📖 نص القصة
في قرية صغيرة بين بساتين الليمون والزيتون، كان يعيش ولد في الثامنة من عمره اسمه طارق. وكان في القرية سوق يقام كلّ يوم جمعة في الساحة الكبيرة، يأتي إليه الناس من القرى المجاورة، فيبيعون الخضار الطازجة، والجبن الأبيض، والخبز الساخن، والسلال المصنوعة من القشّ. وكان طارق يحبّ السوق كثيرًا، يحبّ أصوات الباعة وهم ينادون، ورائحة الخبز والنعناع، وألوان الفواكه المرتّبة في الصناديق. وفي ذلك الشهر، كان عيد ميلاد أمّه يقترب، وكان طارق يريد أن يشتري لها هديّة بنقوده هو.
كان طارق قد رأى في دكّان العمّ رشيد شالًا أزرق ناعمًا مطرّزًا بزهور بيضاء صغيرة، وعرف فورًا أنّ أمّه ستحبّه، فهي تحبّ اللون الأزرق كثيرًا. لكنّ ثمن الشال كان أكثر ممّا في حصّالته. فكّر طارق طويلًا، ثم لمعت في رأسه فكرة. في حديقة بيتهم شجرة ليمون كبيرة، أغصانها مليئة بالليمون الأصفر. ذهب إلى أبيه وقال: يا أبي، هل يمكنني أن أصنع عصير ليمون وأبيعه في السوق يوم الجمعة؟ أريد أن أشتري هديّة لأمّي. ابتسم الأب وقال: فكرة رائعة، وسأساعدك في صنع الكشك.
في يوم الخميس، عمل طارق وأبوه معًا. صنعا كشكًا صغيرًا من صناديق خشبيّة قديمة، ودهناه باللون الأصفر، وكتب طارق عليه بخطّ كبير جميل: عصير ليمون طازج بالنعناع. ثم قطف طارق الليمون، وعصره بيديه حتى تعبت أصابعه، وأضاف إليه الماء البارد والسكّر وأوراق النعناع الخضراء، وذاق العصير وقال: لذيذ! ووضعه في إبريق زجاجيّ كبير. واتّفق مع أبيه على السعر: كوب العصير بدرهمين. وقال له أبوه: تذكّر يا طارق، التاجر الناجح هو التاجر الأمين.
وفي صباح الجمعة، وضع طارق كشكه الأصفر في زاوية السوق، تحت شجرة التوت الكبيرة. كان الجوّ حارًّا قليلًا، والناس عطاشى بعد التجوّل بين البسطات. جاءت أوّل زبونة، وهي امرأة تحمل سلّة خضار، وقالت: كوب واحد من فضلك يا بنيّ. سكب لها طارق العصير بعناية، فشربته وقالت: ما ألذّه! ودفعت درهمين. ثم جاء ولدان، ثم رجل يبيع البطّيخ، ثم سيّدة مع طفلتها الصغيرة. وكان طارق يبتسم لكلّ واحد، ويقول: بالهناء والشفاء، ويضع النقود في علبة معدنيّة صغيرة.
وقرب الظهيرة، جاء رجل عجوز يمشي ببطء، ويتّكئ على عصا خشبيّة، ويلبس قبّعة من القشّ. كان وجهه طيّبًا مليئًا بالتجاعيد، ونظّارته سميكة. جلس على المقعد بجانب الكشك ليستريح، وقال: يا بنيّ، الشمس حارّة اليوم، أعطني كوبًا من عصيرك البارد. سكب له طارق كوبًا كبيرًا، ووضع فيه ورقة نعناع إضافيّة. شربه العجوز ببطء، ثم قال: بارك الله في يديك، هذا أطيب عصير ذقته منذ سنوات. ثم أخرج من جيبه حفنة من النقود المعدنيّة، ووضعها في يد طارق دون أن يعدّها، وقام وأمسك عصاه ومشى.
نظر طارق إلى النقود في يده، وبدأ يعدّها: درهم، درهمان، ثلاثة، أربعة... عشرة دراهم! عشرة دراهم بدل درهمين! فهم طارق أنّ العجوز لم يرَ النقود جيّدًا بسبب نظره الضعيف، وأعطاه أكثر من ثمن الكوب بكثير. وقف طارق حائرًا. همس صوت صغير في رأسه: ثمانية دراهم إضافيّة! بهذه النقود ستشتري الشال أسرع بكثير. ثمّ إنّ العجوز لم ينتبه، ولن يعرف أحد. لكنّ صوتًا آخر في قلبه قال: هذه ليست نقودك يا طارق. هذه نقود العمّ العجوز، وربّما يحتاجها ليشتري خبزًا أو دواء.
تذكّر طارق كلمات أبيه: التاجر الناجح هو التاجر الأمين. وتذكّر أيضًا كيف شعر يوم أضاع قلمه الجديد في المدرسة، وكيف فرح حين أعاده إليه زميله. نظر إلى الطريق، فرأى العجوز يبتعد ببطء بين الناس، وقبّعته القشّيّة تظهر وتختفي بين البسطات. لم يعد هناك وقت للتفكير. نادى طارق صديقه بلال، ابن بائع الجبن، وقال: بلال، أرجوك احرس كشكي دقيقة واحدة! ثم أمسك الدراهم الثمانية في قبضته، وركض بين الناس بأسرع ما يستطيع.
ركض طارق بين بسطات الخضار، وقفز فوق صندوق طماطم، واعتذر لامرأة كاد يصطدم بها، وهو ينادي: يا عمّ! يا عمّ صاحب القبّعة! وأخيرًا وصل إلى العجوز عند باب السوق، ووقف أمامه يلهث. التفت العجوز متعجّبًا وقال: ما بك يا بنيّ؟ هل نسيت شيئًا؟ مدّ طارق يده المفتوحة، وفيها الدراهم الثمانية، وقال وهو يلتقط أنفاسه: يا عمّ، أعطيتني عشرة دراهم، وثمن الكوب درهمان فقط. هذه نقودك.
نظر العجوز إلى النقود، ثم إلى وجه طارق المحمرّ من الركض، وسكت لحظة طويلة. ثم ابتسم ابتسامة واسعة، وظهرت في عينيه دمعة صغيرة خلف النظّارة. وضع يده على رأس طارق وقال: يا بنيّ، لقد عشت سنوات طويلة، ورأيت أناسًا كثيرين يركضون خلف المال، لكنّي قليلًا ما رأيت أحدًا يركض ليعيد المال إلى صاحبه. ما اسمك؟ قال طارق: اسمي طارق. قال العجوز: وأنا اسمي منصور، وكنت يومًا تاجرًا في هذا السوق نفسه.
أخذ العمّ منصور الدراهم، ثم قال: تعال، سأمشي معك إلى كشكك. وفي الطريق سأله: لماذا تبيع العصير يا طارق؟ فحكى له طارق عن عيد ميلاد أمّه، وعن الشال الأزرق في دكّان العمّ رشيد. وحين وصلا إلى الكشك، جلس العمّ منصور على المقعد، وقال بصوت عالٍ ليسمعه الناس: يا أهل السوق! هذا الكشك صاحبه ولد أمين، ركض خلفي ليعيد لي نقودًا أعطيته إيّاها خطأ. عصيره لذيذ، وقلبه أطيب من عصيره!
التفت الناس، وسمعوا الحكاية، فجاؤوا واحدًا بعد واحد ليشتروا من الولد الأمين. جاء العمّ رشيد نفسه وشرب كوبين، وجاءت معلّمة طارق من المدرسة، وجاء الجيران وأولادهم. وكان طارق يسكب ويبتسم ويعدّ النقود بدقّة، ويعيد الباقي لكلّ زبون. وقبل العصر، فرغ الإبريق تمامًا! وحين عدّ طارق ما في العلبة المعدنيّة، وجد أنّه جمع ما يكفي لثمن الشال، بل وبقي معه قليل.
ركض طارق إلى دكّان العمّ رشيد، واشترى الشال الأزرق، ولفّه العمّ رشيد بورق ملوّن، وقال: عرفت اليوم أنّ هذا الشال سيذهب إلى بيت فيه ولد أمين. وفي المساء، قدّم طارق الهديّة لأمّه، فلبست الشال وعانقته طويلًا. وحكى لها ولأبيه حكاية العمّ منصور. قال الأب: هل ترى يا طارق؟ لو احتفظت بالدراهم الثمانية، لربحت ثمانية دراهم فقط. لكنّك حين أعدتها، ربحت ثقة السوق كلّه، وربحت صديقًا حكيمًا.
ومنذ ذلك اليوم، صار طارق يفتح كشكه كلّ جمعة، وصار العمّ منصور يأتي إليه دائمًا، يشرب كوبه البارد، ويحكي له حكايات عن التجارة والسفر في الزمن القديم. وصار أهل القرية يقولون حين يريدون أن يصفوا إنسانًا صادقًا: إنّه أمين مثل طارق صاحب كشك الليمون.
وهكذا تعلّم طارق أنّ الأمانة أغلى من الذهب، وأنّ المال الذي ليس لنا لا يجلب فرحًا حقيقيًّا، حتى لو لم يرَنا أحد. فالأمين يربح ثقة الناس ومحبّتهم، ويرتاح قلبه، ويبارك الله له في رزقه. فإذا وجدت شيئًا ليس لك، أو أخذت أكثر من حقّك، فأعده إلى صاحبه، ولو اضطررت أن تركض خلفه.
كان طارق قد رأى في دكّان العمّ رشيد شالًا أزرق ناعمًا مطرّزًا بزهور بيضاء صغيرة، وعرف فورًا أنّ أمّه ستحبّه، فهي تحبّ اللون الأزرق كثيرًا. لكنّ ثمن الشال كان أكثر ممّا في حصّالته. فكّر طارق طويلًا، ثم لمعت في رأسه فكرة. في حديقة بيتهم شجرة ليمون كبيرة، أغصانها مليئة بالليمون الأصفر. ذهب إلى أبيه وقال: يا أبي، هل يمكنني أن أصنع عصير ليمون وأبيعه في السوق يوم الجمعة؟ أريد أن أشتري هديّة لأمّي. ابتسم الأب وقال: فكرة رائعة، وسأساعدك في صنع الكشك.
في يوم الخميس، عمل طارق وأبوه معًا. صنعا كشكًا صغيرًا من صناديق خشبيّة قديمة، ودهناه باللون الأصفر، وكتب طارق عليه بخطّ كبير جميل: عصير ليمون طازج بالنعناع. ثم قطف طارق الليمون، وعصره بيديه حتى تعبت أصابعه، وأضاف إليه الماء البارد والسكّر وأوراق النعناع الخضراء، وذاق العصير وقال: لذيذ! ووضعه في إبريق زجاجيّ كبير. واتّفق مع أبيه على السعر: كوب العصير بدرهمين. وقال له أبوه: تذكّر يا طارق، التاجر الناجح هو التاجر الأمين.
وفي صباح الجمعة، وضع طارق كشكه الأصفر في زاوية السوق، تحت شجرة التوت الكبيرة. كان الجوّ حارًّا قليلًا، والناس عطاشى بعد التجوّل بين البسطات. جاءت أوّل زبونة، وهي امرأة تحمل سلّة خضار، وقالت: كوب واحد من فضلك يا بنيّ. سكب لها طارق العصير بعناية، فشربته وقالت: ما ألذّه! ودفعت درهمين. ثم جاء ولدان، ثم رجل يبيع البطّيخ، ثم سيّدة مع طفلتها الصغيرة. وكان طارق يبتسم لكلّ واحد، ويقول: بالهناء والشفاء، ويضع النقود في علبة معدنيّة صغيرة.
وقرب الظهيرة، جاء رجل عجوز يمشي ببطء، ويتّكئ على عصا خشبيّة، ويلبس قبّعة من القشّ. كان وجهه طيّبًا مليئًا بالتجاعيد، ونظّارته سميكة. جلس على المقعد بجانب الكشك ليستريح، وقال: يا بنيّ، الشمس حارّة اليوم، أعطني كوبًا من عصيرك البارد. سكب له طارق كوبًا كبيرًا، ووضع فيه ورقة نعناع إضافيّة. شربه العجوز ببطء، ثم قال: بارك الله في يديك، هذا أطيب عصير ذقته منذ سنوات. ثم أخرج من جيبه حفنة من النقود المعدنيّة، ووضعها في يد طارق دون أن يعدّها، وقام وأمسك عصاه ومشى.
نظر طارق إلى النقود في يده، وبدأ يعدّها: درهم، درهمان، ثلاثة، أربعة... عشرة دراهم! عشرة دراهم بدل درهمين! فهم طارق أنّ العجوز لم يرَ النقود جيّدًا بسبب نظره الضعيف، وأعطاه أكثر من ثمن الكوب بكثير. وقف طارق حائرًا. همس صوت صغير في رأسه: ثمانية دراهم إضافيّة! بهذه النقود ستشتري الشال أسرع بكثير. ثمّ إنّ العجوز لم ينتبه، ولن يعرف أحد. لكنّ صوتًا آخر في قلبه قال: هذه ليست نقودك يا طارق. هذه نقود العمّ العجوز، وربّما يحتاجها ليشتري خبزًا أو دواء.
تذكّر طارق كلمات أبيه: التاجر الناجح هو التاجر الأمين. وتذكّر أيضًا كيف شعر يوم أضاع قلمه الجديد في المدرسة، وكيف فرح حين أعاده إليه زميله. نظر إلى الطريق، فرأى العجوز يبتعد ببطء بين الناس، وقبّعته القشّيّة تظهر وتختفي بين البسطات. لم يعد هناك وقت للتفكير. نادى طارق صديقه بلال، ابن بائع الجبن، وقال: بلال، أرجوك احرس كشكي دقيقة واحدة! ثم أمسك الدراهم الثمانية في قبضته، وركض بين الناس بأسرع ما يستطيع.
ركض طارق بين بسطات الخضار، وقفز فوق صندوق طماطم، واعتذر لامرأة كاد يصطدم بها، وهو ينادي: يا عمّ! يا عمّ صاحب القبّعة! وأخيرًا وصل إلى العجوز عند باب السوق، ووقف أمامه يلهث. التفت العجوز متعجّبًا وقال: ما بك يا بنيّ؟ هل نسيت شيئًا؟ مدّ طارق يده المفتوحة، وفيها الدراهم الثمانية، وقال وهو يلتقط أنفاسه: يا عمّ، أعطيتني عشرة دراهم، وثمن الكوب درهمان فقط. هذه نقودك.
نظر العجوز إلى النقود، ثم إلى وجه طارق المحمرّ من الركض، وسكت لحظة طويلة. ثم ابتسم ابتسامة واسعة، وظهرت في عينيه دمعة صغيرة خلف النظّارة. وضع يده على رأس طارق وقال: يا بنيّ، لقد عشت سنوات طويلة، ورأيت أناسًا كثيرين يركضون خلف المال، لكنّي قليلًا ما رأيت أحدًا يركض ليعيد المال إلى صاحبه. ما اسمك؟ قال طارق: اسمي طارق. قال العجوز: وأنا اسمي منصور، وكنت يومًا تاجرًا في هذا السوق نفسه.
أخذ العمّ منصور الدراهم، ثم قال: تعال، سأمشي معك إلى كشكك. وفي الطريق سأله: لماذا تبيع العصير يا طارق؟ فحكى له طارق عن عيد ميلاد أمّه، وعن الشال الأزرق في دكّان العمّ رشيد. وحين وصلا إلى الكشك، جلس العمّ منصور على المقعد، وقال بصوت عالٍ ليسمعه الناس: يا أهل السوق! هذا الكشك صاحبه ولد أمين، ركض خلفي ليعيد لي نقودًا أعطيته إيّاها خطأ. عصيره لذيذ، وقلبه أطيب من عصيره!
التفت الناس، وسمعوا الحكاية، فجاؤوا واحدًا بعد واحد ليشتروا من الولد الأمين. جاء العمّ رشيد نفسه وشرب كوبين، وجاءت معلّمة طارق من المدرسة، وجاء الجيران وأولادهم. وكان طارق يسكب ويبتسم ويعدّ النقود بدقّة، ويعيد الباقي لكلّ زبون. وقبل العصر، فرغ الإبريق تمامًا! وحين عدّ طارق ما في العلبة المعدنيّة، وجد أنّه جمع ما يكفي لثمن الشال، بل وبقي معه قليل.
ركض طارق إلى دكّان العمّ رشيد، واشترى الشال الأزرق، ولفّه العمّ رشيد بورق ملوّن، وقال: عرفت اليوم أنّ هذا الشال سيذهب إلى بيت فيه ولد أمين. وفي المساء، قدّم طارق الهديّة لأمّه، فلبست الشال وعانقته طويلًا. وحكى لها ولأبيه حكاية العمّ منصور. قال الأب: هل ترى يا طارق؟ لو احتفظت بالدراهم الثمانية، لربحت ثمانية دراهم فقط. لكنّك حين أعدتها، ربحت ثقة السوق كلّه، وربحت صديقًا حكيمًا.
ومنذ ذلك اليوم، صار طارق يفتح كشكه كلّ جمعة، وصار العمّ منصور يأتي إليه دائمًا، يشرب كوبه البارد، ويحكي له حكايات عن التجارة والسفر في الزمن القديم. وصار أهل القرية يقولون حين يريدون أن يصفوا إنسانًا صادقًا: إنّه أمين مثل طارق صاحب كشك الليمون.
وهكذا تعلّم طارق أنّ الأمانة أغلى من الذهب، وأنّ المال الذي ليس لنا لا يجلب فرحًا حقيقيًّا، حتى لو لم يرَنا أحد. فالأمين يربح ثقة الناس ومحبّتهم، ويرتاح قلبه، ويبارك الله له في رزقه. فإذا وجدت شيئًا ليس لك، أو أخذت أكثر من حقّك، فأعده إلى صاحبه، ولو اضطررت أن تركض خلفه.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!