العصفور الذي أحب المشاركة

العصفور الذي أحب المشاركة

📝 ملخص القصة

قصة لطيفة عن التعاون بين الحيوانات ومشاركة الطعام مع الأصدقاء.

📖 نص القصة

في غابة خضراء واسعة، على غصن عالٍ من شجرة سنديان كبيرة، كان يعيش عصفور صغير اسمه زقزوق. كان ريشه بنيًا فاتحًا، وعلى صدره بقعة صفراء صغيرة كأنها شمس، وكان صوته جميلًا يملأ الصباح بالغناء. وكان زقزوق نشيطًا جدًا، يستيقظ قبل كل العصافير.

وكان لزقزوق سرّ صغير لا يعرفه أحد. ففي طرف الغابة، خلف التلّة الصغيرة، كان هناك حقل قديم تركه المزارع، وفيه سنابل قمح وبذور عبّاد الشمس تتساقط على الأرض كل يوم. وكان زقزوق يطير إليه كل صباح، فيجد الحبوب الكثيرة اللذيذة، ويأكل حتى يشبع.

وكان زقزوق يعود من الحقل وبطنه ممتلئ، فيرى أصدقاءه العصافير يبحثون عن الطعام بين الأوراق والحشائش، ويتعبون كثيرًا ليجدوا حبّة أو حبّتين. لكنه لم يكن يخبرهم بسرّه، وكان يقول في نفسه: "إذا عرفوا مكان الحقل، فسيأكلون الحبوب كلها، ولن يبقى لي شيء."

وكانت صديقته العصفورة ريشة تسأله أحيانًا: "يا زقزوق، كيف تجد الطعام بهذه السهولة؟ أنت دائمًا شبعان ونشيط!" فكان يبتسم ويقول: "أنا أستيقظ مبكرًا فقط." ثم يطير بعيدًا قبل أن تسأله مرة أخرى. وكان يشعر في قلبه بشيء غريب، لكنه لم يفهم ما هو.

ومرّت الأيام، وكان زقزوق يأكل وحده كل صباح، ويغنّي وحده كل مساء. ولاحظ أن أصدقاءه صاروا يجتمعون معًا ويتحدّثون ويضحكون، أما هو فكان يجلس على غصنه بعيدًا. وكان غناؤه جميلًا، لكن لم يكن أحد يغنّي معه، فشعر أحيانًا بالوحدة.

وفي يوم من أيام الخريف، تجمّعت غيوم رمادية كثيفة في السماء، وهبّت ريح باردة، ثم بدأ المطر يهطل بغزارة. استمرّ المطر طوال اليوم، وفي اليوم التالي أيضًا. وامتلأت الأرض بالماء والطين، واختبأت الديدان والحشرات تحت التراب، وصار من الصعب جدًا إيجاد أي طعام.

ولجأت العصافير إلى أعشاشها، تحتمي من المطر تحت الأوراق الكبيرة، وتضمّ صغارها تحت أجنحتها لتدفئهم. وكان صوت المطر على الأوراق قويًا: طق طق طق، والريح تهزّ الأغصان يمينًا ويسارًا. ولم يخرج أحد للبحث عن الطعام، فقد كان الجوّ صعبًا جدًا.

في صباح اليوم الثالث، توقّف المطر قليلًا، فطار زقزوق كعادته إلى الحقل السرّي. وهناك وجد الحبوب كما هي، محميّة تحت سنابل القمح الكثيفة. أكل حتى شبع، ثم عاد إلى الغابة. وفي طريقه، رأى منظرًا جعله يتوقف في الهواء.

رأى أصدقاءه العصافير يقفون على الأغصان المبلّلة، ريشهم منفوش من البرد، وعيونهم متعبة. كانت ريشة تبحث في الطين دون جدوى، والعصفور الصغير فرفور يرتجف ويقول لأمه: "أنا جائع يا أمي." وكانت أمه تقول بحزن: "اصبر يا صغيري، سنجد شيئًا قريبًا."

حطّ زقزوق على غصن قريب، وشعر بأن قلبه يؤلمه. نظر إلى فرفور الصغير الجائع، ثم نظر إلى بطنه الممتلئ. وتذكّر كل الأيام التي أكل فيها وحده بينما كان أصدقاؤه يتعبون. وسأل نفسه: "ماذا أفعل؟ إذا أخبرتهم، فقد تنقص الحبوب. وإذا لم أخبرهم، فسيبقون جائعين."

فكّر زقزوق قليلًا، وتذكّر ما كانت جدّته العصفورة العجوز تقول له عندما كان صغيرًا في العشّ: "يا زقزوق، الخير الذي نحتفظ به لأنفسنا يبقى صغيرًا، أما الخير الذي نشاركه مع غيرنا فيكبر ويتضاعف." لم يفهم كلامها يومها، لكنه بدأ يفهمه الآن.

فرفرف زقزوق بجناحيه، وطار إلى وسط الأغصان، وقال بصوت عالٍ: "يا أصدقائي! اسمعوني جميعًا! أنا أعرف مكانًا فيه حبوب كثيرة، تكفينا كلنا. اتبعوني!" نظرت إليه العصافير بدهشة، وقالت ريشة: "حقًا يا زقزوق؟ أين هذا المكان؟" قال: "تعالوا وسترون!"

طار زقزوق في المقدّمة، وتبعته العصافير كلها: ريشة، وفرفور وأمه، والعصفور العجوز أبو نقرة، وعصافير أخرى كثيرة. طاروا فوق التلّة الصغيرة، والهواء البارد يداعب ريشهم، حتى وصلوا إلى الحقل القديم. وعندما رأوا الحبوب، صاحوا من الفرح.

نزلت العصافير إلى الحقل، وبدأت تأكل الحبوب اللذيذة بسعادة. أكل فرفور حتى امتلأ بطنه الصغير، ثم قفز إلى زقزوق وقال: "شكرًا يا عمّو زقزوق! أنت أطيب عصفور في الغابة!" وشعر زقزوق بدفء جميل يملأ قلبه، دفء لم يشعر به من قبل حتى عندما كان يأكل وحده.

وبعد أن شبعوا، لاحظ العصفور العجوز أبو نقرة شيئًا مهمًا، فقال: "يا أصدقائي، هذه الحبوب كثيرة، لكنها لن تبقى إلى الأبد. علينا أن نأكل منها باعتدال، وأن نحمل بعضها إلى أعشاشنا للأيام الصعبة." ووافق الجميع على أن يتقاسموها بعدل، فلا يأخذ أحد أكثر من حاجته.

ثم اقترحت ريشة فكرة جميلة: "لماذا لا نزرع بعض هذه البذور في الغابة قرب بيوتنا؟ فتنبت في الربيع، ويصبح عندنا حقل خاص بنا." فرح الجميع بالفكرة، وأخذ كل عصفور بعض البذور، ودفنوها في التراب الطري قرب شجرة السنديان.

وفي ذلك المساء، عندما عادت العصافير إلى الغابة، اجتمعت كلها تحت الغصن الكبير لشجرة السنديان. وبدأ زقزوق يغنّي أغنيته الجميلة، فانضمّت إليه ريشة، ثم فرفور، ثم كل العصافير. وامتلأت الغابة بأجمل لحن سمعته منذ زمن، لحن الصداقة والفرح.

وجاءت السنجابة سمسمة، والأرنب أبو أذنين، ليستمعا إلى الغناء. وقالت سمسمة: "ما هذا الغناء الرائع؟ لم أسمع العصافير تغنّي هكذا من قبل!" قال أبو نقرة: "إنها أغنية الشكر لزقزوق، الذي شاركنا طعامه في الأيام الصعبة." فابتسم زقزوق خجلًا.

وفي الأيام التالية، عرف زقزوق أن المشاركة لم تُنقص من سعادته شيئًا، بل زادتها كثيرًا. صار له أصدقاء يطيرون معه كل صباح، ويضحكون معه، ويغنّون معه. وعندما مرض في أحد الأيام وبقي في عشّه، جاءته ريشة وفرفور بالحبوب والماء، واعتنوا به حتى شُفي.

قال زقزوق لريشة وهي تعتني به: "كنت أظنّ أن الحبوب ستنقص إذا شاركتها، لكنني اكتشفت أنني حصلت على شيء أثمن من الحبوب." سألته ريشة: "وما هو؟" قال: "أصدقاء حقيقيون، وقلب سعيد." فابتسمت ريشة وقالت: "هذا ما يحدث عندما نفتح قلوبنا للآخرين."

وعندما جاء الربيع، نبتت البذور التي زرعوها قرب شجرة السنديان، وصار عندهم حقل صغير جميل مليء بزهور عبّاد الشمس الصفراء والسنابل الخضراء. وكانت العصافير كلها تعتني به معًا، وتأكل منه معًا، وتشارك منه الحيوانات الأخرى في الغابة أيضًا.

وكان زقزوق يقف كل صباح على أعلى غصن، وينظر إلى الحقل الجديد وأصدقائه حوله، ويغنّي بصوت أجمل من أي وقت مضى. وكانت جدّته العجوز تستمع إليه من عشّها وتبتسم، لأنها عرفت أن حفيدها تعلّم أهمّ درس في الحياة.

ومنذ ذلك اليوم، صار زقزوق أسعد عصفور في الغابة، وصار يُعرف بين الحيوانات باسم "العصفور الكريم". وكان يعلّم صغار العصافير أن يقتسموا ما يجدونه مع إخوتهم وأصدقائهم، ويحكي لهم قصة الأيام الممطرة والحقل السرّي.

وتعلّمنا من حكاية زقزوق أن المشاركة لا تُنقص الخير، بل تزيده وتباركه، وأن ما نعطيه للآخرين يعود إلينا حبًّا وصداقة وفرحًا. فالقلب الذي يشارك لا يشعر بالوحدة أبدًا، والمشاركة تجمع القلوب، وتجعل الأيام الصعبة أسهل، والأيام الجميلة أجمل.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×