النَّحْلَةُ نَشِيطَةُ وَالْجُنْدُبُ الْكَسْلَانُ

النَّحْلَةُ نَشِيطَةُ وَالْجُنْدُبُ الْكَسْلَانُ

📝 ملخص القصة

تعمل النحلة نشيطة طوال الصيف وتدعو الجندب إلى العمل فيسخر منها، فإذا جاء الشتاء طرق بابها جائعًا، فتعلّمه درسًا في الجدّ وتعلّمه هي درسًا في الرحمة.

📖 نص القصة

فِي حَقْلٍ وَاسِعٍ مَمْلُوءٍ بِالْأَزْهَارِ الْمُلَوَّنَةِ، كَانَتْ تَعِيشُ نَحْلَةٌ صَغِيرَةٌ اسْمُهَا نَشِيطَةُ. وَكَانَتْ نَشِيطَةُ اسْمًا عَلَى مُسَمًّى: تَسْتَيْقِظُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَتَطِيرُ مِنْ زَهْرَةٍ إِلَى زَهْرَةٍ، وَتَجْمَعُ الرَّحِيقَ، وَتَصْنَعُ الْعَسَلَ الذَّهَبِيَّ فِي خَلِيَّتِهَا. وَكَانَتْ تُغَنِّي وَهِيَ تَعْمَلُ: «بِزْ، بِزْ، بِزْ... الْعَمَلُ حُلْوٌ كَالْعَسَلِ!»

وَكَانَ فِي الْحَقْلِ نَفْسِهِ جُنْدُبٌ أَخْضَرُ طَوِيلُ الرِّجْلَيْنِ. وَكَانَ الْجُنْدُبُ لَا يُحِبُّ الْعَمَلَ أَبَدًا. يَنَامُ حَتَّى الظُّهْرِ، ثُمَّ يَسْتَلْقِي تَحْتَ وَرَقَةٍ كَبِيرَةٍ، وَيَعْزِفُ عَلَى كَمَانِهِ الصَّغِيرِ، وَيُغَنِّي: «تِرْ، تِرْ، تِرْ... الصَّيْفُ طَوِيلٌ، فَلِمَاذَا التَّعَبُ؟»

وَفِي يَوْمٍ حَارٍّ، مَرَّتْ نَشِيطَةُ بِالْجُنْدُبِ، وَهِيَ تَحْمِلُ الرَّحِيقَ. فَقَالَتْ لَهُ بِلُطْفٍ: «يَا صَدِيقِي الْجُنْدُبُ، لِمَاذَا لَا تَجْمَعُ طَعَامًا لِلشِّتَاءِ؟ الشِّتَاءُ يَأْتِي بَارِدًا، وَلَا تَبْقَى فِيهِ أَزْهَارٌ وَلَا أَعْشَابٌ».

فَضَحِكَ الْجُنْدُبُ، وَقَالَ: «يَا نَحْلَةُ، أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَ إِلَّا الْعَمَلَ! انْظُرِي حَوْلَكِ، الطَّعَامُ فِي كُلِّ مَكَانٍ! الشِّتَاءُ بَعِيدٌ، بَعِيدٌ جِدًّا. تَعَالَيْ نُغَنِّي وَنَلْعَبُ!» فَهَزَّتْ نَشِيطَةُ رَأْسَهَا، وَطَارَتْ إِلَى عَمَلِهَا.

وَمَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَنَشِيطَةُ تَعْمَلُ، وَالْجُنْدُبُ يَلْعَبُ. وَكَانَتِ النَّمْلَةُ وَالْفَرَاشَةُ وَالْخُنْفُسَاءُ يَعْمَلْنَ أَيْضًا، كُلٌّ تُجَهِّزُ بَيْتَهَا لِلشِّتَاءِ. وَكُلَّمَا مَرَّتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِالْجُنْدُبِ، نَصَحَتْهُ، فَكَانَ يَضْحَكُ وَيَعْزِفُ: «تِرْ، تِرْ، تِرْ...»

ثُمَّ جَاءَ الْخَرِيفُ. فَاصْفَرَّتْ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ، وَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، وَذَبُلَتِ الْأَزْهَارُ. وَبَدَأَ الْجُنْدُبُ يَبْحَثُ عَنْ طَعَامٍ، فَلَا يَجِدُ إِلَّا الْقَلِيلَ. فَقَالَ: «لَا بَأْسَ، سَأَجِدُ غَدًا».

ثُمَّ جَاءَ الشِّتَاءُ. فَهَبَّتِ الرِّيحُ الْبَارِدَةُ، وَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَغَطَّى الثَّلْجُ الْحَقْلَ كُلَّهُ. وَلَمْ يَبْقَ عُشْبٌ وَلَا زَهْرَةٌ. فَارْتَجَفَ الْجُنْدُبُ مِنَ الْبَرْدِ، وَعَضَّهُ الْجُوعُ، وَلَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْزِفَ.

فَمَشَى الْجُنْدُبُ فِي الثَّلْجِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى خَلِيَّةِ نَشِيطَةَ، فَطَرَقَ الْبَابَ: طَق، طَق، طَق. فَفَتَحَتْ نَشِيطَةُ، فَرَأَتِ الْجُنْدُبَ نَحِيفًا، مُرْتَجِفًا، حَزِينًا.

قَالَ الْجُنْدُبُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ: «يَا نَشِيطَةُ، أَنَا جَائِعٌ وَبَرْدَانُ. كُنْتِ عَلَى حَقٍّ، وَكُنْتُ عَلَى خَطَأٍ. لَقَدْ لَعِبْتُ طُولَ الصَّيْفِ، وَلَمْ أُفَكِّرْ فِي الْغَدِ».

فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ نَشِيطَةُ، ثُمَّ قَالَتْ: «ادْخُلْ يَا صَدِيقِي، تَدَفَّأْ». وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَكَانٍ دَافِئٍ، وَأَعْطَتْهُ قَلِيلًا مِنَ الْعَسَلِ. فَأَكَلَ الْجُنْدُبُ، وَقَالَ: «شُكْرًا! أَنْتِ كَرِيمَةٌ جِدًّا. لَكِنْ لِمَاذَا تُسَاعِدِينَنِي، وَأَنَا سَخِرْتُ مِنْكِ؟»

قَالَتْ نَشِيطَةُ: «لِأَنَّ الرَّحْمَةَ جَمِيلَةٌ، وَلِأَنَّكَ اعْتَرَفْتَ بِخَطَئِكَ. لَكِنْ عِنْدِي شَرْطٌ». قَالَ الْجُنْدُبُ: «مَا هُوَ؟» قَالَتْ: «أَنْ تَعْزِفَ لَنَا كُلَّ مَسَاءٍ، لِتُفْرِحَ النَّحْلَ وَهُوَ يَرْتَاحُ بَعْدَ الْعَمَلِ. وَأَنْ تَعْمَلَ مَعَنَا فِي الرَّبِيعِ الْقَادِمِ».

فَفَرِحَ الْجُنْدُبُ، وَقَالَ: «أَعِدُكِ!» وَفِي كُلِّ مَسَاءٍ مِنْ لَيَالِي الشِّتَاءِ، كَانَ يَعْزِفُ أَلْحَانًا جَمِيلَةً، وَالنَّحْلُ يَسْتَمِعُ وَيَبْتَسِمُ. فَعَرَفَ أَنَّ مَوْهِبَتَهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَمَلًا نَافِعًا أَيْضًا.

وَفِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ جِدًّا، طَرَقَ الْبَابَ صَرْصُورٌ صَغِيرٌ جَائِعٌ، فَقَالَ الْجُنْدُبُ: «أَنَا أَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ!» وَقَسَمَ عَشَاءَهُ مَعَهُ، وَأَجْلَسَهُ بِجَانِبِهِ، وَعَزَفَ لَهُ لَحْنًا هَادِئًا حَتَّى نَامَ. فَنَظَرَتْ نَشِيطَةُ إِلَيْهِ وَابْتَسَمَتْ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: «الرَّحْمَةُ زَرْعٌ، وَهَذَا أَوَّلُ ثَمَرِهَا».

وَلَمَّا جَاءَ الرَّبِيعُ، وَتَفَتَّحَتِ الْأَزْهَارُ، كَانَ الْجُنْدُبُ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ إِلَى الْحَقْلِ. جَمَعَ الْبُذُورَ وَالْحُبُوبَ، وَخَزَّنَهَا فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ تَحْتَ الصَّخْرَةِ. وَكَانَ يُغَنِّي أُغْنِيَةً جَدِيدَةً: «تِرْ، تِرْ، تِرْ... أَعْمَلُ الْيَوْمَ، وَأَلْعَبُ بَعْدَ الْعَمَلِ!»

وَضَحِكَتْ نَشِيطَةُ وَقَالَتْ: «هَذِهِ أَجْمَلُ أُغْنِيَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْكَ!» وَصَارَ النَّحْلُ وَالْجُنْدُبُ أَصْدِقَاءَ، يَعْمَلُونَ فِي النَّهَارِ، وَيُغَنُّونَ فِي الْمَسَاءِ، وَيَعْرِفُونَ أَنَّ مَنْ جَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ زَرَعَ حَصَدَ.

وَكَانَتِ الْأُمَّهَاتُ فِي الْحَقْلِ يَحْكِينَ لِصِغَارِهِنَّ قِصَّةَ النَّحْلَةِ وَالْجُنْدُبِ، وَيَقُلْنَ: «اعْمَلُوا فِي وَقْتِ الْعَمَلِ، وَالْعَبُوا فِي وَقْتِ اللَّعِبِ، وَلَا تَنْسَوْا أَنْ تَرْحَمُوا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْكُمْ».

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×