📖 نص القصة
كانت رنا في الحادية عشرة من عمرها، وكانت تحلم منذ صغرها بأن ترى الصحراء الواسعة بعينيها، وأن تنام تحت سماء مليئة بالنجوم. كانت تقرأ كتب الرحّالة، وترسم الجِمال والكثبان في دفترها، وتسأل أباها كل مساء: "متى أرى الصحراء يا أبي؟" وفي إجازة الشتاء، تحقّق حلمها أخيرًا، إذ دعاها خالها سالم، وهو مرشد رحلات خبير، إلى رحلة تخييم مع أخيها الأصغر فارس.
في صباح يوم الرحلة، حزمت رنا حقيبتها بعناية: ملابس دافئة لليل البارد، وقبّعة واسعة للشمس، وقارورتي ماء، ومصباحًا صغيرًا، ووشاحًا أحمر لامعًا أهدته لها جدّتها. أما فارس، وعمره سبع سنوات، فقد حشا حقيبته بالحلوى وسيارته الصغيرة وكرته المطاطية. ضحكت أمّهما وقالت: "يا فارس، الصحراء لا تحتاج إلى كرة!" فقال: "بل تحتاج! سألعب بها مع الجِمال!"
انطلقت السيارة ذات العجلات الكبيرة بين الكثبان الذهبية. كانت الرمال تمتدّ إلى آخر الأفق، تتموّج مثل بحر من العسل، والسماء زرقاء صافية لا غيمة فيها. وصاح فارس كلما صعدت السيارة كثيبًا عاليًا ثم نزلت: "يااا! مثل الأرجوحة!" وكانت رنا تلصق وجهها بالنافذة، لا تريد أن يفوتها شيء.
وعند الظهر، وصلوا إلى مخيّم صغير قرب شجرة غاف وحيدة. نصبوا الخيمة معًا، وأشعل الخال سالم نارًا صغيرة، وصنع لهم شايًا بالنعناع وخبزًا يُخبز تحت الرمل الساخن. وبعد الغداء، جلس الخال على السجادة وقال: "يا أبطال، الصحراء جميلة، لكن لها قواعد. اسمعوني جيدًا."
رفع الخال إصبعًا وقال: "أولًا، لا يبتعد أحد عن المخيّم دون أن يخبرني. ثانيًا، إذا ضعتم، فلا تركضوا، بل ابقوا في مكان واحد ظاهر، فوق كثيب عالٍ إن استطعتم، ولوّحوا بشيء ملوّن. ثالثًا، الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، والمخيّم يقع جهة الغروب من التلّ الصخري هناك." ثم أشار إلى النجوم التي ستظهر في الليل وقال: "وفي الليل، ابحثوا عن النجم القطبي، فهو يدلّكم على الشمال دائمًا." كانت رنا تكتب كل كلمة في دفترها، أما فارس فكان يرمي كرته في الهواء.
في العصر، ذهب الخال ليجمع الحطب خلف الشجرة، وقال: "سأعود بعد دقائق، ابقيا قرب الخيمة." لكن كرة فارس سقطت من يده، وتدحرجت على منحدر الكثيب، وأخذت تتدحرج وتتدحرج. صاح فارس: "كرتي!" وركض خلفها قبل أن تستطيع رنا أن تمسك يده. صرخت رنا: "فارس، توقّف!" وركضت خلفه.
نزلا كثيبًا، ثم صعدا آخر، ثم نزلا ثالثًا، والكرة تقفز أمامهما كأنها تلعب معهما. وأخيرًا، أمسك فارس كرته، والتفت ضاحكًا: "أمسكتها!" لكن رنا لم تضحك. نظرت حولها، فرأت كثبانًا تشبه بعضها في كل الجهات، ولم تعد ترى الخيمة ولا الشجرة ولا الدخان. وكانت الريح قد بدأت تمسح آثار أقدامهما على الرمل.
امتلأت عينا فارس بالدموع، وقال بصوت مرتجف: "رنا... أين الخيمة؟ هل ضعنا؟" شعرت رنا بقلبها يدقّ بسرعة، وأرادت أن تبكي هي أيضًا. لكنها نظرت إلى أخيها الصغير، وقالت في نفسها: "إذا خفتُ أنا، فسيخاف هو أكثر." فأخذت نفسًا عميقًا، وجلست على الرمل، وأجلسته بجانبها، وقالت بهدوء: "لا تخف يا فارس. خالي علّمنا ماذا نفعل. سنكون مستكشفَين حقيقيَّين."
فتحت رنا دفترها، وقرأت ما كتبته: "لا تركضوا، ابقوا في مكان ظاهر." فقالت: "أولًا، لن نمشي بلا هدف." ثم نظرت إلى أعلى كثيب قريب وقالت: "هيا نصعد إلى هناك، حتى يرانا خالي من بعيد." صعدا معًا ببطء، والرمل ينزلق تحت أقدامهما، وفارس يلهث ويقول: "هذا الكثيب أعلى من بيتنا!"
ومن أعلى الكثيب، نظرت رنا حولها. لم ترَ المخيّم، لكنها رأت التلّ الصخري الذي أشار إليه خالها، يقف بعيدًا مثل ظهر جمل نائم. ونظرت إلى الشمس، فرأتها منخفضة تتّجه نحو الغروب. فتذكّرت: "المخيّم يقع جهة الغروب من التلّ." وابتسمت لأول مرة، وقالت: "فارس، أظن أنني أعرف أين نحن تقريبًا."
لكنها لم تتعجّل. قالت: "خالي قال إن البقاء في مكان ظاهر أفضل من المشي في الظلام." فأخرجت وشاح جدّتها الأحمر، وربطته بعصا جافة وجدتها، وغرستها في قمّة الكثيب، فصار الوشاح يرفرف في الريح مثل علم صغير. ثم أعطت فارس قارورة الماء وقالت: "اشرب رشفات صغيرة، يجب أن نحافظ على الماء."
بدأت الشمس تغيب، وتحوّلت السماء إلى ألوان برتقالية ووردية وبنفسجية، والكثبان صارت حمراء كأنها جمر. نسي فارس خوفه لحظة وقال بدهشة: "رنا، انظري! الصحراء تلبس ثوبًا ملوّنًا!" ثم بدأ البرد يزحف مع الظلام، فلبسا ستراتهما الدافئة، وجلسا متلاصقين.
ثم ظهرت النجوم، واحدة بعد أخرى، حتى امتلأت السماء بآلاف النقاط اللامعة، أكثر مما رأت رنا في حياتها. همس فارس: "إنها كثيرة جدًا، كأن أحدًا رشّ السكّر على السماء!" ضحكت رنا، وأشارت إلى سبع نجمات تشبه المغرفة، وقالت: "هذه بنات نعش. وإذا تبعنا طرفها، نجد النجم القطبي... هناك! إنه يدلّنا على الشمال." وكتبت في دفترها اتجاه الشمال، والتلّ، والشمس التي غابت.
أشعلت رنا مصباحها الصغير، وصارت تحرّكه يمينًا ويسارًا كل دقيقة، كما قال خالها: "الضوء في الليل يُرى من بعيد." وغنّت لفارس أغنية كانت أمّهما تغنّيها لهما، حتى هدأ وأسند رأسه على كتفها. وقالت له: "أتعرف يا فارس؟ أنت شجاع جدًا. لم تبكِ منذ ساعة كاملة." فابتسم وقال: "لأنكِ معي."
وفجأة، سمعا صوتًا بعيدًا يحمله الهواء: "رناااا! فاااارس!" ثم رأيا ضوءًا قويًا يتحرك بين الكثبان. قفزت رنا، ولوّحت بالمصباح بكل قوتها، وصاحت: "نحن هنا! نحن هنا يا خالي!" وصاح فارس معها بأعلى صوته. اقترب الضوء، ثم سمعا صوت محرّك السيارة، وظهر الخال سالم يركض صاعدًا الكثيب.
احتضنهما الخال بقوة، وكان صوته يرتجف: "الحمد لله! لقد رأيت الوشاح الأحمر قبل أن تغيب الشمس، ثم رأيت ضوء المصباح يتحرك، فعرفت أنكما هنا." ثم نظر إلى رنا وقال: "تصرّفتِ مثل مستكشفة حقيقية. لم تركضي في الظلام، وبقيتِ في مكان ظاهر، وحافظتِ على أخيكِ." قال فارس: "وهي تعرف النجوم أيضًا يا خالي!"
أطرقت رنا وقالت: "لكن يا خالي، كان يجب أن أمسك يد فارس من البداية، وأن نناديك قبل أن نركض خلف الكرة." ابتسم الخال وقال: "والاعتراف بالخطأ شجاعة أخرى. كلنا نتعلّم." وقال فارس خجلًا: "وأنا لن أركض خلف أي كرة في الصحراء مرة أخرى!" فضحك الجميع.
في تلك الليلة، جلسوا حول النار في المخيّم، يشربون الحليب الدافئ بالهيل، والنجوم تلمع فوقهم. وعلّمهم الخال أسماء نجوم أخرى، وحكى لهم كيف كان المسافرون القدماء يعبرون الصحراء بالنجوم وحدها. ونامت رنا وهي تنظر إلى النجم القطبي، وتشعر أنه صار صديقها.
وتعلّمت رنا أن الهدوء في وقت الخوف هو نصف النجاة، وأن ما نتعلّمه بانتباه قد ينقذنا يومًا ما. فمن يستمع إلى نصائح الكبار، ويفكّر قبل أن يتصرّف، ويهتمّ بمن هو أصغر منه، يستطيع أن يجد طريقه حتى في أوسع الصحارى وأظلم الليالي.
في صباح يوم الرحلة، حزمت رنا حقيبتها بعناية: ملابس دافئة لليل البارد، وقبّعة واسعة للشمس، وقارورتي ماء، ومصباحًا صغيرًا، ووشاحًا أحمر لامعًا أهدته لها جدّتها. أما فارس، وعمره سبع سنوات، فقد حشا حقيبته بالحلوى وسيارته الصغيرة وكرته المطاطية. ضحكت أمّهما وقالت: "يا فارس، الصحراء لا تحتاج إلى كرة!" فقال: "بل تحتاج! سألعب بها مع الجِمال!"
انطلقت السيارة ذات العجلات الكبيرة بين الكثبان الذهبية. كانت الرمال تمتدّ إلى آخر الأفق، تتموّج مثل بحر من العسل، والسماء زرقاء صافية لا غيمة فيها. وصاح فارس كلما صعدت السيارة كثيبًا عاليًا ثم نزلت: "يااا! مثل الأرجوحة!" وكانت رنا تلصق وجهها بالنافذة، لا تريد أن يفوتها شيء.
وعند الظهر، وصلوا إلى مخيّم صغير قرب شجرة غاف وحيدة. نصبوا الخيمة معًا، وأشعل الخال سالم نارًا صغيرة، وصنع لهم شايًا بالنعناع وخبزًا يُخبز تحت الرمل الساخن. وبعد الغداء، جلس الخال على السجادة وقال: "يا أبطال، الصحراء جميلة، لكن لها قواعد. اسمعوني جيدًا."
رفع الخال إصبعًا وقال: "أولًا، لا يبتعد أحد عن المخيّم دون أن يخبرني. ثانيًا، إذا ضعتم، فلا تركضوا، بل ابقوا في مكان واحد ظاهر، فوق كثيب عالٍ إن استطعتم، ولوّحوا بشيء ملوّن. ثالثًا، الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، والمخيّم يقع جهة الغروب من التلّ الصخري هناك." ثم أشار إلى النجوم التي ستظهر في الليل وقال: "وفي الليل، ابحثوا عن النجم القطبي، فهو يدلّكم على الشمال دائمًا." كانت رنا تكتب كل كلمة في دفترها، أما فارس فكان يرمي كرته في الهواء.
في العصر، ذهب الخال ليجمع الحطب خلف الشجرة، وقال: "سأعود بعد دقائق، ابقيا قرب الخيمة." لكن كرة فارس سقطت من يده، وتدحرجت على منحدر الكثيب، وأخذت تتدحرج وتتدحرج. صاح فارس: "كرتي!" وركض خلفها قبل أن تستطيع رنا أن تمسك يده. صرخت رنا: "فارس، توقّف!" وركضت خلفه.
نزلا كثيبًا، ثم صعدا آخر، ثم نزلا ثالثًا، والكرة تقفز أمامهما كأنها تلعب معهما. وأخيرًا، أمسك فارس كرته، والتفت ضاحكًا: "أمسكتها!" لكن رنا لم تضحك. نظرت حولها، فرأت كثبانًا تشبه بعضها في كل الجهات، ولم تعد ترى الخيمة ولا الشجرة ولا الدخان. وكانت الريح قد بدأت تمسح آثار أقدامهما على الرمل.
امتلأت عينا فارس بالدموع، وقال بصوت مرتجف: "رنا... أين الخيمة؟ هل ضعنا؟" شعرت رنا بقلبها يدقّ بسرعة، وأرادت أن تبكي هي أيضًا. لكنها نظرت إلى أخيها الصغير، وقالت في نفسها: "إذا خفتُ أنا، فسيخاف هو أكثر." فأخذت نفسًا عميقًا، وجلست على الرمل، وأجلسته بجانبها، وقالت بهدوء: "لا تخف يا فارس. خالي علّمنا ماذا نفعل. سنكون مستكشفَين حقيقيَّين."
فتحت رنا دفترها، وقرأت ما كتبته: "لا تركضوا، ابقوا في مكان ظاهر." فقالت: "أولًا، لن نمشي بلا هدف." ثم نظرت إلى أعلى كثيب قريب وقالت: "هيا نصعد إلى هناك، حتى يرانا خالي من بعيد." صعدا معًا ببطء، والرمل ينزلق تحت أقدامهما، وفارس يلهث ويقول: "هذا الكثيب أعلى من بيتنا!"
ومن أعلى الكثيب، نظرت رنا حولها. لم ترَ المخيّم، لكنها رأت التلّ الصخري الذي أشار إليه خالها، يقف بعيدًا مثل ظهر جمل نائم. ونظرت إلى الشمس، فرأتها منخفضة تتّجه نحو الغروب. فتذكّرت: "المخيّم يقع جهة الغروب من التلّ." وابتسمت لأول مرة، وقالت: "فارس، أظن أنني أعرف أين نحن تقريبًا."
لكنها لم تتعجّل. قالت: "خالي قال إن البقاء في مكان ظاهر أفضل من المشي في الظلام." فأخرجت وشاح جدّتها الأحمر، وربطته بعصا جافة وجدتها، وغرستها في قمّة الكثيب، فصار الوشاح يرفرف في الريح مثل علم صغير. ثم أعطت فارس قارورة الماء وقالت: "اشرب رشفات صغيرة، يجب أن نحافظ على الماء."
بدأت الشمس تغيب، وتحوّلت السماء إلى ألوان برتقالية ووردية وبنفسجية، والكثبان صارت حمراء كأنها جمر. نسي فارس خوفه لحظة وقال بدهشة: "رنا، انظري! الصحراء تلبس ثوبًا ملوّنًا!" ثم بدأ البرد يزحف مع الظلام، فلبسا ستراتهما الدافئة، وجلسا متلاصقين.
ثم ظهرت النجوم، واحدة بعد أخرى، حتى امتلأت السماء بآلاف النقاط اللامعة، أكثر مما رأت رنا في حياتها. همس فارس: "إنها كثيرة جدًا، كأن أحدًا رشّ السكّر على السماء!" ضحكت رنا، وأشارت إلى سبع نجمات تشبه المغرفة، وقالت: "هذه بنات نعش. وإذا تبعنا طرفها، نجد النجم القطبي... هناك! إنه يدلّنا على الشمال." وكتبت في دفترها اتجاه الشمال، والتلّ، والشمس التي غابت.
أشعلت رنا مصباحها الصغير، وصارت تحرّكه يمينًا ويسارًا كل دقيقة، كما قال خالها: "الضوء في الليل يُرى من بعيد." وغنّت لفارس أغنية كانت أمّهما تغنّيها لهما، حتى هدأ وأسند رأسه على كتفها. وقالت له: "أتعرف يا فارس؟ أنت شجاع جدًا. لم تبكِ منذ ساعة كاملة." فابتسم وقال: "لأنكِ معي."
وفجأة، سمعا صوتًا بعيدًا يحمله الهواء: "رناااا! فاااارس!" ثم رأيا ضوءًا قويًا يتحرك بين الكثبان. قفزت رنا، ولوّحت بالمصباح بكل قوتها، وصاحت: "نحن هنا! نحن هنا يا خالي!" وصاح فارس معها بأعلى صوته. اقترب الضوء، ثم سمعا صوت محرّك السيارة، وظهر الخال سالم يركض صاعدًا الكثيب.
احتضنهما الخال بقوة، وكان صوته يرتجف: "الحمد لله! لقد رأيت الوشاح الأحمر قبل أن تغيب الشمس، ثم رأيت ضوء المصباح يتحرك، فعرفت أنكما هنا." ثم نظر إلى رنا وقال: "تصرّفتِ مثل مستكشفة حقيقية. لم تركضي في الظلام، وبقيتِ في مكان ظاهر، وحافظتِ على أخيكِ." قال فارس: "وهي تعرف النجوم أيضًا يا خالي!"
أطرقت رنا وقالت: "لكن يا خالي، كان يجب أن أمسك يد فارس من البداية، وأن نناديك قبل أن نركض خلف الكرة." ابتسم الخال وقال: "والاعتراف بالخطأ شجاعة أخرى. كلنا نتعلّم." وقال فارس خجلًا: "وأنا لن أركض خلف أي كرة في الصحراء مرة أخرى!" فضحك الجميع.
في تلك الليلة، جلسوا حول النار في المخيّم، يشربون الحليب الدافئ بالهيل، والنجوم تلمع فوقهم. وعلّمهم الخال أسماء نجوم أخرى، وحكى لهم كيف كان المسافرون القدماء يعبرون الصحراء بالنجوم وحدها. ونامت رنا وهي تنظر إلى النجم القطبي، وتشعر أنه صار صديقها.
وتعلّمت رنا أن الهدوء في وقت الخوف هو نصف النجاة، وأن ما نتعلّمه بانتباه قد ينقذنا يومًا ما. فمن يستمع إلى نصائح الكبار، ويفكّر قبل أن يتصرّف، ويهتمّ بمن هو أصغر منه، يستطيع أن يجد طريقه حتى في أوسع الصحارى وأظلم الليالي.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!