الحمامة والثعلب ومالك الحزين (من كليلة ودمنة)

الحمامة والثعلب ومالك الحزين (من كليلة ودمنة)

📝 ملخص القصة

ثعلب ماكر يخيف حمامة كل عام ليأخذ فراخها، حتى ينصحها مالك الحزين بحيلة ذكية، لكن الثعلب يحاول أن يخدع الناصح نفسه، فهل يعمل مالك الحزين بنصيحته؟

📖 نص القصة

يُحكى في كتاب كليلة ودمنة أن حمامة كانت تعيش فوق نخلة عالية جدًا، طويلة الجذع، لا يكاد أحد يصل إلى قمّتها. وكانت الحمامة تتعب تعبًا كبيرًا في بناء عشّها كل عام، فتطير ذهابًا وإيابًا تجمع الأعواد والقشّ من الأرض، وتحملها إلى أعلى النخلة، ثم تبيض وتحضن البيض أيامًا طويلة حتى يفقس.

وكانت الحمامة تحب نخلتها كثيرًا، فمن أعلاها ترى الحقول الخضراء والنهر اللامع والقرية البعيدة. وكانت تغنّي كل صباح هديلًا جميلًا: "هوو هوو"، فتستيقظ العصافير وتردّ عليها. وكانت تحلم بأن ترى فراخها تكبر وتطير معها فوق الحقول، وتعلّمها كيف تجد الحبوب وكيف تشرب من النهر.

لكن كان في تلك الأرض ثعلب ماكر، يعرف موعد فقس الفراخ. فكان يأتي كل عام، ويقف تحت النخلة، ويصيح بصوت مخيف: "أيتها الحمامة! ألقي إليّ بفراخك، وإلا صعدت إليك وأخذتك أنتِ وفراخك معًا!" وكانت الحمامة تخاف كثيرًا، فتظن أنه يستطيع الصعود، فتعطيه ما يطلب وهي تبكي.

وكانت الحمامة بعد أن يرحل الثعلب، تجلس وحدها في العشّ الفارغ أيامًا طويلة حزينة. ثم تقول لنفسها: "ماذا أفعل؟ أنا صغيرة، والثعلب قوي وماكر." ولم تكن تسأل أحدًا، ولا تحكي لأحد، بل كانت تخفي حزنها وخوفها في قلبها. وفي الربيع التالي، تبني العشّ من جديد، وهي تتمنّى ألّا يعود الثعلب، لكنه كان يعود دائمًا.

وفي إحدى السنوات، بينما كانت الحمامة جالسة في عشّها حزينة، وقد اقترب موعد فقس بيضها، مرّ بها طائر مالك الحزين، وهو طائر طويل الساقين والعنق، يعيش قرب النهر، ويُعرف بحكمته. رأى الحمامة حزينة، فسألها: "ما بالك يا حمامة؟ لماذا أراكِ مهمومة؟"

حكت له الحمامة قصّتها مع الثعلب، وقالت: "كل عام يأتي ويهدّدني، وأنا أخاف أن يصعد إليّ." فكّر مالك الحزين قليلًا، ثم قال: "يا حمامة، هل رأيتِ ثعلبًا يتسلّق نخلة عالية كهذه؟ إن الثعلب لا يستطيع ذلك أبدًا. إنه يخيفك بالكلام فقط، لأنه يعرف أنكِ تصدّقين تهديده."

وأضاف مالك الحزين: "يا حمامة، لماذا لم تسألي أحدًا من قبل؟ إن المشكلة التي نخفيها تكبر في صدورنا، أما إذا تحدّثنا عنها، فقد نجد من يرى لها حلًّا." قالت الحمامة: "كنت أخجل، وأظن أن لا أحد يستطيع أن يساعدني." قال: "الحكمة أن نطلب المساعدة عندما نحتاج إليها، ولا عيب في ذلك."

ثم قال مالك الحزين: "فإذا جاءك هذه المرة، فقولي له بثقة: لن ألقي إليك بفراخي. اصعد إن استطعت! فإن صعدت، طرت أنا وفراخي بعيدًا، وإن لم تستطع، فلن تنال شيئًا." تعجّبت الحمامة وقالت: "حقًّا؟ هل يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة؟" قال: "نعم، الخوف أحيانًا يجعل الأشياء تبدو أكبر مما هي."

وبعد أيام، فقس البيض، وخرجت فراخ صغيرة ناعمة. وجاء الثعلب كعادته، ووقف تحت النخلة، وصاح: "أيتها الحمامة، ألقي إليّ بفراخك، وإلا صعدت إليك!" أخذت الحمامة نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت ثابت: "لن ألقي إليك شيئًا أيها الثعلب. اصعد إن استطعت!"

ووقف الثعلب تحت النخلة يحدّق إلى الأعلى، يحاول أن يخيفها أكثر، فقال: "سأصعد الآن! سأصعد!" وبدأ يخدش جذع النخلة بمخالبه، لكنه لم يرتفع شيئًا. فضحكت الحمامة في سرّها، وعرفت أن مالك الحزين كان صادقًا، وأن الخوف الذي عاشت معه سنوات كان مبنيًا على كلام فارغ.

تفاجأ الثعلب، فقد كانت هذه أول مرة لا تخاف فيها الحمامة. فكّر قليلًا، ثم قال: "من علّمكِ هذا الكلام؟" قالت الحمامة ببراءة: "علّمني إياه مالك الحزين الذي يسكن قرب النهر." فغضب الثعلب في داخله، وقال في نفسه: "سأذهب إلى هذا الطائر الحكيم، وأعلّمه ألّا يتدخّل في أموري."

ذهب الثعلب إلى النهر، فوجد مالك الحزين واقفًا على الشاطئ يتأمّل الماء. اقترب منه بلطف مصطنع، وقال: "يا مالك الحزين، أنت طائر حكيم، والجميع يتحدّثون عن ذكائك. أريد أن أسألك سؤالًا: إذا هبّت الريح من جهة اليمين، أين تضع رأسك؟" قال مالك الحزين: "أضعه تحت جناحي الأيسر."

كان الثعلب يتكلّم بصوت ناعم حلو، ويبتسم ابتسامة عريضة، ويمدح ريش مالك الحزين الرمادي الجميل، وساقيه الطويلتين، وعنقه الرشيق. وكان مالك الحزين يحب المديح، فبدأ يشعر بالفخر، ويرفع رأسه عاليًا، وينسى أن يسأل نفسه: "لماذا جاءني الثعلب؟ وماذا يريد مني؟"

قال الثعلب: "وإذا هبّت من جهة اليسار؟" قال: "أضعه تحت جناحي الأيمن." قال الثعلب: "وإذا هبّت من كل الجهات؟" قال: "أضعه تحت جناحيّ معًا." قال الثعلب بمكر: "عجيب! كيف تفعل ذلك؟ أرني، فلا أظن أن أحدًا يستطيع ذلك!"

وكان مالك الحزين يجيب عن كل سؤال وهو يشعر بالفخر أكثر وأكثر، لأن الثعلب كان يقول بعد كل جواب: "يا لك من طائر عبقري! لم أسمع في حياتي أذكى من هذا الكلام!" وكانت الضفادع على حافة النهر تنظر إلى ما يحدث بقلق، وتهمس لبعضها: "انتبه يا مالك الحزين!"

وكاد مالك الحزين، فخورًا بنفسه، أن يُدخل رأسه تحت جناحيه ويغمض عينيه أمام الثعلب. لكنه في اللحظة الأخيرة، تذكّر النصيحة التي قدّمها للحمامة: "الثعلب يعتمد على أن يصدّقه الآخرون." فتوقّف، ورفع رأسه، ونظر إلى الثعلب نظرة طويلة، ثم خطا خطوتين إلى داخل الماء، حيث لا يستطيع الثعلب أن يصل إليه.

قال مالك الحزين: "أيها الثعلب، لقد كدت أنسى نصيحتي لغيري! من يخدع الحمامة بالتهديد، يمكن أن يخدعني أنا بالمديح. لن أغمض عينيّ أمامك." خاب أمل الثعلب، وعرف أن حيلته انكشفت، فرجع إلى جحره خجلًا، ولم يعد يزعج الحمامة ولا مالك الحزين بعد ذلك.

ثم قال مالك الحزين: "أيها الثعلب، أنت ذكي، لكنك تستعمل ذكاءك في الحيلة والأذى. لو استعملته في الخير، لأحبّك الجميع." وقف الثعلب صامتًا لحظة، ثم استدار ومشى بعيدًا. ويقال إنه بعد ذلك صار يبحث عن طعامه بنفسه في الحقول والغابات، ولم يعد يعتمد على تخويف الضعفاء.

ومن ذلك اليوم، صار مالك الحزين يزور الحمامة وفراخها، ويحكي لهم عن يومه مع الثعلب، ويضحك ويقول: "لقد تعلّمت أن النصيحة الجميلة يجب أن أعمل بها أنا أيضًا، لا أن أقدّمها لغيري فقط." وكبرت فراخ الحمامة، وطارت في السماء آمنة.

وكانت فراخ الحمامة تسأل أمّها كل مساء: "يا أمي، احكي لنا قصة الثعلب ومالك الحزين!" فتحكيها لهم، وتقول في آخرها: "يا صغاري، لا تصدّقوا كل من يخيفكم، ولا كل من يمدحكم. فكّروا دائمًا بعقولكم، واسألوا الحكماء." وكانت الفراخ تحفظ هذا الكلام، وتردّده فيما بينها.

ويعلّمنا هذا المثل من كليلة ودمنة ألّا نصدّق كل تهديد نسمعه، وأن الخوف يجعل الأشياء أكبر من حقيقتها. ويعلّمنا أيضًا أن نحذر من المديح الكاذب الذي قد يخفي وراءه حيلة، وأن الحكيم الحقيقي هو من يعمل بنصيحته قبل أن ينصح بها غيره.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×