العودة إلى الحكايات

حكاية

جود والخريطة المرسومة على منديل ورقيّ

جود والخريطة المرسومة على منديل ورقيّ
في الصباح الأوّل من العطلة المدرسيّة، جلست جود وابن عمّها الصغير طارق إلى مائدة فطور جدّي عادل في القرية. كانت المائدة مليئة بالأشياء الطيّبة: خبز دافئ، وجبنة بيضاء، وزيتون، وعسل، وصحن كبير من البندورة المقطّعة تلمع حمراء في ضوء الشمس.

أنهى جدّي عادل شايه. ثمّ أخذ منديلًا ورقيًّا، وأخرج قلم رصاص من جيب قميصه، وبدأ يرسم.

اقتربت جود. وصعد طارق على ركبتيه فوق الكرسيّ ليرى.

رسم جدّي مربّعًا صغيرًا وقال: "هذا بيتنا." ثمّ رسم خطًّا متعرّجًا: "وهذا الزقاق." ورسم بابًا صغيرًا، ودائرة، ورغيف خبز، وفي النهاية تمامًا شجرة كبيرة بجانبها علامة إكس.

سأل طارق: "ما هذا؟"

قال جدّي عادل وعيناه تلمعان: "هذه خريطة. إذا تبعتماها بعناية، خطوة بعد خطوة، ستجدان مفاجأة في نهايتها."

قفز قلب جود من الحماسة: "خريطة كنز!"

قال جدّي: "شيء من هذا القبيل. لكن تذكّرا: يجب أن تتبعا كلّ إشارة بالترتيب الصحيح. ممنوع القفز عن أيّ إشارة."

أعطى المنديل لجود وقال: "أنتِ الكبرى. أنتِ المسؤولة عن الخريطة. وأنت يا طارق، مسؤول عن أن تبقي عينيك مفتوحتين."

لبست جود وطارق قبّعتي الشمس وركضا خارج البوّابة.

قالت جود وهي تنظر إلى المنديل: "الإشارة الأولى تقول أن نمشي في الزقاق حتى نجد الباب الأزرق."

كان الزقاق ضيّقًا مشمسًا، على جانبيه جدران حجريّة. وكانت أزهار ورديّة تتدلّى فوق الجدران. وقطّة تتمطّى عند عتبة باب. مرّا بباب أخضر، وباب بنّيّ، وباب أبيض.

صاح طارق وهو يشير: "هناك! باب أزرق!"

كان بابًا أزرق لامعًا، مقبضه نحاسيّ على شكل يد. وعلى العتبة إناء فخّار صغير، وفي داخله ورقة مطويّة مربّعة.

فتحتها جود. كان فيها رسم دائرة حولها خطوط متموّجة صغيرة.

قالت جود وهي تنظر إلى المنديل من جديد: "التالي هو الدائرة. أظنّها البئر القديمة في الساحة."

أسرعا. لكنّ جود كانت متحمّسة جدًّا، فصارت تمشي أسرع وأسرع. نظرت إلى المنديل. رأت رغيف الخبز. ورأت الشجرة الكبيرة في النهاية.

قالت: "طارق، لا بدّ أنّ الشجرة هي الكنز. لنقفز عن الأجزاء المملّة ونذهب إليها مباشرة!"

قال طارق: "لكنّ جدّي قال ممنوع القفز."

قالت جود: "سيكون ذلك أسرع. أرى مكان الشجرة على الخريطة. إنّها في آخر الزقاق. هيّا!"

أمسكت يد طارق وركضت. ركضا بجانب الساحة من غير أن يتوقّفا. وركضا بجانب المخبز الذي تفوح منه رائحة خبز السمسم الدافئ. وركضا حتى آخر الزقاق.

كانت هناك شجرة. شجرة ليمون صغيرة في إناء، خارج نافذة مطبخ أحد البيوت. لم تكن تحتها أيّ مفاجأة. ولا خلفها. كان هناك فقط كلب عجوز نعسان، فتح عينًا واحدة وضرب الأرض بذيله.

نظرت جود إلى المنديل مرّة أخرى. الشجرة في الخريطة كبيرة جدًّا، أغصانها عريضة. وهذه الشجرة صغيرة.

قالت ببطء: "ليست هي." وتحوّلت حماستها إلى ثقل في بطنها.

جلس طارق على العتبة وقال: "أنا حرّان. وأظنّ أنّنا ضعنا."

لم يكونا ضائعين حقًّا. كانت جود ما تزال ترى سطح بيت جدّي فوق السطوح. لكنّهما لم يعرفا أين المفاجأة، وكان هذا شعورًا سيّئًا تقريبًا مثل الضياع.

جلست جود بجانب ابن عمّها، ونظرت إلى المنديل وقتًا طويلًا.

ثمّ قالت أخيرًا: "جدّي قال خطوة بعد خطوة. أظنّه كان يعني ذلك. ربّما كلّ إشارة تخبرنا بشيء نحتاجه للإشارة التي بعدها."

أومأ طارق وقال: "لنرجع إلى البئر."

فمشيا عائدين في الزقاق، ببطء هذه المرّة. وفي ساحة القرية، كانت البئر الحجريّة القديمة في الوسط، يتدلّى منها دلو بحبل. نظرت جود بعناية حولها كلّها. ووجدت تحت حجر مسطّح على حافّتها ورقة مطويّة أخرى.

كان فيها رسم سهم ورغيف خبز. وتحت الرغيف، كتب جدّي رقمًا: اثنان.

سأل طارق: "اثنان؟ اثنان ماذا؟"

قالت جود: "لنعرف."

تبعا السهم إلى المخبز. كان الخبّاز، العمّ وسيم، يُخرج الأرغفة المستديرة من الفرن الحجريّ الكبير بمجرفة خشبيّة طويلة. وحين رآهما ضحك.

قال: "آه، وصل المستكشفان أخيرًا! أخبرني جدّكما أنّكما قد تأتيان." ولفّ رغيفين دافئين بالسمسم في ورق، وأعطى كلّ واحد منهما رغيفًا. "رغيفان لمستكشفَين اثنين. والآن اخرجا من الباب الخلفيّ واصعدا التلّة."

خلف المخبز، كان درب صغير يصعد تلّة لطيفة بين أشجار الزيتون. وفي القمّة، وحدها أمام السماء الزرقاء، كانت أكبر شجرة تين رأتها جود في حياتها. أغصانها ممدودة مثل ذراعين مفتوحتين. وأوراقها كبيرة خضراء تصنع ظلًّا باردًا عميقًا.

وتحت الشجرة، على بطّانيّة حمراء، كان يجلس جدّي عادل.

وبجانبه سلّة مليئة بالعنب والمشمش، وإبريق ليموناضة بالنعناع باردة، وأرجوحة حبل جديدة معلّقة بأقوى غصن.

قال جدّي: "وجدتماها! وأحضرتما الخبز."

ركض طارق مباشرة إلى الأرجوحة. وجلست جود بجانب جدّها، وأعطته المنديل.

قالت معترفة: "حاولت أن أقفز عن الإشارات. وذهبنا إلى الشجرة الخطأ."

أومأ جدّي عادل بلطف وسأل: "وبعد ذلك؟"

قالت جود: "بعد ذلك رجعنا وفعلناها خطوة بعد خطوة."

قال جدّي: "وهذا أهمّ جزء في أيّ مغامرة."

أكلوا الخبز الدافئ والمشمش الحلو في الظلّ. وتأرجح طارق عاليًا حتى لمست أصابع قدميه الأوراق. وطوت جود المنديل الورقيّ بعناية شديدة، ووضعته في جيبها، لتحتفظ به إلى الأبد.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

لُجين وصباح المنطاد
لُجين وصباح المنطاد

كان الظلام ما زال يملأ السماء حين أيقظت الأمّ لُجين. والنجوم تلمع خارج النافذة، والبيت بارد هادئ....

بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي
بنيامين أخو يوسف عليه السلام والصُّواع الفضي

هذه قصة عن فتى اسمه بنيامين. لم يكن بنيامين نبيًّا، بل كان الأخ الأصغر لنبي الله يوسف عليه السلام، و...

الحطّاب الصغير والنخلة التي تتكلّم
الحطّاب الصغير والنخلة التي تتكلّم

على طرف صحراءٍ ذهبية كانت واحةٌ صغيرة، فيها بِركةٌ من الماء الصافي، تحيط بها حلقةٌ من النخيل الطويل....