📖 نص القصة
يُحكى في كتاب كليلة ودمنة أن شجرة عظيمة كانت تقف في طرف غابة، وفي أسفلها جحر يسكنه جرذ صغير ذكي اسمه فريدون. وكان قريبًا منه قطّ كبير يسمّونه السنّور رومي، يعيش في الجهة الأخرى من الشجرة. وكان الصيّادون يأتون إلى تلك الأرض أحيانًا، فينصبون الشباك لاصطياد الحيوانات البرّية.
وكان الجرذ فريدون يحب جحره كثيرًا، فقد حفره بنفسه، وجعل له ممرّات كثيرة وغرفًا صغيرة يخزّن فيها البذور للشتاء. وكان يخرج كل مساء بحذر، ينظر يمينًا ويسارًا، ويشمّ الهواء، ثم يجمع ما يحتاج إليه ويعود بسرعة. وكان يعرف أن في الغابة حيوانات كثيرة قد تؤذيه، فتعلّم أن يكون حذرًا ذكيًا.
وفي مساء أحد الأيام، نصب صيّاد شبكته قرب الشجرة، ورحل على أن يعود في الصباح. وفي الليل، خرج السنّور رومي يبحث عن طعامه، فلم ينتبه إلى الشبكة، فوقع فيها، والتفّت الخيوط حول جسده، فلم يستطع أن يتحرك. وصار يموء ويحاول أن يتخلّص، لكن بلا فائدة.
وكان السنّور رومي قطًّا كبيرًا قويًا، له فراء رمادي مخطّط وعينان خضراوان. وكان معتادًا على أن يكون صيّادًا، لا أن يقع في الفخ. فلما وجد نفسه عالقًا، شعر بالخوف لأول مرة في حياته، وصار يقول: "ماذا سيحدث لي عندما يأتي الصيّاد؟ ليتني كنت أكثر انتباهًا!"
وفي الوقت نفسه، خرج الجرذ فريدون من جحره يبحث عن بعض البذور، فرأى السنّور عالقًا في الشبكة، ففرح في البداية وقال: "لن يخيفني هذا القطّ الليلة." لكنه حين التفت، رأى خلفه ابن عرس يقترب منه بهدوء، يريد أن يمسكه. ثم رفع رأسه، فرأى على غصن الشجرة بومة كبيرة تنظر إليه بعينيها الواسعتين، تنتظر أن يبتعد عن الجحر.
وكان ابن عرس يقترب ببطء، وعيناه تلمعان في الظلام، والبومة تحرّك رأسها يمينًا ويسارًا، تنتظر اللحظة المناسبة. وشعر فريدون بأن قلبه سيقفز من صدره، وأن قدميه ترتجفان، وأن الهواء نفسه صار باردًا ثقيلًا.
احتار الجرذ وخاف خوفًا شديدًا. إن رجع إلى الوراء، أمسكه ابن عرس. وإن ابتعد، انقضّت عليه البومة. وإن اقترب من القطّ، فهو عدوّه القديم. فقال في نفسه: "لا ينفعني الخوف الآن، بل ينفعني العقل. وأحيانًا يكون الحل عند من لا نتوقّع."
وقف الجرذ في مكانه لا يتحرك، يشعر بأن الدنيا ضاقت عليه. ثم أغمض عينيه لحظة، وأخذ نفسًا عميقًا، وتذكّر ما كانت أمّه تقول له: "يا فريدون، عندما تكون في خطر، لا تركض بلا تفكير، بل انظر حولك، فقد يكون باب النجاة في مكان لا تتوقّعه." ففتح عينيه، ونظر حوله من جديد.
ثم فكّر قليلًا وقال: "القطّ في ورطة، وأنا في ورطة. وهو يحتاج إليّ، وأنا أحتاج إليه. فلأعرض عليه اتفاقًا." فاقترب من السنّور بحذر وقال: "يا رومي، أنت عالق في الشبكة، وأنا أستطيع أن أقطع خيوطها بأسناني. وأنا محاصر بين ابن عرس والبومة، وأنت تستطيع أن تحميني. فلنتعاون: أدخل بين يديك فيبتعدان عني، وأنا أقرض لك الخيوط."
فرح السنّور كثيرًا، وقال: "موافق يا صديقي! تعال، لن أؤذيك أبدًا." فدخل الجرذ واحتمى بين يدي القطّ. فلما رأى ابن عرس والبومة ذلك، يئسا من الجرذ، فابتعد ابن عرس إلى الغابة، وطارت البومة إلى شجرة أخرى. وتنفّس الجرذ الصعداء.
وكان الجرذ يرتجف قليلًا وهو بين يدي القطّ الكبير، فهو يشعر بأنفاسه الدافئة، ويرى مخالبه القوية قريبة منه. لكن القطّ كان هادئًا، وقال له: "لا تخف يا فريدون، أنا أحتاج إليك كما تحتاج إليّ. ولن أنسى معروفك." فاطمأن الجرذ قليلًا، وبدأ يعمل.
بدأ الجرذ يقرض الخيوط، لكنه كان يقرضها ببطء شديد. فقال له السنّور بقلق: "أسرع يا صديقي، أخاف أن يأتي الصيّاد!" قال الجرذ: "لا تقلق، سأفي بوعدي. لكنني سأترك خيطًا واحدًا إلى آخر لحظة. فإذا رأيت الصيّاد قادمًا، قطعته، فتنشغل أنت بالهرب، وأنشغل أنا بالدخول إلى جحري. هكذا ننجو معًا."
ومرّت ساعات الليل الطويلة، والجرذ يقرض الخيوط، والقطّ يحرسه بعينيه. وكانا يتحدّثان أحيانًا ليمرّ الوقت. حكى القطّ عن طفولته في بيت قديم في القرية، وحكى الجرذ عن جحره ومخازنه. وضحكا مرة عندما اكتشفا أنهما يحبّان الشيء نفسه: الجلوس تحت الشجرة الكبيرة في المساء والنظر إلى القمر.
فهم السنّور أن الجرذ حذر، لا يثق به ثقة كاملة، فقال: "أتظن أنني سأؤذيك بعد أن أنقذتني؟" قال الجرذ بلطف: "يا رومي، لقد كنا أعداء زمنًا طويلًا، والعداوة القديمة لا تزول في ليلة واحدة. أنا أفي بوعدي لك، لكنني أحمي نفسي أيضًا. والحكيم يجمع بين الوفاء والحذر."
وظلّ الجرذ يعمل طوال الليل، حتى لم يبقَ إلا خيط واحد. ولما طلع الفجر، رأى الصيّاد قادمًا من بعيد يحمل عصاه. فقطع الجرذ الخيط الأخير بسرعة، فقفز السنّور من الشبكة وتسلّق الشجرة، وركض الجرذ إلى جحره واختبأ فيه. ووصل الصيّاد فوجد الشبكة مقطوعة فارغة، فتعجّب ورجع خائبًا.
وبعد أن رحل الصيّاد، نزل السنّور من الشجرة، ونظر إلى الشبكة الممزّقة، وقال في نفسه: "لقد كان الجرذ صادقًا، ووفى بوعده تمامًا. ولولاه لكنت الآن في كيس الصيّاد." وشعر بالامتنان، وعرف أن الصغير قد يكون سببًا في نجاة الكبير.
وبعد أيام، جاء السنّور إلى جحر الجرذ وناداه: "يا صديقي فريدون، اخرج لأشكرك، فقد أنقذت حياتي، وأريد أن نكون صديقين." لكن الجرذ ردّ من داخل الجحر بأدب: "يا رومي، أنا أشكرك أيضًا لأنك حميتني تلك الليلة. لقد تعاونّا حين احتاج كل منا إلى الآخر، وكان ذلك جميلًا. لكنني أفضّل أن نبقى جارين يحترم كل منهما الآخر من بعيد."
وقال السنّور وهو يقف عند باب الجحر: "يا فريدون، لقد فكّرت طويلًا في كلامك تلك الليلة، وعرفت أنك على حق. سأحترم رغبتك." ثم أضاف: "وإذا احتجت إليّ يومًا، فنادني، وسآتي لمساعدتك."
فهم السنّور كلام الجرذ، ولم يغضب، بل قال: "أنت حكيم يا فريدون، وأحترم حذرك." ومنذ ذلك اليوم، صار القطّ لا يقترب من جحر الجرذ، وصار الجرذ لا يخاف كثيرًا عندما يراه من بعيد، وكان كل منهما يحيّي الآخر بإيماءة لطيفة كلما التقيا.
وبعد سنوات، صار الجرذ يحكي لأحفاده هذه القصة، ويقول: "يا صغاري، لقد تعلّمت تلك الليلة أن العدو قد يصبح عونًا إذا جمعتنا الحاجة، وأن الوعد يجب أن يُحفظ مهما كان. لكنني تعلّمت أيضًا أن الحذر لا يعني الكره، بل يعني الحكمة." وكان الأحفاد يستمعون بانتباه، ويحفظون كلام جدّهم.
ويعلّمنا هذا المثل من كليلة ودمنة أن العاقل يبحث عن الحل حتى في أصعب المواقف، وأن التعاون قد يجمع حتى المختلفين عندما يحتاج بعضهم إلى بعض. ويعلّمنا أيضًا أن نفي بوعودنا دائمًا، وأن نكون حذرين بحكمة، فالوفاء والحذر صديقان لا يفترقان.
وكان الجرذ فريدون يحب جحره كثيرًا، فقد حفره بنفسه، وجعل له ممرّات كثيرة وغرفًا صغيرة يخزّن فيها البذور للشتاء. وكان يخرج كل مساء بحذر، ينظر يمينًا ويسارًا، ويشمّ الهواء، ثم يجمع ما يحتاج إليه ويعود بسرعة. وكان يعرف أن في الغابة حيوانات كثيرة قد تؤذيه، فتعلّم أن يكون حذرًا ذكيًا.
وفي مساء أحد الأيام، نصب صيّاد شبكته قرب الشجرة، ورحل على أن يعود في الصباح. وفي الليل، خرج السنّور رومي يبحث عن طعامه، فلم ينتبه إلى الشبكة، فوقع فيها، والتفّت الخيوط حول جسده، فلم يستطع أن يتحرك. وصار يموء ويحاول أن يتخلّص، لكن بلا فائدة.
وكان السنّور رومي قطًّا كبيرًا قويًا، له فراء رمادي مخطّط وعينان خضراوان. وكان معتادًا على أن يكون صيّادًا، لا أن يقع في الفخ. فلما وجد نفسه عالقًا، شعر بالخوف لأول مرة في حياته، وصار يقول: "ماذا سيحدث لي عندما يأتي الصيّاد؟ ليتني كنت أكثر انتباهًا!"
وفي الوقت نفسه، خرج الجرذ فريدون من جحره يبحث عن بعض البذور، فرأى السنّور عالقًا في الشبكة، ففرح في البداية وقال: "لن يخيفني هذا القطّ الليلة." لكنه حين التفت، رأى خلفه ابن عرس يقترب منه بهدوء، يريد أن يمسكه. ثم رفع رأسه، فرأى على غصن الشجرة بومة كبيرة تنظر إليه بعينيها الواسعتين، تنتظر أن يبتعد عن الجحر.
وكان ابن عرس يقترب ببطء، وعيناه تلمعان في الظلام، والبومة تحرّك رأسها يمينًا ويسارًا، تنتظر اللحظة المناسبة. وشعر فريدون بأن قلبه سيقفز من صدره، وأن قدميه ترتجفان، وأن الهواء نفسه صار باردًا ثقيلًا.
احتار الجرذ وخاف خوفًا شديدًا. إن رجع إلى الوراء، أمسكه ابن عرس. وإن ابتعد، انقضّت عليه البومة. وإن اقترب من القطّ، فهو عدوّه القديم. فقال في نفسه: "لا ينفعني الخوف الآن، بل ينفعني العقل. وأحيانًا يكون الحل عند من لا نتوقّع."
وقف الجرذ في مكانه لا يتحرك، يشعر بأن الدنيا ضاقت عليه. ثم أغمض عينيه لحظة، وأخذ نفسًا عميقًا، وتذكّر ما كانت أمّه تقول له: "يا فريدون، عندما تكون في خطر، لا تركض بلا تفكير، بل انظر حولك، فقد يكون باب النجاة في مكان لا تتوقّعه." ففتح عينيه، ونظر حوله من جديد.
ثم فكّر قليلًا وقال: "القطّ في ورطة، وأنا في ورطة. وهو يحتاج إليّ، وأنا أحتاج إليه. فلأعرض عليه اتفاقًا." فاقترب من السنّور بحذر وقال: "يا رومي، أنت عالق في الشبكة، وأنا أستطيع أن أقطع خيوطها بأسناني. وأنا محاصر بين ابن عرس والبومة، وأنت تستطيع أن تحميني. فلنتعاون: أدخل بين يديك فيبتعدان عني، وأنا أقرض لك الخيوط."
فرح السنّور كثيرًا، وقال: "موافق يا صديقي! تعال، لن أؤذيك أبدًا." فدخل الجرذ واحتمى بين يدي القطّ. فلما رأى ابن عرس والبومة ذلك، يئسا من الجرذ، فابتعد ابن عرس إلى الغابة، وطارت البومة إلى شجرة أخرى. وتنفّس الجرذ الصعداء.
وكان الجرذ يرتجف قليلًا وهو بين يدي القطّ الكبير، فهو يشعر بأنفاسه الدافئة، ويرى مخالبه القوية قريبة منه. لكن القطّ كان هادئًا، وقال له: "لا تخف يا فريدون، أنا أحتاج إليك كما تحتاج إليّ. ولن أنسى معروفك." فاطمأن الجرذ قليلًا، وبدأ يعمل.
بدأ الجرذ يقرض الخيوط، لكنه كان يقرضها ببطء شديد. فقال له السنّور بقلق: "أسرع يا صديقي، أخاف أن يأتي الصيّاد!" قال الجرذ: "لا تقلق، سأفي بوعدي. لكنني سأترك خيطًا واحدًا إلى آخر لحظة. فإذا رأيت الصيّاد قادمًا، قطعته، فتنشغل أنت بالهرب، وأنشغل أنا بالدخول إلى جحري. هكذا ننجو معًا."
ومرّت ساعات الليل الطويلة، والجرذ يقرض الخيوط، والقطّ يحرسه بعينيه. وكانا يتحدّثان أحيانًا ليمرّ الوقت. حكى القطّ عن طفولته في بيت قديم في القرية، وحكى الجرذ عن جحره ومخازنه. وضحكا مرة عندما اكتشفا أنهما يحبّان الشيء نفسه: الجلوس تحت الشجرة الكبيرة في المساء والنظر إلى القمر.
فهم السنّور أن الجرذ حذر، لا يثق به ثقة كاملة، فقال: "أتظن أنني سأؤذيك بعد أن أنقذتني؟" قال الجرذ بلطف: "يا رومي، لقد كنا أعداء زمنًا طويلًا، والعداوة القديمة لا تزول في ليلة واحدة. أنا أفي بوعدي لك، لكنني أحمي نفسي أيضًا. والحكيم يجمع بين الوفاء والحذر."
وظلّ الجرذ يعمل طوال الليل، حتى لم يبقَ إلا خيط واحد. ولما طلع الفجر، رأى الصيّاد قادمًا من بعيد يحمل عصاه. فقطع الجرذ الخيط الأخير بسرعة، فقفز السنّور من الشبكة وتسلّق الشجرة، وركض الجرذ إلى جحره واختبأ فيه. ووصل الصيّاد فوجد الشبكة مقطوعة فارغة، فتعجّب ورجع خائبًا.
وبعد أن رحل الصيّاد، نزل السنّور من الشجرة، ونظر إلى الشبكة الممزّقة، وقال في نفسه: "لقد كان الجرذ صادقًا، ووفى بوعده تمامًا. ولولاه لكنت الآن في كيس الصيّاد." وشعر بالامتنان، وعرف أن الصغير قد يكون سببًا في نجاة الكبير.
وبعد أيام، جاء السنّور إلى جحر الجرذ وناداه: "يا صديقي فريدون، اخرج لأشكرك، فقد أنقذت حياتي، وأريد أن نكون صديقين." لكن الجرذ ردّ من داخل الجحر بأدب: "يا رومي، أنا أشكرك أيضًا لأنك حميتني تلك الليلة. لقد تعاونّا حين احتاج كل منا إلى الآخر، وكان ذلك جميلًا. لكنني أفضّل أن نبقى جارين يحترم كل منهما الآخر من بعيد."
وقال السنّور وهو يقف عند باب الجحر: "يا فريدون، لقد فكّرت طويلًا في كلامك تلك الليلة، وعرفت أنك على حق. سأحترم رغبتك." ثم أضاف: "وإذا احتجت إليّ يومًا، فنادني، وسآتي لمساعدتك."
فهم السنّور كلام الجرذ، ولم يغضب، بل قال: "أنت حكيم يا فريدون، وأحترم حذرك." ومنذ ذلك اليوم، صار القطّ لا يقترب من جحر الجرذ، وصار الجرذ لا يخاف كثيرًا عندما يراه من بعيد، وكان كل منهما يحيّي الآخر بإيماءة لطيفة كلما التقيا.
وبعد سنوات، صار الجرذ يحكي لأحفاده هذه القصة، ويقول: "يا صغاري، لقد تعلّمت تلك الليلة أن العدو قد يصبح عونًا إذا جمعتنا الحاجة، وأن الوعد يجب أن يُحفظ مهما كان. لكنني تعلّمت أيضًا أن الحذر لا يعني الكره، بل يعني الحكمة." وكان الأحفاد يستمعون بانتباه، ويحفظون كلام جدّهم.
ويعلّمنا هذا المثل من كليلة ودمنة أن العاقل يبحث عن الحل حتى في أصعب المواقف، وأن التعاون قد يجمع حتى المختلفين عندما يحتاج بعضهم إلى بعض. ويعلّمنا أيضًا أن نفي بوعودنا دائمًا، وأن نكون حذرين بحكمة، فالوفاء والحذر صديقان لا يفترقان.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!