الْبَطَّةُ بَيْضَاءُ وَالثَّعْلَبُ الْمُتَمَلِّقُ

الْبَطَّةُ بَيْضَاءُ وَالثَّعْلَبُ الْمُتَمَلِّقُ

📝 ملخص القصة

يمدح الثعلب المكّار جمال صوت البطة بيضاء ليخدعها ويبعدها عن البحيرة، لكنها تتذكّر نصيحة أمها فتنجو، وتتعلّم ألّا تغترّ بالكلام المعسول.

📖 نص القصة

فِي بُحَيْرَةٍ زَرْقَاءَ هَادِئَةٍ، بَيْنَ الْقَصَبِ الْأَخْضَرِ، كَانَتْ تَعِيشُ بَطَّةٌ صَغِيرَةٌ اسْمُهَا بَيْضَاءُ. كَانَ رِيشُهَا أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ، وَمِنْقَارُهَا أَصْفَرَ كَالشَّمْسِ. وَكَانَتْ تُحِبُّ أَنْ تَسْبَحَ، وَتَلْعَبَ مَعَ إِخْوَتِهَا، وَتُغَنِّي: «كَاك، كَاك، كَاك!»

وَكَانَتْ أُمُّهَا تَقُولُ لَهَا كُلَّ صَبَاحٍ: «يَا بَيْضَاءُ، الْعَبِي قُرْبَ الْمَاءِ، وَلَا تَذْهَبِي وَحْدَكِ إِلَى الْغَابَةِ. وَإِذَا سَمِعْتِ كَلَامًا حُلْوًا مِنْ غَرِيبٍ، فَاحْذَرِي، فَلَيْسَ كُلُّ كَلَامٍ حُلْوٍ صَادِقًا».

وَكَانَ فِي الْغَابَةِ الْقَرِيبَةِ ثَعْلَبٌ مَكَّارٌ، ذَيْلُهُ طَوِيلٌ، وَعَيْنَاهُ لَامِعَتَانِ. وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَطِّ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: «آه! لَوْ أَصْطَادُ بَطَّةً سَمِينَةً لِلْعَشَاءِ!» لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْبَحَ، فَكَانَ يَنْتَظِرُ.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، خَرَجَتْ بَيْضَاءُ إِلَى الشَّاطِئِ، وَجَلَسَتْ عَلَى صَخْرَةٍ تُغَنِّي. فَاقْتَرَبَ الثَّعْلَبُ بِهُدُوءٍ، وَوَقَفَ بَعِيدًا قَلِيلًا، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً، وَقَالَ: «صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا أَجْمَلَ بَطَّةٍ فِي الدُّنْيَا!»

فَرِحَتْ بَيْضَاءُ بِالْمَدِيحِ، وَقَالَتْ: «صَبَاحُ النُّورِ». فَقَالَ الثَّعْلَبُ: «يَا لَهُ مِنْ صَوْتٍ عَذْبٍ! سَمِعْتُكِ مِنْ بَعِيدٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّ بُلْبُلًا يُغَنِّي! صَوْتُكِ أَجْمَلُ مِنْ صَوْتِ الْبَلَابِلِ كُلِّهَا!»

فَانْتَفَخَ رِيشُ بَيْضَاءَ مِنَ الْفَخْرِ، وَقَالَتْ: «حَقًّا؟» قَالَ الثَّعْلَبُ: «حَقًّا وَاللَّهِ! وَالْيَوْمَ عِنْدَنَا فِي الْغَابَةِ حَفْلَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْغِنَاءِ، وَكُلُّ الْحَيَوَانَاتِ تَنْتَظِرُ مُغَنِّيَةً جَمِيلَةً مِثْلَكِ. تَعَالَيْ مَعِي، وَسَتَفُوزِينَ بِالتَّاجِ!»

وَقَامَتْ بَيْضَاءُ، وَمَشَتْ خُطْوَةً نَحْوَ الْغَابَةِ... ثُمَّ خُطْوَةً أُخْرَى... ثُمَّ تَوَقَّفَتْ. لَقَدْ تَذَكَّرَتْ كَلَامَ أُمِّهَا: «لَيْسَ كُلُّ كَلَامٍ حُلْوٍ صَادِقًا». وَنَظَرَتْ إِلَى الثَّعْلَبِ، فَرَأَتْ لِسَانَهُ يَتَحَرَّكُ، وَأَسْنَانَهُ الْحَادَّةَ تَلْمَعُ.

فَفَكَّرَتْ بَيْضَاءُ بِسُرْعَةٍ، وَقَالَتْ: «شُكْرًا يَا سَيِّدِي الثَّعْلَبُ. لَكِنَّ الْمُغَنِّيَةَ الْجَيِّدَةَ لَا تَذْهَبُ إِلَى الْحَفْلَةِ بِلَا فِرْقَتِهَا. انْتَظِرْ قَلِيلًا، سَأُنَادِي أُمِّي وَإِخْوَتِي، وَخَالِي الْإِوَزَّ الْكَبِيرَ، لِيُغَنُّوا مَعِي!»

فَلَمَّا سَمِعَ الثَّعْلَبُ اسْمَ الْإِوَزِّ الْكَبِيرِ، خَافَ، لِأَنَّ الْإِوَزَّ قَوِيٌّ، وَيَضْرِبُ بِجَنَاحَيْهِ ضَرْبًا شَدِيدًا. فَقَالَ مُتَلَعْثِمًا: «لَا، لَا... الْحَفْلَةُ... الْحَفْلَةُ تَأَجَّلَتْ إِلَى يَوْمٍ آخَرَ!» وَهَرَبَ إِلَى الْغَابَةِ، وَذَيْلُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ.

فَقَفَزَتْ بَيْضَاءُ إِلَى الْمَاءِ، وَسَبَحَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى أُمِّهَا، وَحَكَتْ لَهَا مَا حَدَثَ. فَضَمَّتْهَا أُمُّهَا تَحْتَ جَنَاحِهَا، وَقَالَتْ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكِ يَا بُنَيَّتِي. لَقَدْ كِدْتِ تَقَعِينَ فِي الْفَخِّ، لَكِنَّكِ تَذَكَّرْتِ النَّصِيحَةَ، وَاسْتَعْمَلْتِ عَقْلَكِ».

قَالَتْ بَيْضَاءُ: «يَا أُمِّي، لِمَاذَا مَدَحَنِي الثَّعْلَبُ كَثِيرًا؟» قَالَتِ الْأُمُّ: «لِأَنَّ الْمُتَمَلِّقَ يَمْدَحُكِ لِيَأْخُذَ مِنْكِ شَيْئًا، لَا لِأَنَّهُ يُحِبُّكِ. أَمَّا الصَّدِيقُ الْحَقِيقِيُّ، فَيَقُولُ لَكِ الْحَقَّ، وَيُرِيدُ لَكِ الْخَيْرَ».

وَحِينَ رَجَعَ إِخْوَتُهَا مِنَ اللَّعِبِ، حَكَتْ لَهُمْ بَيْضَاءُ الْقِصَّةَ كُلَّهَا. فَقَالَ أَخُوهَا الصَّغِيرُ: «وَلَوْ جَاءَنِي الثَّعْلَبُ، مَاذَا أَفْعَلُ؟» قَالَتِ الْأُمُّ: «تَبْقَى قُرْبَ الْمَاءِ، وَتُنَادِي أَهْلَكَ، وَلَا تَذْهَبُ مَعَ غَرِيبٍ أَبَدًا، مَهْمَا قَالَ لَكَ مِنْ كَلَامٍ حُلْوٍ». فَقَالَ الْبَطُّ الصَّغِيرُ كُلُّهُ مَعًا: «لَا نَذْهَبُ مَعَ غَرِيبٍ أَبَدًا!» وَضَحِكَتِ الْأُمُّ، وَعَدَّتْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا: «وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ، أَرْبَعَةٌ... وَبَيْضَاءُ الشُّجَاعَةُ خَمْسَةٌ!»

وَفِي الْمَسَاءِ، جَلَسَ الْبَطُّ كُلُّهُ عَلَى صَفْحَةِ الْبُحَيْرَةِ، وَغَنَّتْ بَيْضَاءُ مَعَ إِخْوَتِهَا: «كَاك، كَاك، كَاك!» وَصَفَّقَ لَهَا الضُّفْدَعُ وَالسَّمَكُ. وَكَانَ صَوْتُهَا عَادِيًّا، لَيْسَ كَصَوْتِ الْبُلْبُلِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ سَعِيدَةً جِدًّا، لِأَنَّهَا تُغَنِّي بَيْنَ أَهْلِهَا الَّذِينَ يُحِبُّونَهَا حَقًّا.

وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، رَأَتْ بَيْضَاءُ الثَّعْلَبَ مِنْ بَعِيدٍ يَخْتَبِئُ خَلْفَ الْقَصَبِ. فَلَمْ تَخَفْ، بَلْ سَبَحَتْ إِلَى وَسَطِ الْبُحَيْرَةِ مَعَ إِخْوَتِهَا، وَغَنَّتْ بِصَوْتٍ عَالٍ: «كَاك، كَاك! نَحْنُ هُنَا مَعًا!» فَعَرَفَ الثَّعْلَبُ أَنَّ حِيلَتَهُ لَنْ تَنْجَحَ، فَذَهَبَ بَعِيدًا وَلَمْ يَرْجِعْ.

وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، كُلَّمَا سَمِعَتْ بَيْضَاءُ مَدِيحًا كَثِيرًا مِنْ غَرِيبٍ، كَانَتْ تَبْتَسِمُ وَتَقُولُ: «شُكْرًا»، ثُمَّ تَسْأَلُ نَفْسَهَا: «مَاذَا يُرِيدُ مِنِّي؟»

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×