العودة إلى الحكايات

حكاية

تالا ومشوار السلاحف الصغيرة تحت ضوء القمر

تالا ومشوار السلاحف الصغيرة تحت ضوء القمر
كلّ صيف، كانت تالا تذهب لتقيم عند خالتها رشا في بيتها الأبيض الصغير قرب البحر. كان للبيت باب أزرق، وشرفة فيها أرجوحة خشبيّة، وحديقة مليئة بأزهار ورديّة تنمو حتى الرمل.

أحبّت تالا كلّ شيء في الشاطئ. أحبّت أن تبني قلاعًا رمليّة بنوافذ من الأصداف. وأحبّت أن تطارد الأمواج المزبدة وتهرب قبل أن تلمس أصابع قدميها. وأحبّت رائحة الريح المالحة، وصوت البحر: شششش، شششش، طوال النهار وطوال الليل.

في اليوم الثاني من زيارتها، أخذتها خالتها رشا في نزهة على الشاطئ. وقرب الكثبان، حيث ينمو العشب طويلًا، كانت هناك دائرة صغيرة من العيدان، حولها شريط مربوط.

سألت تالا: "ما هذا؟"

قالت خالتها رشا وهي تجثو: "هذا عشّ سلحفاة بحريّة."

اتّسعت عينا تالا: "عشّ حقيقيّ؟"

قالت خالتها: "عشّ حقيقيّ. منذ أسابيع كثيرة، خرجت أمّ سلحفاة بحريّة من البحر في ليلة من الليالي. حفرت حفرة عميقة في الرمل بزعانفها، ووضعت بيضها فيها. ثمّ غطّته وعادت إلى المحيط. ومنذ ذلك الوقت والشمس تُبقي البيض دافئًا. وقريبًا ستفقس السلاحف الصغيرة."

سألت تالا وهي تقفز على أطراف أصابعها: "متى؟"

قالت خالتها رشا: "في أيّ ليلة الآن. السلاحف الصغيرة تخرج عادة حين يكون الجوّ مظلمًا باردًا. ثمّ تمشي على الشاطئ إلى البحر."

سألت تالا: "وكيف تعرف أيّ طريق تسلك؟"

ابتسمت خالتها وقالت: "هذا هو الجزء الذكيّ. إنّها تبحث عن أسطع ضوء. على الشاطئ الطبيعيّ في الليل، أسطع شيء هو القمر والنجوم وهي تلمع على الماء. فتمشي الصغار نحو اللمعان، فيقودها إلى البحر."

وكلّ مساء بعد ذلك، كانت تالا وخالتها رشا تنزلان إلى العشّ بعد العشاء، وتنتظران بهدوء قليلًا. في الليلة الأولى، لم يحدث شيء. وفي الليلة الثانية، لم يحدث شيء أيضًا. شعرت تالا بشيء من الخيبة، لكنّ خالتها قالت: "السلاحف لا تستعجل. تأتي حين تكون مستعدّة."

في الليلة الخامسة، كان القمر كبيرًا مستديرًا فضّيًّا. وكان ضوؤه يصنع طريقًا طويلًا لامعًا على الماء المظلم.

جلست تالا وخالتها على بطّانيّة قرب العشّ. كانت تالا تمسك مصباحًا يدويًّا صغيرًا أحمر، من النوع الذي لا يزعج الحيوانات. وكان البحر يهمس: شششش، شششش.

ثمّ رأت تالا شيئًا.

كان الرمل في وسط العشّ يتحرّك. قليلًا فقط. تحرّك. وهبط. ثمّ ظهر رأس صغير جدًّا.

كانت سلحفاة بحريّة صغيرة! لم تكن أكبر من كفّ تالا. لها صدفة صغيرة داكنة، وعينان سوداوان مستديرتان، وأربع زعانف صغيرة تلوّح في الهواء.

همست تالا: "خالتي رشا، انظري!"

ظهر رأس آخر. ثمّ آخر. وسرعان ما صار العشّ يفور بالسلاحف الصغيرة، تتسلّق بعضها فوق بعض، وتتلوّى خارجة من الرمل.

همست خالتها رشا: "ابقَي ساكنة وهادئة جدًّا. دعيها تجد طريقها."

بدأت السلاحف الصغيرة تزحف. طب، طب، طب، طب، فعلت زعانفها الصغيرة على الرمل. وتوجّه أكثرها نحو البحر المضاء بالقمر.

لكن بعد ذلك لاحظت تالا شيئًا.

كانت بعض السلاحف الصغيرة تستدير. كانت تزحف في الاتّجاه الخطأ، بعيدًا عن الماء، صاعدة نحو الكثبان. نحو البيوت.

نظرت تالا خلفها. على شرفة بيت خالتها رشا، كان ضوء الشرفة الساطع مضاءً. كان يلمع أصفر قويًّا فوق الحديقة والرمل. وفي البيت المجاور، كانت نوافذ الجار مضيئة ساطعة أيضًا.

قالت تالا: "خالتي رشا، الصغار يظنّون ضوء الشرفة هو القمر!"

شهقت خالتها بهدوء: "معك حقّ. نسيت أن أطفئه. بسرعة يا تالا، تعالَي معي. امشي بحذر."

أسرعتا صاعدتين على الشاطئ، تخطوان برفق شديد، وتنظران إلى كلّ خطوة حتى لا تقتربا من السلاحف الصغيرة. وأطفأت خالتها رشا ضوء الشرفة. طِق.

صارت الحديقة مظلمة هادئة.

ثمّ رأت تالا نوافذ الجار الساطعة. سألت: "وماذا عن هذه؟"

طرقت خالتها رشا باب الجار بلطف. ففتحه رجل عجوز اسمه العمّ حبيب، يلبس شبشبه.

قالت خالتها رشا: "السلاحف تفقس. هل تمانع أن تُغلق ستائرك قليلًا؟"

أشرق وجه العمّ حبيب: "تفقس! طبعًا!" وأغلق ستائره، ثمّ أطفأ أضواءه، وخرج إلى الرمل ليشاهد هو أيضًا.

الآن صار الشاطئ مظلمًا، إلّا من القمر الفضّيّ الكبير وطريقه اللامع على الماء.

جلست تالا القرفصاء وراقبت. توقّفت السلاحف الصغيرة التي كانت تمشي في الاتّجاه الخطأ. ورفعت رؤوسها الصغيرة. ونظرت حولها.

ثمّ استدارت، واحدة بعد واحدة، نحو البحر.

طب، طب، طب، طب.

زحفت على الرمل، بجانب الأصداف والأعشاب البحريّة، نحو ضوء القمر. وتركت خلفها آثارًا صغيرة، مثل غرز متعرّجة صغيرة.

وصلت أوّل سلحفاة صغيرة إلى حافّة الماء. فجاءت موجة صغيرة، ورفعتها وحملتها بعيدًا. ثمّ جاءت موجة أخرى، واختفت سلحفاة أخرى في البحر.

حبست تالا أنفاسها وهي ترى آخر سلحفاة صغيرة، أصغرها كلّها، تتهادى نحو الماء. كانت أبطأ من الأخريات. وتوقّفت مرّة لتستريح.

همست تالا: "هيّا يا صغيرة. تستطيعين."

تابعت السلحفاة الصغيرة طريقها. طب، طب. طب، طب. وأخيرًا جاءت موجة لطيفة، والتفّت حولها، وحملتها إلى البحر الفضّيّ.

أخرجت تالا نفَسها وقالت: "وصلت كلّها."

قالت خالتها رشا وهي تضع ذراعها حولها: "نعم، وصلت. لأنّك انتبهتِ. الضوء شيء صغير جدًّا. لكنّ إطفاءه جعل الشاطئ كلّه مناسبًا لها."

أومأ العمّ حبيب وقال: "سأُبقي ستائري مغلقة كلّ ليلة في موسم السلاحف من الآن فصاعدًا."

وفي تلك الليلة، قبل النوم، نظرت تالا من نافذتها إلى الشاطئ المظلم والبحر اللامع. في مكان ما هناك، كانت السلاحف الصغيرة تسبح بين الأمواج المضاءة بالقمر، تبدأ مغامرتها الأولى على الإطلاق.

همست: "تصبحين على خير أيّتها السلاحف الصغيرة." وأطفأت مصباحها هي أيضًا، احتياطًا.
حكايات أخرى

قد تعجبكم أيضًا

لغز الملكة والجرّة الفارغة
لغز الملكة والجرّة الفارغة

في مملكة «بُستان» حكمت ملكةٌ حكيمةٌ لطيفةٌ اسمها الملكة ياسمين. كانت قد تقدّمت في السنّ، ولم يكن لها...

الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)
الغراب الذي أراد أن يمشي مثل الحَجَلة (من كليلة ودمنة)

في قديم الزمان، على سفح تلّ مشمس مغطّى بالأزهار البرّية، عاش غراب. كان للغراب ريش أسود لامع يبرق...

أنس يريد أن يعرف إلى أين يذهب ماء الحمّام
أنس يريد أن يعرف إلى أين يذهب ماء الحمّام

كان أنس يحبّ وقت الحمّام. يحبّ الماء الدافئ حتّى بطنه. ويحبّ الفقاعات التي رائحتها مثل البرتقال. ويح...