📖 نص القصة
يُحكى في كتاب كليلة ودمنة أن رجلًا ناسكًا طيّبًا كان يعيش مع زوجته في كوخ صغير على طرف قرية هادئة. كان الناسك يحب الهدوء والتأمّل، ويساعد الفقراء، ويزرع حديقته الصغيرة بالأزهار والخضار. وكان هو وزوجته يتمنّيان أن يرزقهما الله طفلًا، وانتظرا سنوات طويلة.
وكان الناس في القرية يحبون الناسك ويحترمونه، فيأتونه ليستشيروه في أمورهم، ويسمعوا منه الحكايات والنصائح. وكان يجلس معهم تحت شجرة التوت أمام كوخه، ويقول لهم: "يا أبنائي، أكثر ما يندم عليه الإنسان قرار اتّخذه وهو غاضب، أو حكم أصدره قبل أن يعرف الحقيقة." وكان الأطفال يحبون الجلوس عند قدميه، يستمعون إلى قصصه.
وفي أحد الأيام، وجد الناسك في الحقل صغير ابن عرس ضائعًا، يرتجف من البرد، ولا يجد أمّه. فحمله إلى بيته، وأطعمه، واعتنى به حتى كبر، فصار ابن عرس أليفًا وفيًّا، يتبع الناسك في كل مكان، ويلعب في الحديقة، وينام قرب الباب كأنه حارس صغير للبيت.
وكان ابن عرس ذكيًا جدًا، يفهم كلام الناسك من نبرة صوته. فإذا قال له: "تعال"، جاء مسرعًا، وإذا قال له: "احرس"، جلس عند الباب لا يتحرك. وكان يطارد الفئران من المخزن، ويبعد الحشرات عن الحديقة، حتى قالت الزوجة يومًا: "هذا الصغير صار حارس بيتنا الأمين." وكان الناسك يضحك ويقول: "إنه فرد من عائلتنا."
وبعد مدة، فرح الناسك وزوجته فرحًا عظيمًا، فقد رُزقا بطفل جميل. وكانا يحبّانه حبًّا كبيرًا، ويضعانه في مهد خشبي مزخرف، ويغنّيان له حتى ينام. وكان ابن عرس يجلس قرب المهد، ينظر إلى الطفل بعينين لامعتين، كأنه يحرسه هو أيضًا.
وكان ابن عرس إذا بكى الطفل في الليل، يركض إلى غرفة الناسك ويشدّ طرف ثوبه، كأنه يقول: "الصغير يحتاج إليكم!" وإذا نام الطفل، جلس بجانب المهد هادئًا لا يصدر صوتًا. وكانت الزوجة تقول ضاحكة: "يبدو أنه يحب الطفل أكثر منا!" فيقول الناسك: "الوفاء لا يحتاج إلى كلام، بل يظهر في الأفعال."
وفي أحد الأيام، احتاجت الزوجة أن تذهب إلى السوق لتشتري بعض الأغراض، فقالت لزوجها: "ابقَ مع الطفل حتى أعود، ولا تتركه وحده." لكن بعد قليل، جاء رسول من القرية يطلب من الناسك أن يأتي بسرعة ليساعد جارًا مريضًا. احتار الناسك، ثم نظر إلى ابن عرس وقال: "يا صديقي، احرس الطفل حتى أعود، لن أتأخر." وخرج مسرعًا.
وقبل أن يخرج، نظر الناسك إلى الطفل النائم، وغطّاه جيدًا، وتأكّد أن الباب مغلق. ثم نظر إلى ابن عرس الجالس قرب المهد، فرأى في عينيه شيئًا يشبه الوعد. فقال: "أنا أثق بك يا صديقي." وخرج بخطوات سريعة نحو بيت الجار، وهو يقول لنفسه: "سأساعده ثم أعود حالًا."
وبينما كان البيت هادئًا، والطفل نائمًا في مهده، دخلت من شقّ في الجدار أفعى سوداء كبيرة، تزحف نحو المهد. رآها ابن عرس، فوقف شعره، وقفز بشجاعة بينها وبين الطفل. وبدأ يدور حولها ويصيح ويقفز، ويمنعها من الاقتراب، حتى تعبت الأفعى وخافت، فهربت من الشقّ نفسه إلى الحقول البعيدة، ولم تعد. وكان ابن عرس قد خدش أنفه وتلطّخت قوائمه بالتراب والطين من شدة المعركة.
وبعد قليل، رجع الناسك إلى البيت. فخرج ابن عرس لاستقباله عند الباب، يقفز فرحًا، كأنه يريد أن يخبره بما فعل. لكن الناسك رأى قوائمه ملطّخة بالطين، وأنفه مخدوشًا، والبيت مقلوبًا قليلًا، فخطر في باله خاطر سيّئ مخيف: "لا بد أن ابن عرس قد آذى طفلي!"
وفي الطريق إلى البيت، كان الناسك يفكّر في جاره المريض، ويشعر بالتعب، والشمس حارّة فوق رأسه. وكان قلبه مشغولًا بطفله، فقد تأخّر أكثر مما وعد. فلما رأى الباب مفتوحًا قليلًا، شعر بالقلق، ولما رأى ابن عرس على تلك الحال، قفزت الأفكار المخيفة إلى رأسه قبل أن يرى أي شيء آخر.
امتلأ قلب الناسك بالخوف والغضب، ورفع عصاه ليضرب ابن عرس دون أن يفكّر. وكاد يفعل، لكنه في اللحظة الأخيرة تذكّر كلمة كان يقولها دائمًا لتلاميذه: "لا تحكم قبل أن ترى بعينك." فتوقّفت يده في الهواء، وأنزل العصا ببطء، وقال: "يجب أن أرى طفلي أولًا."
ركض الناسك إلى الداخل، فوجد طفله نائمًا في مهده بسلام، يبتسم في نومه، لم يُصب بأي أذى. ثم رأى على الأرض آثار الأفعى الطويلة تمتد من المهد إلى شقّ الجدار، وفهم كل شيء: لقد دافع ابن عرس عن الطفل، وأبعد عنه الخطر بشجاعة!
ثم تتبّع الناسك آثار الأفعى، فوجد عند شقّ الجدار بعض الطين والتراب المبعثر، ورأى أن الأفعى قد خرجت من هناك وهربت إلى الحقل. وعرف أن ابن عرس قد خاطر بنفسه من أجل الطفل، وأنه كان يقفز فرحًا عند الباب ليخبره بما فعل، لا ليخفي شيئًا. فشعر الناسك بقشعريرة في جسده، وقال: "يا للعجب! كم كنت قريبًا من الخطأ!"
جلس الناسك على الأرض، وحمل ابن عرس بين يديه، والدموع في عينيه، وقال: "يا صديقي الوفيّ، لقد حميت طفلي، وكدت أنا أن أظلمك! سامحني. كيف ظننت بك سوءًا وأنت أوفى الأصدقاء؟" ومسح أنف ابن عرس المخدوش، وغسل قوائمه بالماء الدافئ، وأطعمه أطيب الطعام.
وعندما رجعت الزوجة من السوق، حكى لها الناسك ما حدث، فتعجّبت وقالت: "الحمد لله أنك توقّفت ولم تتعجّل. لو تسرّعت، لخسرنا صديقًا وفيًّا، ولعشت عمرك كله نادمًا." ثم أغلقا الشقّ في الجدار، حتى لا يدخل منه شيء مرة أخرى.
وجلس الناسك وزوجته تلك الليلة يتحدّثان طويلًا. قال الناسك: "لقد علّمت الناس سنوات طويلة ألّا يحكموا وهم غاضبون، واليوم كدت أنسى نصيحتي. الغضب مثل الغبار، يغطّي العينين فلا تريان الحقيقة." قالت الزوجة: "لكنك تذكّرت في اللحظة المناسبة، وهذا ما يميّز الحكيم: أن يتوقّف ويفكّر قبل أن يتصرّف."
ومنذ ذلك اليوم، صار ابن عرس أعزّ أفراد العائلة. وكبر الطفل، وكان يلعب معه في الحديقة كل يوم، ويحكي له أبوه حكاية الحارس الشجاع الذي أنقذه وهو رضيع. وكان الناسك يحكي القصة لكل من يزوره، ويقول: "هذه أعظم نصيحة تعلّمتها في حياتي."
وفي الأيام التالية، جاء أهل القرية ليروا ابن عرس البطل، فحمل له الأطفال الفواكه والحبوب، وصنعوا له بيتًا صغيرًا من الخشب بجانب المهد. وصار الناسك يبدأ مجالسه تحت شجرة التوت بقصة ذلك اليوم، ثم يسأل الحاضرين: "ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكاني؟" فيتعلّم كل منهم أن يتأنّى في أحكامه.
ويعلّمنا هذا المثل من كليلة ودمنة ألّا نتعجّل في الحكم على الآخرين بالمظاهر، وأن نتأكّد ونسأل ونرى بأعيننا قبل أن نغضب أو نتصرّف. فالعجلة قد توقعنا في ظلم من يحبّوننا، أما التأنّي والتفكير الهادئ فيحفظان لنا أصدقاءنا وراحة ضمائرنا. وهذه حكمة جميلة نتذكّرها دائمًا في حياتنا، ونعلّمها لأصدقائنا وإخوتنا الصغار.
وكان الناس في القرية يحبون الناسك ويحترمونه، فيأتونه ليستشيروه في أمورهم، ويسمعوا منه الحكايات والنصائح. وكان يجلس معهم تحت شجرة التوت أمام كوخه، ويقول لهم: "يا أبنائي، أكثر ما يندم عليه الإنسان قرار اتّخذه وهو غاضب، أو حكم أصدره قبل أن يعرف الحقيقة." وكان الأطفال يحبون الجلوس عند قدميه، يستمعون إلى قصصه.
وفي أحد الأيام، وجد الناسك في الحقل صغير ابن عرس ضائعًا، يرتجف من البرد، ولا يجد أمّه. فحمله إلى بيته، وأطعمه، واعتنى به حتى كبر، فصار ابن عرس أليفًا وفيًّا، يتبع الناسك في كل مكان، ويلعب في الحديقة، وينام قرب الباب كأنه حارس صغير للبيت.
وكان ابن عرس ذكيًا جدًا، يفهم كلام الناسك من نبرة صوته. فإذا قال له: "تعال"، جاء مسرعًا، وإذا قال له: "احرس"، جلس عند الباب لا يتحرك. وكان يطارد الفئران من المخزن، ويبعد الحشرات عن الحديقة، حتى قالت الزوجة يومًا: "هذا الصغير صار حارس بيتنا الأمين." وكان الناسك يضحك ويقول: "إنه فرد من عائلتنا."
وبعد مدة، فرح الناسك وزوجته فرحًا عظيمًا، فقد رُزقا بطفل جميل. وكانا يحبّانه حبًّا كبيرًا، ويضعانه في مهد خشبي مزخرف، ويغنّيان له حتى ينام. وكان ابن عرس يجلس قرب المهد، ينظر إلى الطفل بعينين لامعتين، كأنه يحرسه هو أيضًا.
وكان ابن عرس إذا بكى الطفل في الليل، يركض إلى غرفة الناسك ويشدّ طرف ثوبه، كأنه يقول: "الصغير يحتاج إليكم!" وإذا نام الطفل، جلس بجانب المهد هادئًا لا يصدر صوتًا. وكانت الزوجة تقول ضاحكة: "يبدو أنه يحب الطفل أكثر منا!" فيقول الناسك: "الوفاء لا يحتاج إلى كلام، بل يظهر في الأفعال."
وفي أحد الأيام، احتاجت الزوجة أن تذهب إلى السوق لتشتري بعض الأغراض، فقالت لزوجها: "ابقَ مع الطفل حتى أعود، ولا تتركه وحده." لكن بعد قليل، جاء رسول من القرية يطلب من الناسك أن يأتي بسرعة ليساعد جارًا مريضًا. احتار الناسك، ثم نظر إلى ابن عرس وقال: "يا صديقي، احرس الطفل حتى أعود، لن أتأخر." وخرج مسرعًا.
وقبل أن يخرج، نظر الناسك إلى الطفل النائم، وغطّاه جيدًا، وتأكّد أن الباب مغلق. ثم نظر إلى ابن عرس الجالس قرب المهد، فرأى في عينيه شيئًا يشبه الوعد. فقال: "أنا أثق بك يا صديقي." وخرج بخطوات سريعة نحو بيت الجار، وهو يقول لنفسه: "سأساعده ثم أعود حالًا."
وبينما كان البيت هادئًا، والطفل نائمًا في مهده، دخلت من شقّ في الجدار أفعى سوداء كبيرة، تزحف نحو المهد. رآها ابن عرس، فوقف شعره، وقفز بشجاعة بينها وبين الطفل. وبدأ يدور حولها ويصيح ويقفز، ويمنعها من الاقتراب، حتى تعبت الأفعى وخافت، فهربت من الشقّ نفسه إلى الحقول البعيدة، ولم تعد. وكان ابن عرس قد خدش أنفه وتلطّخت قوائمه بالتراب والطين من شدة المعركة.
وبعد قليل، رجع الناسك إلى البيت. فخرج ابن عرس لاستقباله عند الباب، يقفز فرحًا، كأنه يريد أن يخبره بما فعل. لكن الناسك رأى قوائمه ملطّخة بالطين، وأنفه مخدوشًا، والبيت مقلوبًا قليلًا، فخطر في باله خاطر سيّئ مخيف: "لا بد أن ابن عرس قد آذى طفلي!"
وفي الطريق إلى البيت، كان الناسك يفكّر في جاره المريض، ويشعر بالتعب، والشمس حارّة فوق رأسه. وكان قلبه مشغولًا بطفله، فقد تأخّر أكثر مما وعد. فلما رأى الباب مفتوحًا قليلًا، شعر بالقلق، ولما رأى ابن عرس على تلك الحال، قفزت الأفكار المخيفة إلى رأسه قبل أن يرى أي شيء آخر.
امتلأ قلب الناسك بالخوف والغضب، ورفع عصاه ليضرب ابن عرس دون أن يفكّر. وكاد يفعل، لكنه في اللحظة الأخيرة تذكّر كلمة كان يقولها دائمًا لتلاميذه: "لا تحكم قبل أن ترى بعينك." فتوقّفت يده في الهواء، وأنزل العصا ببطء، وقال: "يجب أن أرى طفلي أولًا."
ركض الناسك إلى الداخل، فوجد طفله نائمًا في مهده بسلام، يبتسم في نومه، لم يُصب بأي أذى. ثم رأى على الأرض آثار الأفعى الطويلة تمتد من المهد إلى شقّ الجدار، وفهم كل شيء: لقد دافع ابن عرس عن الطفل، وأبعد عنه الخطر بشجاعة!
ثم تتبّع الناسك آثار الأفعى، فوجد عند شقّ الجدار بعض الطين والتراب المبعثر، ورأى أن الأفعى قد خرجت من هناك وهربت إلى الحقل. وعرف أن ابن عرس قد خاطر بنفسه من أجل الطفل، وأنه كان يقفز فرحًا عند الباب ليخبره بما فعل، لا ليخفي شيئًا. فشعر الناسك بقشعريرة في جسده، وقال: "يا للعجب! كم كنت قريبًا من الخطأ!"
جلس الناسك على الأرض، وحمل ابن عرس بين يديه، والدموع في عينيه، وقال: "يا صديقي الوفيّ، لقد حميت طفلي، وكدت أنا أن أظلمك! سامحني. كيف ظننت بك سوءًا وأنت أوفى الأصدقاء؟" ومسح أنف ابن عرس المخدوش، وغسل قوائمه بالماء الدافئ، وأطعمه أطيب الطعام.
وعندما رجعت الزوجة من السوق، حكى لها الناسك ما حدث، فتعجّبت وقالت: "الحمد لله أنك توقّفت ولم تتعجّل. لو تسرّعت، لخسرنا صديقًا وفيًّا، ولعشت عمرك كله نادمًا." ثم أغلقا الشقّ في الجدار، حتى لا يدخل منه شيء مرة أخرى.
وجلس الناسك وزوجته تلك الليلة يتحدّثان طويلًا. قال الناسك: "لقد علّمت الناس سنوات طويلة ألّا يحكموا وهم غاضبون، واليوم كدت أنسى نصيحتي. الغضب مثل الغبار، يغطّي العينين فلا تريان الحقيقة." قالت الزوجة: "لكنك تذكّرت في اللحظة المناسبة، وهذا ما يميّز الحكيم: أن يتوقّف ويفكّر قبل أن يتصرّف."
ومنذ ذلك اليوم، صار ابن عرس أعزّ أفراد العائلة. وكبر الطفل، وكان يلعب معه في الحديقة كل يوم، ويحكي له أبوه حكاية الحارس الشجاع الذي أنقذه وهو رضيع. وكان الناسك يحكي القصة لكل من يزوره، ويقول: "هذه أعظم نصيحة تعلّمتها في حياتي."
وفي الأيام التالية، جاء أهل القرية ليروا ابن عرس البطل، فحمل له الأطفال الفواكه والحبوب، وصنعوا له بيتًا صغيرًا من الخشب بجانب المهد. وصار الناسك يبدأ مجالسه تحت شجرة التوت بقصة ذلك اليوم، ثم يسأل الحاضرين: "ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكاني؟" فيتعلّم كل منهم أن يتأنّى في أحكامه.
ويعلّمنا هذا المثل من كليلة ودمنة ألّا نتعجّل في الحكم على الآخرين بالمظاهر، وأن نتأكّد ونسأل ونرى بأعيننا قبل أن نغضب أو نتصرّف. فالعجلة قد توقعنا في ظلم من يحبّوننا، أما التأنّي والتفكير الهادئ فيحفظان لنا أصدقاءنا وراحة ضمائرنا. وهذه حكمة جميلة نتذكّرها دائمًا في حياتنا، ونعلّمها لأصدقائنا وإخوتنا الصغار.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!