتاد بجانب المسند الملتفّ. وجلس سليم في مكانه المعتاد بجانب اللوح الذي يصرّ. صرررر، صرّ اللوح، فضحكت إينيس.
كان المكان يتّسع للثلاثة تمامًا. كانت أكتافهم تتلامس قليلًا، واضطرّت علبة الطعام أن تجلس في حضن ملاك بدل الوسط. لكنّ أحدًا لم ينزعج.
فتحت ملاك العلبة وقالت: "اليوم شرائح برتقال. هل تريدين واحدة؟"
أخذت إينيس شريحة وابتسمت. ثمّ فتحت كيسها الورقيّ وقالت: "معي شيء أيضًا." وفي داخله ثلاث كعكات سمسم مستديرة، ذهبيّة مقرمشة. "أمّي صنعتها. واحدة لكلّ واحد منّا."
اتّسعت عينا سليم وقال: "ثلاث بالضبط!"
قالت إينيس بخجل: "أظنّ أنّ أمّي كانت تتمنّى أن أجد أصدقاء اليوم."
أكلوا الكعك وشرائح البرتقال. ونفخت الريح الأوراق حول أقدامهم في دوّامات صغيرة. ومشت حمامة رماديّة سمينة نحو المقعد، ونظرت إليهم بأمل.
ثمّ فعلت إينيس شيئًا مدهشًا. ضمّت كفّيها معًا ونفخت فيهما، فخرج صوت ناعم يشبه هديل الحمام تمامًا: كوو-روو، كوو-روو.
أمالت الحمامة رأسها. ثمّ هدلت هي أيضًا!
شهقت ملاك وسليم: "كيف فعلتِ ذلك؟"
قالت إينيس: "علّمني جدّي. أستطيع أن أقلّد البومة واليمامة أيضًا." وأرتهما: هوو-هوو. كوو-كوو.
سأل سليم: "هل تعلّميننا؟"
فأرتهما إينيس كيف يضمّان كفّيهما بالشكل الصحيح، وأين ينفخان. محاولة ملاك الأولى خرجت مثل صفّارة. ومحاولة سليم الأولى خرجت مثل عطسة. ضحكوا كثيرًا حتى صرّ اللوح وصرّ وصرّ. لكنّ سليم في المحاولة العاشرة أخرج صوت حمامة حقيقيًّا، فردّت عليه الحمامة السمينة بهديلها.
صاح: "نجحت!" فطار الحمام إلى السماء مثل غيمة من الريش الرماديّ.
حين بدأت الشمس تغيب، حان وقت العودة إلى البيت. وقفوا ونفضوا الفتات عن ثيابهم.
سألت ملاك إينيس: "هل تأتين غدًا أيضًا؟"
سألت إينيس: "هل أستطيع؟"
قال سليم: "طبعًا. غدًا الثلاثاء. يوم البسكويت."
ابتسمت إينيس ابتسامة عريضة وقالت: "وسأحضر مزيدًا من الكعك."
وفي الطريق إلى البيت، نظر سليم خلفه إلى المقعد الأخضر تحت شجرة الدلب.
قال: "تعرفين؟ كنت أظنّ دائمًا أنّ ذلك المقعد لا يتّسع إلّا لاثنين."
ابتسمت ملاك وقالت: "كان دائمًا يتّسع لثلاثة. كان علينا فقط أن نتزحزح قليلًا."
ومنذ ذلك اليوم، صار للمقعد الأخضر ثلاثة أصدقاء، وثلاث وجبات صغيرة، وسرب كامل من الحمام يأتي كلّ عصر ليستمع.
كلّ يوم بعد المدرسة، كانت ملاك وصديقها المفضّل سليم يركضان إلى المقعد الأخضر. وكانا يجلسان دائمًا في المكانين نفسيهما. ملاك على اليسار، بجانب مسند اليد الذي يشبه ورقة شجر ملتفّة. وسليم على اليمين، بجانب اللوح الذي يصرّ. وفي الوسط يضعان علبة الطعام، ويتقاسمان ما فيها.
يوم الاثنين، شرائح برتقال. ويوم الثلاثاء، بسكويت مالح. ويوم الأربعاء، حفنة تمر من جدّة سليم. كانا يؤرجحان أرجلهما ويراقبان الحمام وهو ينقر الممرّ. ويتحدّثان عن كلّ شيء: عن معلّميهما، وألوانهما المفضّلة، والغيوم التي تشبه الحيوانات.
كان سليم يقول دائمًا: "هذا مقعدنا."
وكانت ملاك توافقه دائمًا: "لنا وحدنا."
في يوم اثنين عاصف من أيّام الخريف، ركضت ملاك وسليم على العشب كالعادة. كانت أوراق برتقاليّة وصفراء تتساقط من شجرة الدلب. لكنّهما حين وصلا إلى المقعد الأخضر، توقّفا.
كان أحد يجلس عليه.
كانت بنتًا في مثل عمرهما. شعرها قصير مجعّد، وعلى رقبتها وشاح أزرق، ومعها حقيبة ظهر تبدو جديدة جدًّا. كانت تجلس في وسط المقعد تمامًا، وحدها، وتمسك كيسًا ورقيًّا صغيرًا.
نظرت ملاك وسليم أحدهما إلى الآخر.
همس سليم: "هذا مقعدنا."
همست ملاك: "أعرف."
وقفا لحظة لا يعرفان ماذا يفعلان. نظرت البنت إليهما، ثمّ نظرت إلى كيسها الورقيّ، واحمرّ خدّاها قليلًا.
قال سليم بشيء من الضيق: "ربّما يجب أن نبحث عن مقعد آخر."
نظرت ملاك حولها في الحديقة. كان هناك مقعد أصفر قرب البركة، لكنّه مبلّل بالبرك الصغيرة. وكان هناك مقعد حجريّ قرب البوّابة، لكنّه بارد وقاسٍ. ولم يكن لأيّ منهما مسند على شكل ورقة ملتفّة، ولا لوح يصرّ.
نظرت ملاك إلى البنت مرّة أخرى. لاحظت أنّ على حقيبتها بطاقة فيها اسمها: إينيس. ولاحظت أنّ إينيس لا تأكل شيئًا من كيسها. كانت تمسكه فقط وتنظر إلى الحمام، وحدها تمامًا.
تذكّرت ملاك أوّل يوم لها في هذه المدرسة، منذ وقت طويل، حين لم تكن تعرف أحدًا. تذكّرت كيف كانت بطنها كأنّها مليئة بالفراشات. وتذكّرت كيف جاءها سليم وقت الغداء وقال: "هل تحبّين أن تتقاسمي معي البسكويت؟"
شدّت ملاك كُمّ سليم وقالت بهدوء: "سليم، هل تذكر يومي الأوّل؟"
فكّر سليم. ثمّ نظر إلى إينيس مرّة أخرى، ولان وجهه المتضايق.
قال: "تبدو وحيدة قليلًا."
قالت ملاك: "تبدو مثلي يومها."
أخذت ملاك نفَسًا عميقًا، ومشت إلى المقعد وقالت: "مرحبًا. هل أنتِ إينيس؟"
أومأت البنت وقالت بصوت صغير: "أنا جديدة. انتقلنا إلى هنا الأسبوع الماضي."
قالت ملاك: "أنا ملاك، وهذا سليم. نجلس على هذا المقعد كلّ يوم بعد المدرسة. هل نستطيع أن نجلس معك؟"
أشرق وجه إينيس وقالت: "نعم، من فضلكما!" وتزحزحت إلى جانب.
جلست ملاك في مكانها المعتاد بجانب المسند الملتفّ. وجلس سليم في مكانه المعتاد بجانب اللوح الذي يصرّ. صرررر، صرّ اللوح، فضحكت إينيس.
كان المكان يتّسع للثلاثة تمامًا. كانت أكتافهم تتلامس قليلًا، واضطرّت علبة الطعام أن تجلس في حضن ملاك بدل الوسط. لكنّ أحدًا لم ينزعج.
فتحت ملاك العلبة وقالت: "اليوم شرائح برتقال. هل تريدين واحدة؟"
أخذت إينيس شريحة وابتسمت. ثمّ فتحت كيسها الورقيّ وقالت: "معي شيء أيضًا." وفي داخله ثلاث كعكات سمسم مستديرة، ذهبيّة مقرمشة. "أمّي صنعتها. واحدة لكلّ واحد منّا."
اتّسعت عينا سليم وقال: "ثلاث بالضبط!"
قالت إينيس بخجل: "أظنّ أنّ أمّي كانت تتمنّى أن أجد أصدقاء اليوم."
أكلوا الكعك وشرائح البرتقال. ونفخت الريح الأوراق حول أقدامهم في دوّامات صغيرة. ومشت حمامة رماديّة سمينة نحو المقعد، ونظرت إليهم بأمل.
ثمّ فعلت إينيس شيئًا مدهشًا. ضمّت كفّيها معًا ونفخت فيهما، فخرج صوت ناعم يشبه هديل الحمام تمامًا: كوو-روو، كوو-روو.
أمالت الحمامة رأسها. ثمّ هدلت هي أيضًا!
شهقت ملاك وسليم: "كيف فعلتِ ذلك؟"
قالت إينيس: "علّمني جدّي. أستطيع أن أقلّد البومة واليمامة أيضًا." وأرتهما: هوو-هوو. كوو-كوو.
سأل سليم: "هل تعلّميننا؟"
فأرتهما إينيس كيف يضمّان كفّيهما بالشكل الصحيح، وأين ينفخان. محاولة ملاك الأولى خرجت مثل صفّارة. ومحاولة سليم الأولى خرجت مثل عطسة. ضحكوا كثيرًا حتى صرّ اللوح وصرّ وصرّ. لكنّ سليم في المحاولة العاشرة أخرج صوت حمامة حقيقيًّا، فردّت عليه الحمامة السمينة بهديلها.
صاح: "نجحت!" فطار الحمام إلى السماء مثل غيمة من الريش الرماديّ.
حين بدأت الشمس تغيب، حان وقت العودة إلى البيت. وقفوا ونفضوا الفتات عن ثيابهم.
سألت ملاك إينيس: "هل تأتين غدًا أيضًا؟"
سألت إينيس: "هل أستطيع؟"
قال سليم: "طبعًا. غدًا الثلاثاء. يوم البسكويت."
ابتسمت إينيس ابتسامة عريضة وقالت: "وسأحضر مزيدًا من الكعك."
وفي الطريق إلى البيت، نظر سليم خلفه إلى المقعد الأخضر تحت شجرة الدلب.
قال: "تعرفين؟ كنت أظنّ دائمًا أنّ ذلك المقعد لا يتّسع إلّا لاثنين."
ابتسمت ملاك وقالت: "كان دائمًا يتّسع لثلاثة. كان علينا فقط أن نتزحزح قليلًا."
ومنذ ذلك اليوم، صار للمقعد الأخضر ثلاثة أصدقاء، وثلاث وجبات صغيرة، وسرب كامل من الحمام يأتي كلّ عصر ليستمع.


