📖 نص القصة
في كل خريف، كانت قرية التلال الذهبية تقيم مهرجانها الكبير بعد موسم قطف الزيتون. كانت الساحة تمتلئ بالأكشاك والأعلام الملوّنة ورائحة الخبز الطازج والزعتر، وكان أهم ما في المهرجان مسابقة الصنّاع الصغار، حيث يعرض أطفال القرية بين التاسعة والثانية عشرة أشياء صنعوها بأيديهم. وكانت الجائزة هذه السنة صندوقًا كاملًا من أدوات النجارة الجديدة، وصورة الفائز في صحيفة المحافظة، وفرصة لزيارة ورشة كبيرة في المدينة يصنع فيها الحرفيّون الألعاب الخشبية. وكان عامر، ذو الاثني عشر عامًا، يحلم بهذه الجائزة منذ سنتين.
كان عامر ماهرًا في النجارة، تعلّمها من أبيه الذي يصنع الأبواب والنوافذ في ورشة صغيرة خلف البيت. يعرف كيف ينشر الخشب مستقيمًا، وكيف يصقله حتى يصير ناعمًا مثل الحرير، وكيف يلوّنه دون أن تسيل الألوان. لكنه هذه السنة لم يكن يعرف ماذا يصنع. وذات مساء، جاءه صديقه إياد، وهو ولد هادئ يسكن في الحيّ المجاور، يحبّ الكتب القديمة والآلات ويفكّك كل شيء ليعرف كيف يعمل. فتح إياد دفترًا ممزّق الأطراف وقال: انظر يا عامر، رسمت هذا منذ شهر. جمل خشبيّ، إذا دفعته إلى الأمام، تتحرّك أرجله الأربع واحدة بعد أخرى، كأنه يمشي حقًّا. لكني لا أعرف النجارة، وليس عندنا أدوات.
نظر عامر إلى الرسم مدهوشًا. كانت فيه عجلة صغيرة مخفيّة في بطن الجمل، وقضبان رفيعة تصل العجلة بالأرجل، وحسابات دقيقة لطول كل قضيب. قال: هذه فكرة رائعة يا إياد! من أين جئت بها؟ قال إياد: رأيت في كتاب قديم رسمًا لآلات كانت تدير بها الحيوانات الطواحين، ففكّرت: ماذا لو عكسنا الفكرة، فجعلنا العجلة تحرّك الحيوان؟ فاتّفق الصديقان على أن يصنعا الجمل معًا: إياد يصمّم ويحسب، وعامر يقطع ويركّب ويلوّن، وأن يسجّلا المشروع في المسابقة باسميهما.
عمل الصديقان ثلاثة أسابيع في ورشة والد عامر بعد المدرسة. وكم مرّة فشلا! في المرة الأولى، كانت الأرجل تتحرّك كلها معًا فيقفز الجمل مثل الأرنب، فضحكا حتى استلقيا على نشارة الخشب. وفي المرة الثانية، انكسر قضيب رفيع، فجلس إياد ليلة كاملة يعيد الحسابات ويغيّر زاوية الوصلات. وفي المرة الثالثة، حين دفعا الجمل على الطاولة، مشى! خطوة، ثم خطوة، ثم خطوة، وسنامه يتمايل، ورأسه يهتزّ إلى الأعلى والأسفل. صرخ الاثنان فرحًا، وجاء والد عامر يركض ليرى ما حدث، ثم صفّق لهما طويلًا. ولوّن عامر الجمل باللون البنّي الذهبي، ورسم على سرجه نقوشًا حمراء وزرقاء تشبه نقوش السجّاد القديم.
وفي صباح يوم المهرجان، طرق عامر باب إياد ليذهبا معًا، ففتحت أمّه وقالت بقلق: إياد مريض، حرارته مرتفعة منذ الليل، ولن يستطيع الخروج اليوم. دخل عامر إلى غرفة صديقه، فوجده تحت الغطاء، وجهه أحمر وصوته ضعيف. قال إياد: اذهب يا عامر، واعرض الجمل. لا تجعل تعبنا يضيع. قال عامر: سأعرضه باسمينا، وسأخبرك بكل شيء. وحمل الجمل في صندوقه الخشبي، ومشى إلى الساحة وحده.
وقف عامر أمام طاولة العرض، وجاءت لجنة التحكيم: نجّار القرية العجوز أبو حسن، ومديرة المدرسة الأستاذة ميساء، ورجل من المدينة يعمل في ورشة الألعاب الكبيرة. وضع عامر الجمل على الطاولة ودفعه، فمشى خطواته المتمايلة، فشهق الناس المتجمّعون حوله وصفّقوا. انحنى الرجل القادم من المدينة، ونظر إلى الآلية المخفيّة بعدسة صغيرة، وقال: هذا تصميم ذكيّ جدًا، فيه حسابات لا يعرفها إلا المهندسون! ثم رفع رأسه وقال: أنت صمّمته وصنعته وحدك يا بنيّ؟ وفي تلك اللحظة نفسها، بدأت فرقة المهرجان تعزف، وارتفعت أصوات الناس، ودوّن الرجل شيئًا في ورقته قبل أن يسمع جواب عامر، ثم انتقل إلى الطاولة التالية.
وعند الظهر، صعدت الأستاذة ميساء إلى المنصّة، وأعلنت: الجائزة الأولى في مسابقة الصنّاع الصغار تذهب إلى عامر، صاحب الجمل الخشبي الذي يمشي، تصميمًا وصنعًا! انفجرت الساحة بالتصفيق، وركض أصدقاء عامر نحوه، وحمله أبوه على كتفيه. وجاء مصوّر الصحيفة يلتقط صوره، وقال له: سنكتب عنك: الطفل المهندس الذي صنع جملًا يمشي. وشعر عامر أن قلبه يطير من الفرح، وأن الحلم الذي انتظره سنتين صار حقيقة.
لكن حين نزل عن كتفي أبيه، ونظر إلى الجمل على الطاولة، شعر بشيء غريب في معدته، مثل حجر بارد. تذكّر إياد في سريره، ووجهه الأحمر، ودفتره الممزّق الأطراف. ثم سمع صوتًا صغيرًا في رأسه يقول: لا أحد يعرف. إياد مريض، ولن يسأل أحد. والفكرة كانت ستبقى رسمًا في دفتر لولا يداك. لقد عملت أنت أكثر منه بالساعات. وكان الصوت مقنعًا، وكان الناس يبتسمون له من كل جانب، ويربتون على كتفه، ويقولون: أحسنت يا مهندسنا الصغير!
حاول عامر أن يفرح، لكنه لم يستطع. فكّر: إذا سكتُّ الآن، سأحمل هذه الجائزة كل يوم، وكلما نظرت إليها سأرى وجه إياد. وإذا عرف إياد من الصحيفة أن اسمه لم يُذكر، كيف سأنظر في عينيه؟ ثم تذكّر شيئًا قاله أبوه مرة في الورشة: الخشب الذي فيه شقّ صغير مخفيّ يبدو جميلًا من الخارج، لكنه ينكسر يوم يحمل ثقلًا. والإنسان مثل الخشب يا بنيّ، شقوقه الصغيرة تكبر إذا أخفاها.
وقبل أن تنتهي الحفلة، مشى عامر إلى المنصّة بخطوات ثقيلة، وطلب من الأستاذة ميساء أن يقول كلمة. ساد الصمت، ونظر إليه الجميع، وشعر بأن ركبتيه ترتجفان. ثم قال بصوت واضح: شكرًا لكم على هذه الجائزة. لكن هناك شيء يجب أن تعرفوه. الجمل الذي يمشي ليس من صنعي وحدي. الفكرة والتصميم وكل الحسابات الصعبة التي أعجبت لجنة التحكيم هي من صديقي إياد، وهو مريض اليوم في بيته. أنا صنعت الخشب ولوّنته، لكن عقل الجمل هو عقل إياد. وكان يجب أن يكون اسمه معي من البداية.
سكتت الساحة لحظة طويلة. ثم صعد أبو حسن، النجّار العجوز، إلى المنصّة، ووضع يده على كتف عامر وقال: في خمسين سنة من النجارة، رأيت أيادي ماهرة كثيرة، لكن ما فعلته الآن أمهر من كل ما رأيت. ثم التفتت الأستاذة ميساء إلى الناس وقالت: لجنة التحكيم تعدّل قرارها: الجائزة الأولى تذهب إلى الفريق: إياد وعامر. وصفّق الناس هذه المرة أطول وأقوى من المرة الأولى، ورأى عامر أباه في آخر الساحة يمسح عينيه ويبتسم.
وفي المساء، ذهب عامر ومعه أبو حسن والرجل القادم من المدينة إلى بيت إياد. جلسوا حول سريره، وأراه عامر الكأس الصغيرة، وأخبره بكل ما حدث. وقال الرجل لإياد: حين تشفى، أنتظركما في ورشتنا في المدينة. نحتاج إلى من يصمّم مثلك، وإلى من يصنع مثل صديقك. ابتسم إياد ابتسامة كبيرة رغم الحمّى، وقال لعامر بصوت ضعيف: كنت أعرف أنك ستقول الحقيقة. وقسم الصديقان صندوق الأدوات بينهما، وظهرت في الصحيفة بعد أسبوع صورة لهما معًا، يقف بينهما الجمل الخشبي، وتحتها عنوان: صديقان صنعا جملًا يمشي.
وتعلّم عامر أن المديح الذي لا نستحقّه يشبه ثوبًا مستعارًا لا يدفئ، وأن الاعتراف بفضل الآخرين لا يُصغّرنا بل يرفعنا في عيون الناس وفي أعيننا، وأن الصدق قد يكون صعبًا في لحظته، لكنه يحفظ الصداقة ويترك القلب خفيفًا مرتاحًا، وهذا أثمن من كل الجوائز.
كان عامر ماهرًا في النجارة، تعلّمها من أبيه الذي يصنع الأبواب والنوافذ في ورشة صغيرة خلف البيت. يعرف كيف ينشر الخشب مستقيمًا، وكيف يصقله حتى يصير ناعمًا مثل الحرير، وكيف يلوّنه دون أن تسيل الألوان. لكنه هذه السنة لم يكن يعرف ماذا يصنع. وذات مساء، جاءه صديقه إياد، وهو ولد هادئ يسكن في الحيّ المجاور، يحبّ الكتب القديمة والآلات ويفكّك كل شيء ليعرف كيف يعمل. فتح إياد دفترًا ممزّق الأطراف وقال: انظر يا عامر، رسمت هذا منذ شهر. جمل خشبيّ، إذا دفعته إلى الأمام، تتحرّك أرجله الأربع واحدة بعد أخرى، كأنه يمشي حقًّا. لكني لا أعرف النجارة، وليس عندنا أدوات.
نظر عامر إلى الرسم مدهوشًا. كانت فيه عجلة صغيرة مخفيّة في بطن الجمل، وقضبان رفيعة تصل العجلة بالأرجل، وحسابات دقيقة لطول كل قضيب. قال: هذه فكرة رائعة يا إياد! من أين جئت بها؟ قال إياد: رأيت في كتاب قديم رسمًا لآلات كانت تدير بها الحيوانات الطواحين، ففكّرت: ماذا لو عكسنا الفكرة، فجعلنا العجلة تحرّك الحيوان؟ فاتّفق الصديقان على أن يصنعا الجمل معًا: إياد يصمّم ويحسب، وعامر يقطع ويركّب ويلوّن، وأن يسجّلا المشروع في المسابقة باسميهما.
عمل الصديقان ثلاثة أسابيع في ورشة والد عامر بعد المدرسة. وكم مرّة فشلا! في المرة الأولى، كانت الأرجل تتحرّك كلها معًا فيقفز الجمل مثل الأرنب، فضحكا حتى استلقيا على نشارة الخشب. وفي المرة الثانية، انكسر قضيب رفيع، فجلس إياد ليلة كاملة يعيد الحسابات ويغيّر زاوية الوصلات. وفي المرة الثالثة، حين دفعا الجمل على الطاولة، مشى! خطوة، ثم خطوة، ثم خطوة، وسنامه يتمايل، ورأسه يهتزّ إلى الأعلى والأسفل. صرخ الاثنان فرحًا، وجاء والد عامر يركض ليرى ما حدث، ثم صفّق لهما طويلًا. ولوّن عامر الجمل باللون البنّي الذهبي، ورسم على سرجه نقوشًا حمراء وزرقاء تشبه نقوش السجّاد القديم.
وفي صباح يوم المهرجان، طرق عامر باب إياد ليذهبا معًا، ففتحت أمّه وقالت بقلق: إياد مريض، حرارته مرتفعة منذ الليل، ولن يستطيع الخروج اليوم. دخل عامر إلى غرفة صديقه، فوجده تحت الغطاء، وجهه أحمر وصوته ضعيف. قال إياد: اذهب يا عامر، واعرض الجمل. لا تجعل تعبنا يضيع. قال عامر: سأعرضه باسمينا، وسأخبرك بكل شيء. وحمل الجمل في صندوقه الخشبي، ومشى إلى الساحة وحده.
وقف عامر أمام طاولة العرض، وجاءت لجنة التحكيم: نجّار القرية العجوز أبو حسن، ومديرة المدرسة الأستاذة ميساء، ورجل من المدينة يعمل في ورشة الألعاب الكبيرة. وضع عامر الجمل على الطاولة ودفعه، فمشى خطواته المتمايلة، فشهق الناس المتجمّعون حوله وصفّقوا. انحنى الرجل القادم من المدينة، ونظر إلى الآلية المخفيّة بعدسة صغيرة، وقال: هذا تصميم ذكيّ جدًا، فيه حسابات لا يعرفها إلا المهندسون! ثم رفع رأسه وقال: أنت صمّمته وصنعته وحدك يا بنيّ؟ وفي تلك اللحظة نفسها، بدأت فرقة المهرجان تعزف، وارتفعت أصوات الناس، ودوّن الرجل شيئًا في ورقته قبل أن يسمع جواب عامر، ثم انتقل إلى الطاولة التالية.
وعند الظهر، صعدت الأستاذة ميساء إلى المنصّة، وأعلنت: الجائزة الأولى في مسابقة الصنّاع الصغار تذهب إلى عامر، صاحب الجمل الخشبي الذي يمشي، تصميمًا وصنعًا! انفجرت الساحة بالتصفيق، وركض أصدقاء عامر نحوه، وحمله أبوه على كتفيه. وجاء مصوّر الصحيفة يلتقط صوره، وقال له: سنكتب عنك: الطفل المهندس الذي صنع جملًا يمشي. وشعر عامر أن قلبه يطير من الفرح، وأن الحلم الذي انتظره سنتين صار حقيقة.
لكن حين نزل عن كتفي أبيه، ونظر إلى الجمل على الطاولة، شعر بشيء غريب في معدته، مثل حجر بارد. تذكّر إياد في سريره، ووجهه الأحمر، ودفتره الممزّق الأطراف. ثم سمع صوتًا صغيرًا في رأسه يقول: لا أحد يعرف. إياد مريض، ولن يسأل أحد. والفكرة كانت ستبقى رسمًا في دفتر لولا يداك. لقد عملت أنت أكثر منه بالساعات. وكان الصوت مقنعًا، وكان الناس يبتسمون له من كل جانب، ويربتون على كتفه، ويقولون: أحسنت يا مهندسنا الصغير!
حاول عامر أن يفرح، لكنه لم يستطع. فكّر: إذا سكتُّ الآن، سأحمل هذه الجائزة كل يوم، وكلما نظرت إليها سأرى وجه إياد. وإذا عرف إياد من الصحيفة أن اسمه لم يُذكر، كيف سأنظر في عينيه؟ ثم تذكّر شيئًا قاله أبوه مرة في الورشة: الخشب الذي فيه شقّ صغير مخفيّ يبدو جميلًا من الخارج، لكنه ينكسر يوم يحمل ثقلًا. والإنسان مثل الخشب يا بنيّ، شقوقه الصغيرة تكبر إذا أخفاها.
وقبل أن تنتهي الحفلة، مشى عامر إلى المنصّة بخطوات ثقيلة، وطلب من الأستاذة ميساء أن يقول كلمة. ساد الصمت، ونظر إليه الجميع، وشعر بأن ركبتيه ترتجفان. ثم قال بصوت واضح: شكرًا لكم على هذه الجائزة. لكن هناك شيء يجب أن تعرفوه. الجمل الذي يمشي ليس من صنعي وحدي. الفكرة والتصميم وكل الحسابات الصعبة التي أعجبت لجنة التحكيم هي من صديقي إياد، وهو مريض اليوم في بيته. أنا صنعت الخشب ولوّنته، لكن عقل الجمل هو عقل إياد. وكان يجب أن يكون اسمه معي من البداية.
سكتت الساحة لحظة طويلة. ثم صعد أبو حسن، النجّار العجوز، إلى المنصّة، ووضع يده على كتف عامر وقال: في خمسين سنة من النجارة، رأيت أيادي ماهرة كثيرة، لكن ما فعلته الآن أمهر من كل ما رأيت. ثم التفتت الأستاذة ميساء إلى الناس وقالت: لجنة التحكيم تعدّل قرارها: الجائزة الأولى تذهب إلى الفريق: إياد وعامر. وصفّق الناس هذه المرة أطول وأقوى من المرة الأولى، ورأى عامر أباه في آخر الساحة يمسح عينيه ويبتسم.
وفي المساء، ذهب عامر ومعه أبو حسن والرجل القادم من المدينة إلى بيت إياد. جلسوا حول سريره، وأراه عامر الكأس الصغيرة، وأخبره بكل ما حدث. وقال الرجل لإياد: حين تشفى، أنتظركما في ورشتنا في المدينة. نحتاج إلى من يصمّم مثلك، وإلى من يصنع مثل صديقك. ابتسم إياد ابتسامة كبيرة رغم الحمّى، وقال لعامر بصوت ضعيف: كنت أعرف أنك ستقول الحقيقة. وقسم الصديقان صندوق الأدوات بينهما، وظهرت في الصحيفة بعد أسبوع صورة لهما معًا، يقف بينهما الجمل الخشبي، وتحتها عنوان: صديقان صنعا جملًا يمشي.
وتعلّم عامر أن المديح الذي لا نستحقّه يشبه ثوبًا مستعارًا لا يدفئ، وأن الاعتراف بفضل الآخرين لا يُصغّرنا بل يرفعنا في عيون الناس وفي أعيننا، وأن الصدق قد يكون صعبًا في لحظته، لكنه يحفظ الصداقة ويترك القلب خفيفًا مرتاحًا، وهذا أثمن من كل الجوائز.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!