أسطورة اليراعة التي حملت شرارة القمر

أسطورة اليراعة التي حملت شرارة القمر

📝 ملخص القصة

تحكي هذه الأسطورة كيف كانت اليراعات قديمًا حشرات باهتة بلا ضوء، حتى انطلقت يراعة صغيرة اسمها ومضة في رحلة طويلة إلى قمّة الجبل، لتطلب من القمر نورًا ترشد به صغار القرية التائهين في الغابة.

📖 نص القصة

يقول كبار السنّ في قرى الوديان الخضراء، حين يجتمعون مع الأطفال في ليالي الصيف على أسطح البيوت، إن اليراعات لم تكن تضيء في قديم الزمان. كانت حشرات صغيرة رمادية اللون، لا يلتفت إليها أحد، تعيش بين أعشاب ضفاف النهر، وتطير في الظلام دون أن يراها أحد. وكانت الفراشات تتباهى بألوان أجنحتها، والنحل يفخر بعسله، والجنادب تتغنّى بأصواتها، أما اليراعات فلم يكن عندها شيء تفخر به. ويقولون إن ذلك تغيّر في ليلة واحدة، بسبب يراعة صغيرة اسمها ومضة، كانت أضعف أخواتها جناحًا، لكنها أشجعهنّ قلبًا.

وكانت في الوادي قرية صغيرة يعيش أهلها على الزراعة ورعي الماشية، وبين القرية والمراعي غابة كثيفة من أشجار البلّوط والجوز، تتشابك أغصانها حتى تحجب السماء. وكان الأطفال يذهبون في النهار ليجمعوا الجوز والحطب، ويعودون قبل الغروب، لأن الطريق في الغابة يختفي تمامًا حين يأتي الليل. ولم يكن الناس يومئذ يملكون من النور إلا مشاعل صغيرة تنطفئ مع أول هبّة ريح. وكانت الأمّهات يقلن دائمًا: عودوا قبل أن تغيب الشمس، فالغابة في الليل بحر من السواد.

وفي مساء خريفيّ، خرج ثلاثة أطفال من القرية إلى الغابة: أخوان صغيران، وابنة جارهما. تأخّروا وهم يجمعون الجوز، لأن الأشجار كانت ذلك العام مثقلة بالثمار، ولم ينتبهوا إلى الشمس وهي تميل خلف الجبل. وحين رفعوا رؤوسهم، كان الظلام قد نزل، والطريق قد اختفى، والأشجار كلها صارت متشابهة. جلس الأطفال الثلاثة تحت شجرة كبيرة، متلاصقين، وقالت البنت تشجّع الصغيرين: لا تخافوا، سيبحث عنّا أهلنا. لكن صوتها كان يرتجف هو الآخر.

كانت ومضة تطير قرب تلك الشجرة، فسمعت حديثهم. ورأت من بعيد، عند طرف الغابة، مشاعل أهل القرية تتحرّك وتنطفئ، وسمعت أصواتهم تنادي بأسماء الأطفال، لكن الغابة كانت واسعة والنداء يضيع بين الأشجار. حزنت ومضة حزنًا شديدًا، وقالت لأخواتها: يجب أن نفعل شيئًا! قالت أختها الكبرى: وماذا نستطيع نحن؟ نحن حشرات رمادية صغيرة، لا صوت لنا ولا نور. عندها رفعت ومضة رأسها إلى السماء، فرأت القمر يطلّ من فوق قمّة الجبل، فقالت: القمر عنده نور كثير. سأطير إليه وأطلب منه قليلًا منه.

ضحكت اليراعات وقالت: القمر بعيد جدًا، وجناحاك ضعيفان، والريح على قمّة الجبل قويّة. لكن ومضة كانت قد قرّرت. وقبل أن تنطلق، طارت إلى الأطفال، ووقفت على كتف أصغرهم، وكأنها تقول: انتظروا، سأعود. ثم طارت إلى أعلى، فوق الأغصان، فوق الغابة كلّها، وبدأت تصعد نحو الجبل. كانت الريح الباردة تدفعها إلى الخلف، فتتعلّق بورقة شجرة حتى تهدأ، ثم تطير من جديد. وكلما شعرت بالتعب، تذكّرت وجوه الأطفال الخائفة، فتطير أكثر.

وفي منتصف الطريق، التقت بومة عجوز تجلس على صخرة. قالت البومة: إلى أين أيتها الصغيرة في هذا البرد؟ قالت ومضة: إلى القمر، لأطلب نورًا لأطفال ضائعين في الغابة. قالت البومة: أنا أرى في الظلام، لكنني لا أستطيع أن أُري الآخرين. نصيحتي لكِ: القمر لا يعطي نوره لمن يطلبه لنفسه. فإن سألكِ، فقولي الحقيقة. شكرتها ومضة، وتابعت صعودها. وكانت تمرّ بالصخور المغطّاة بالصقيع، والأعشاب التي تصفّر فيها الريح، حتى بلغت قمّة الجبل، وقد صار جناحاها ثقيلين من البرد والتعب.

كان القمر في تلك الليلة بدرًا كاملًا، قريبًا من القمّة حتى ظنّت ومضة أنها تستطيع أن تلمسه. وقفت على أعلى صخرة، وقالت بصوتها الصغير: يا قمر، أنا ومضة اليراعة. في الغابة أطفال تائهون، وأهلهم يبحثون عنهم ولا يجدونهم. أعطني قليلًا من نورك لأدلّهم على الطريق. وسكتت الريح فجأة، وسمعت ومضة صوتًا هادئًا عميقًا كأنه يأتي من كل مكان: لماذا تتعبين نفسك يا صغيرة من أجل أطفال لا يعرفونك، ولن يشكروكِ، وربما لن يروكِ أبدًا؟

فكّرت ومضة، ثم قالت: لأنهم خائفون، وأنا أعرف كيف يكون الخوف في الظلام، فأنا أعيش فيه كل ليلة. ولا أريد أن يشكرني أحد، أريد فقط أن يعودوا إلى بيوتهم. عندها أضاء القمر أكثر، وقال: إن من يحمل النور لغيره لا ينطفئ أبدًا. ونزلت من القمر شرارة فضّية صغيرة جدًا، أصغر من حبّة الرمل، واستقرّت في ذيل ومضة. فأحسّت بدفء لطيف يملأ جسمها، ونظرت خلفها، فإذا ذيلها يضيء بنور أخضر ذهبيّ ناعم، مثل قطعة صغيرة من القمر.

لم تنتظر ومضة لحظة واحدة. طارت نازلة من الجبل، والريح هذه المرة تدفعها إلى الأمام بدل أن تردّها، كأن الجبل كلّه يريد أن يساعدها. ودخلت الغابة، فرأتها اليراعات الأخرى تلمع بين الأشجار، فتعجّبن وطرن نحوها. قالت ومضة: لا وقت للكلام، اتبعنني! وطارت إلى الأطفال الثلاثة، فرفعوا رؤوسهم، ورأوا ضوءًا صغيرًا يرقص أمامهم. قالت البنت: انظروا! نجمة صغيرة نزلت من السماء! وقامت تمسك يدي الصغيرين، وتبعوا الضوء.

لكن نور ومضة كان صغيرًا، والغابة كبيرة، ولم يكن كافيًا ليراه أهل القرية من بعيد. فاقتربت أخواتها منها، وقالت الكبرى بخجل: نريد أن نساعد. لمست ومضة ذيل أختها بذيلها، فانتقل إليه شيء من النور، وظلّ ذيلها هي مضيئًا كما كان، لم ينقص منه شيء. وتذكّرت ومضة كلمات القمر: من يحمل النور لغيره لا ينطفئ. فلمست ذيل يراعة ثانية، وثالثة، وعاشرة، وانتقل النور من يراعة إلى يراعة، حتى امتلأت الغابة بمئات الأضواء الصغيرة، تصنع طريقًا لامعًا بين الأشجار، من مكان الأطفال حتى طرف القرية.

ورأى أهل القرية من بعيد هذا الطريق العجيب من النور، فتبعوه، والتقوا بأطفالهم في منتصف الغابة. وعانقت الأمّهات صغارهنّ وبكين فرحًا، ونظر الجميع حولهم مدهوشين إلى الأضواء الخضراء الذهبية التي ترقص في الهواء. وحكى الأطفال كيف ظهرت لهم أول نجمة صغيرة وقادتهم. ومنذ تلك الليلة، صار أهل القرية يسمّون اليراعات نجوم الأرض، ولا يؤذونها أبدًا، ويتركون لها في حقولهم أعشابًا طويلة على ضفاف النهر لتعيش فيها بأمان.

وتقول الأسطورة إن اليراعات ما زالت حتى اليوم تحمل في ذيولها شرارة القمر، وإنها تضيء في ليالي الصيف لتتذكّر رحلة ومضة، ولتقول لكل من تاه في الظلام: لست وحدك. ويقول الجدّات إن اليراعة إذا أضاءت قرب نافذتك، فهي تبحث عن طفل خائف لتطمئنه. ويقولون أيضًا إن البدر يبدو في ليالي الصيف أكثر ابتسامًا، لأنه يرى الغابات مليئة بأولاد ومضة.

وتعلّمنا هذه الأسطورة أن الصغير يستطيع أن يفعل شيئًا كبيرًا إذا كان قلبه شجاعًا ونيّته صافية، وأن النور الذي نعطيه لغيرنا لا ينقص منّا، بل يكبر ويتضاعف كلما تقاسمناه، وأن أجمل الأعمال هي التي نعملها لمساعدة الآخرين دون أن ننتظر منهم شكرًا.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×