القرد والغيلم وشجرة التين (من كليلة ودمنة)

القرد والغيلم وشجرة التين (من كليلة ودمنة)

📝 ملخص القصة

صداقة جميلة تجمع قردًا يسكن شجرة تين على شاطئ البحر وغيلمًا يعيش في الماء، حتى يكاد الغيلم يخون صديقه، فينقذ القرد نفسه بسرعة البديهة.

📖 نص القصة

يُحكى في كتاب كليلة ودمنة أن قردًا اسمه ماهر كان ملكًا على جماعة من القرود، فلما كبر في السن، جاء قرد شاب قوي وأخذ مكانه، فرحل ماهر حزينًا حتى وصل إلى شاطئ البحر. وهناك وجد شجرة تين كبيرة، أغصانها ممتدة فوق الماء، وثمارها البنفسجية حلوة لذيذة. فسكن فيها، وصار يأكل من تينها، وينظر إلى البحر الأزرق الواسع.

في الأيام الأولى، كان ماهر حزينًا يشعر بالوحدة، يتذكّر أيامه مع جماعته، ويتساءل: "هل نسيني أصحابي؟" لكنه مع الوقت بدأ يحب مكانه الجديد. كان يستيقظ على صوت الأمواج، ويشاهد الشمس تشرق من فوق الماء، ويأكل التين الطازج، ويلعب مع النوارس التي تقف على أغصانه. وقال في نفسه: "ربما خسرت المُلك، لكنني وجدت السلام."

وفي أحد الأيام، بينما كان ماهر يأكل التين، سقطت بعض الثمار في الماء. فإذا بغيلم، وهو سلحفاة بحرية كبيرة، يرفع رأسه ويأكل التين ويقول: "ما أطيب هذا التين!" ضحك القرد، ورمى له مزيدًا من الثمار، وقال: "أهلًا بك يا جاري، كُل ما شئت." فشكره الغيلم، وبدأ بينهما حديث طويل.

وكان الغيلم كبيرًا جدًا، له درع أخضر عليه نقوش جميلة، ورأس يخرج من الماء ببطء ووقار. وكان يعيش في جزيرة صغيرة غير بعيدة، مع زوجته وأهله، ويسبح كل يوم مسافات طويلة يبحث عن الطعام.

ومن ذلك اليوم، صار الغيلم يأتي كل يوم إلى الشجرة، فيرمي له القرد التين، ويتحدّثان طويلًا. حكى الغيلم عن عجائب البحر: الأسماك الملوّنة، والشعاب المرجانية، والكهوف العميقة. وحكى القرد عن الغابات والجبال والأيام التي كان فيها ملكًا. وصارا صديقين حميمين، لا يمرّ يوم دون أن يلتقيا.

وكان ماهر يعلّم الغيلم كيف يعرف التين الناضج من لونه ورائحته، وكان الغيلم يعلّم ماهر أسماء الأسماك وأشكال الأمواج، ومتى يأتي المدّ ومتى يأتي الجزر. وفي الأيام العاصفة، كان الغيلم يأتي ليطمئن على صديقه، وكان القرد يغطّي التين بالأوراق ليحفظه له. وقال الغيلم مرة: "يا ماهر، لم أكن أعرف أن على اليابسة صديقًا وفيًّا مثلك."

لكن الغيلم كان يتأخر عن بيته كثيرًا، فحزنت زوجته، وشعرت بالغيرة من هذا الصديق الذي يأخذ وقت زوجها كله. فتحدّثت مع جارتها، فقالت لها الجارة: "إذا أردتِ أن يبقى زوجك في البيت، فتظاهري بالمرض، وقولي إن الطبيب قال إن دواءك الوحيد هو قلب قرد. فإذا عجز عن ذلك، ترك صديقه وبقي معك."

وعندما رجع الغيلم، وجد زوجته مستلقية تتظاهر بالمرض. وقالت له الجارة: "زوجتك مريضة جدًا، ولا دواء لها إلا قلب قرد." حزن الغيلم حزنًا شديدًا، واحتار في أمره. فهو يحب زوجته ويريد أن تُشفى، لكنه يحب صديقه أيضًا. وبعد تفكير طويل، غلبه الخوف على زوجته، فقرّر أن يأتي بالقرد.

وفي تلك الليلة، لم يستطع الغيلم أن ينام. كان يسبح ذهابًا وإيابًا قرب بيته، ويقول لنفسه: "كيف أخون صديقًا لم يقدّم لي إلا الخير؟ لكن كيف أترك زوجتي مريضة؟" ولم يفكّر أن يتأكّد من مرض زوجته، أو أن يسأل طبيبًا آخر، أو أن يحكي لصديقه بصراحة. فقد كان الخوف قد شوّش تفكيره.

ذهب الغيلم إلى الشجرة، فاستقبله القرد بفرح وقال: "أين كنت يا صديقي؟ لقد اشتقت إليك!" قال الغيلم: "يا صديقي، لقد أكرمتني كثيرًا، وأريد أن أردّ لك الجميل. تعال معي إلى بيتي في الجزيرة لأعرّفك على أهلي، وأضيّفك أطيب طعام البحر. اركب على ظهري، وسأحملك بأمان."

فرح القرد بالدعوة، ونزل من الشجرة، وركب على ظهر الغيلم. وسبح الغيلم به بعيدًا عن الشاطئ. لكن كلما ابتعدا، صار الغيلم صامتًا حزينًا، يتوقّف أحيانًا ويتنهّد. شعر القرد بأن شيئًا غريبًا يحدث، فسأله: "ما بك يا صديقي؟ لماذا أنت حزين؟"

وكان القرد مستمتعًا بالرحلة في البداية، يرى الأسماك الملوّنة تحت الماء، والشمس تلمع على الأمواج، ويقول: "ما أجمل البحر يا صديقي! لم أكن أتخيّل أنه بهذا الجمال!" لكن الغيلم لم يكن يجيب إلا بكلمات قليلة، وكان رأسه منخفضًا، كأنه يحمل على ظهره حملًا ثقيلًا، لا قردًا صغيرًا.

لم يستطع الغيلم أن يكتم السرّ، فقال: "يا صديقي، زوجتي مريضة، والطبيب قال إن دواءها قلب قرد." ارتجف القرد من الخوف، فهو في وسط البحر، لا يستطيع أن يسبح، ولا يستطيع أن يهرب. لكنه قال في نفسه: "لن ينفعني الخوف الآن، بل ينفعني العقل والهدوء."

فقال القرد بصوت هادئ: "يا صديقي، لماذا لم تخبرني من قبل؟ لو أخبرتني وأنا على الشجرة، لأحضرت قلبي معي! نحن القرود حين نخرج للزيارة، نترك قلوبنا معلّقة على الشجرة حتى لا تتعب. فارجع بي إلى الشجرة لآخذه، ثم نعود معًا إلى زوجتك."

وقال القرد ذلك بصوت هادئ، وهو يحاول أن يخفي خوفه. وكان قلبه يدقّ بسرعة، لكنه عرف أن الذعر لن يساعده، وأن الكلمة الهادئة الذكية هي سفينته الوحيدة إلى الشاطئ. ونظر إلى الشاطئ البعيد وإلى شجرته الصغيرة هناك، وتمنّى أن يصدّقه الغيلم.

صدّق الغيلم كلام القرد، وفرح لأنه لن يضطر أن يخسر صديقه، فرجع به مسرعًا إلى الشاطئ. وما إن اقترب من الشجرة، حتى قفز القرد بسرعة إلى أعلى غصن فيها، وجلس هناك آمنًا. انتظر الغيلم قليلًا، ثم نادى: "يا صديقي، هل وجدت قلبك؟ هيا بنا!"

نظر القرد إليه من فوق وقال بحزن: "يا غيلم، هل يمكن أن يعيش أحد بلا قلب؟ لقد كذبت عليك لأنجو بنفسي، كما أردت أن تخدعني أنت. كنت أظنك صديقي الوفيّ، لكنك فضّلت الخديعة على الوفاء. والصديق الذي يغدر مرة، يصعب أن نأمنه مرة أخرى." شعر الغيلم بالخجل الشديد، وطأطأ رأسه.

رجع الغيلم إلى بيته نادمًا، فوجد زوجته بخير، واعترفت له بأنها تظاهرت بالمرض لأنها كانت تشعر بالوحدة. فحزن أكثر، لأنه خسر صديقًا وفيًّا بسبب كذبة. ومنذ ذلك اليوم، صار يقضي وقتًا أطول مع زوجته، وتعلّما معًا أن يتحدّثا بصراحة عن مشاعرهما، بدل الحيل. أما القرد، فبقي في شجرته يأكل التين، ويتذكّر ما حدث بحكمة.

وبعد أيام، جاء الغيلم إلى الشجرة، ووقف تحتها خجلًا، وقال: "يا ماهر، جئت أعتذر. لقد أخطأت خطأ كبيرًا، ولا أطلب منك أن تثق بي كما كنت، لكنني أريد أن تعرف أنني نادم." نظر القرد إليه طويلًا، ثم قال: "قبلت اعتذارك يا غيلم، فالاعتراف بالخطأ شجاعة. لكن الثقة مثل الزجاج، إذا انكسر، يحتاج إلى وقت طويل ليُصلح." ورمى له تينة واحدة، فابتسم الغيلم وفهم.

ويعلّمنا هذا المثل من كليلة ودمنة أن الوفاء أساس الصداقة، وأن الغدر يهدم الثقة ولو بعد زمن طويل. ويعلّمنا أيضًا أن الهدوء وسرعة التفكير في وقت الخطر تنقذ صاحبها، وأن الصراحة في التعبير عن مشاعرنا أفضل من الحيل التي تؤذي الآخرين.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×