ثلاثة أصدقاء والحبل الواحد على الجبل الثلجيّ

ثلاثة أصدقاء والحبل الواحد على الجبل الثلجيّ

📝 ملخص القصة

ينطلق آدم وسلمى ويونس في رحلة تسلّق مع مدرّبهم إلى قمّة جبليّة مغطّاة بالثلج، وحين يتعب أحدهم ويتغيّر الطقس، يتعلّمون أنّ الوصول الحقيقيّ إلى القمّة يكون معًا، وأنّ العودة الآمنة أهمّ من أيّ نصر.

📖 نص القصة

كان آدم ويونس وسلمى أصدقاء منذ الصفّ الأوّل، يجلسون معًا في الحافلة، ويتقاسمون الشطائر، ويحلمون بالمغامرات. وحين بلغوا الحادية عشرة، سجّلوا معًا في نادي التسلّق في مدينتهم. وبعد سنة كاملة من التدريب على جدار التسلّق الصناعيّ، وعلى المرتفعات الصغيرة القريبة، أعلن المدرّب كمال الخبر الذي ينتظرونه: في عطلة الربيع، سنصعد إلى قمّة جبل النسر، بارتفاع ثلاثة آلاف متر، وما زال عليها ثلج الشتاء.

كان كلّ واحد منهم مختلفًا عن الآخر. آدم سريع وقويّ، يحبّ أن يكون الأوّل في كلّ شيء، ويتسلّق الجدار في نصف الوقت الذي يحتاجه غيره. وسلمى دقيقة وهادئة، تقرأ الخرائط وتراقب الطقس وتعدّ الحقائب بعناية. أمّا يونس، فكان أبطأهم، لكنّه أكثرهم صبرًا ومرحًا، وكان يحمل دائمًا في جيبه حلوى إضافيّة لمن يتعب. وقال المدرّب كمال يوم اختارهم: الجبل لا يحتاج إلى أقوى فريق، بل إلى أفضل فريق.

في الليلة السابقة للرحلة، جلس المدرّب معهم وشرح القواعد: نصعد مربوطين بحبل واحد، ونمشي بسرعة أبطئنا لا أسرعنا، ونشرب الماء كلّ نصف ساعة حتى لو لم نعطش، وإذا تغيّر الطقس أو تعب أحدنا كثيرًا، نعود. ثمّ أضاف: القمّة ليست الهدف. الهدف أن نعود جميعًا إلى البيت. القمّة مجرّد مكان جميل في الطريق. ضحك آدم في سرّه، وقال لنفسه: سأصل إلى القمّة مهما حدث.

انطلقوا قبل الفجر، والسماء زرقاء صافية، والهواء بارد ينعش الوجوه. مشوا ساعتين في غابة الصنوبر، ثمّ خرجوا إلى منحدر صخريّ، ثمّ بدأ الثلج. ربطهم المدرّب بالحبل الطويل: هو في المقدّمة، ثمّ آدم، ثمّ سلمى، ثمّ يونس في الخلف. ولبسوا المسامير الحديديّة تحت أحذيتهم، وأمسك كلّ واحد فأسه الجليديّة الصغيرة. وكان الثلج يلمع تحت الشمس حتى إنّهم لبسوا نظّارات داكنة لتحمي أعينهم.

كان آدم يتقدّم بسرعة، فيشتدّ الحبل بينه وبين سلمى، فتصيح: آدم، ببطء! الحبل مشدود! فيتوقّف متضايقًا، وينظر إلى الخلف، فيرى يونس يمشي ببطء، يتنفّس بصعوبة، ويضع قدمه في آثار أقدامهم بحذر. وقال آدم بنفاد صبر: يا يونس، أسرع قليلًا، سنتأخّر عن القمّة! فابتسم يونس وقال: الجبل لن يهرب يا آدم. لكنّ آدم لم يضحك.

وعند ارتفاع ألفين وخمسمئة متر، توقّفوا للاستراحة على صخرة كبيرة. أخرجت سلمى الخريطة وأشارت إلى القمّة: بقي لنا خمسمئة متر، أي ساعتان تقريبًا. ثمّ نظرت إلى الغرب وقالت للمدرّب بقلق: انظر إلى تلك الغيوم، إنّها تتحرّك نحونا بسرعة. نظر المدرّب كمال طويلًا، ثمّ قال: نعم، يجب أن نراقبها. سنكمل نصف ساعة أخرى، ثمّ نقرّر.

بعد الاستراحة، صار الصعود أصعب. كان المنحدر أشدّ ميلًا، والهواء أقلّ، وكلّ خطوة تحتاج إلى نفس طويل. وفجأة، توقّف يونس، وجلس على الثلج، ووضع رأسه بين يديه. ركضت سلمى إليه، وتبعها المدرّب، أمّا آدم فبقي واقفًا ينظر إلى القمّة البعيدة. قال يونس بصوت ضعيف: رأسي يؤلمني، وأشعر بالدوار. آسف يا أصدقائي، لا أستطيع أن أكمل. قال المدرّب: هذه أعراض المرتفعات. لا بأس يا يونس، أنت لم تخطئ.

ساد الصمت. ثمّ قال آدم بسرعة: يمكن أن يبقى يونس هنا مع المدرّب، وأصعد أنا وسلمى إلى القمّة، ثمّ نعود! نظر إليه المدرّب نظرة جادّة وقال: يا آدم، نحن مربوطون بحبل واحد. هل تعرف لماذا؟ صمت آدم. قال المدرّب: لأنّه إذا انزلق أحدنا، يمسكه الآخرون. الحبل يعني أنّنا لا نترك أحدًا. ولا أحد يصعد وحده في طقس يتغيّر. والغيوم الآن أقرب.

نظر آدم إلى الغيوم الرماديّة التي بدأت تغطّي الشمس، ثمّ نظر إلى يونس الجالس على الثلج، ووجهه شاحب. وتذكّر فجأة كلّ المرّات التي أعطاه فيها يونس حلوى حين تعب في التدريب، وكلّ المرّات التي ضحك فيها يونس حتى ينسى الجميع خوفهم. شعر آدم بخجل كبير، فجلس بجانب صديقه، ووضع يده على كتفه، وقال: آسف يا يونس. القمّة لا تساوي شيئًا من دونك. سنعود معًا.

رفع يونس رأسه وابتسم ابتسامة ضعيفة، وأخرج من جيبه قطعة حلوى وأعطاها لآدم، وقال: هذه لأنّك قلت أجمل جملة اليوم. ضحكوا جميعًا، رغم البرد. ثمّ قال المدرّب: الآن، أهمّ جزء في الرحلة: النزول. وأغلب الحوادث في الجبال تحدث في النزول لا في الصعود. سنغيّر الترتيب: يونس بعدي مباشرة، ثمّ سلمى، وآدم في الخلف، لأنّه الأقوى، وسيكون هو مرساة الفريق.

بدأ النزول، وبدأ الثلج يتساقط خفيفًا، ثمّ صار أكثف، والريح تشتدّ. صارت الرؤية صعبة، وصارت آثار أقدامهم تختفي تحت الثلج الجديد. وكانت سلمى تمسك البوصلة وتقرأ الاتّجاه، وتقول بصوت عالٍ: إلى اليسار قليلًا، الصخرة الكبيرة يجب أن تكون أمامنا. وكان آدم في الخلف يمسك الحبل بقوّة، ويثبّت فأسه في الثلج مع كلّ خطوة، ويراقب صديقيه.

وعند منحدر شديد، انزلقت قدم يونس، فسقط على جنبه، وبدأ يتزحلق نحو الأسفل. صاح المدرّب: فأس! وفي اللحظة نفسها، غرز آدم فأسه في الثلج، ورمى جسمه فوقه، كما تدرّبوا مرّات كثيرة، وفعلت سلمى الشيء نفسه. اشتدّ الحبل، وتوقّف يونس بعد مترين فقط. وبقي الجميع صامتين لحظة، ثمّ صاح يونس من الأسفل: أنا بخير! الحبل أمسكني! أنتم أمسكتموني!

بعد ثلاث ساعات، خرجوا من الغيوم إلى غابة الصنوبر، وكان الثلج قد تحوّل إلى مطر خفيف. وعندما وصلوا إلى الكوخ الخشبيّ عند سفح الجبل، جلسوا قرب المدفأة، وشربوا الحساء الساخن، وصار وجه يونس ورديًّا من جديد بعد أن نزلوا إلى ارتفاع منخفض. وقال المدرّب كمال: اليوم لم نصل إلى القمّة، لكنّكم فعلتم أصعب شيء في التسلّق: اتّخذتم القرار الصحيح، وعدتم جميعًا.

قال آدم وهو ينظر إلى النار: كنت أظنّ أنّ البطل هو الذي يصل أوّلًا. والآن أفهم أنّ البطل هو الذي لا يترك أحدًا خلفه. وقالت سلمى: والفريق الجيّد يمشي بخطوة أبطأ أفراده، لا أسرعهم. وضحك يونس وقال: وأنا تعلّمت أنّ الحلوى الإضافيّة قد تنقذ صداقة! فضحكوا جميعًا حتى امتلأ الكوخ بأصواتهم.

وبعد شهرين، حين صار الطقس أدفأ، عاد الأصدقاء الثلاثة مع المدرّب إلى جبل النسر. وتدرّبوا هذه المرّة على التأقلم مع الارتفاع، فناموا ليلة في منتصف الطريق، وصعدوا ببطء. وعند الظهر، وقفوا معًا على القمّة، مربوطين بالحبل الواحد نفسه، ينظرون إلى الجبال البيضاء حولهم كأنّها بحر من الأمواج المتجمّدة. ورفع آدم يد يونس عاليًا، وقال: وصلنا. معًا. وهذا هو الوصول الحقيقيّ.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×