جود ولحاف الجدّة المرقّع

جود ولحاف الجدّة المرقّع

📝 ملخص القصة

تقضي جود الصغيرة ليلتها الأولى في بيت جدّتها فتشعر بالشوق إلى غرفتها، فتحكي لها الجدّة حكاية كل رقعة ملوّنة في اللحاف القديم، حتى تغفو جود وهي تشعر أن اللحاف يحضنها بالذكريات الجميلة.

📖 نص القصة

كانت جود بنتًا صغيرة في الرابعة من عمرها، لها شعر أسود قصير وعينان تلمعان كحبّتي زيتون. وفي يوم من أيام الخريف، قالت لها أمّها: يا جود، ستنامين الليلة في بيت جدّتك، لأنّ أبي وأنا سنسافر يومًا واحدًا ونعود غدًا صباحًا. فرحت جود كثيرًا، فهي تحبّ جدّتها، وتحبّ بيتها الذي تفوح منه رائحة الخبز والنعناع. حملت جود حقيبتها الصغيرة، ووضعت فيها بيجامتها الزهريّة، ودبّها البنّي الصغير الذي تسمّيه زغلول، وفرشاة أسنانها الخضراء.

في بيت الجدّة، لعبت جود طول النهار. سقت معها أصص الريحان على الشبّاك، وصنعتا معًا كعكًا صغيرًا على شكل نجوم، وأطعمتا القطّة البيضاء التي تأتي كلّ يوم إلى باب المطبخ. ضحكت جود كثيرًا، ونسيت أنّ أمّها بعيدة. لكن عندما غابت الشمس، وصار لون السماء أزرق داكنًا، وظهر القمر الصغير في النافذة، بدأت جود تشعر بشيء غريب في قلبها. صارت هادئة، وجلست على طرف السرير، وضمّت زغلول إلى صدرها.

دخلت الجدّة الغرفة تحمل كوبًا من الحليب الدافئ، ورأت وجه جود الحزين. جلست بجانبها وسألتها بصوت حنون: ما بكِ يا حبيبتي؟ قالت جود وعيناها تدمعان قليلًا: أشتاق إلى غرفتي يا جدّتي، وإلى سريري، وإلى أمّي التي تقرأ لي كلّ ليلة. هذه الغرفة كبيرة، وأنا لا أعرف أصواتها. ابتسمت الجدّة، ومسحت على شعر جود، وقالت: الشوق شعور جميل يا جود، معناه أنّك تحبّين بيتك وأهلك. وأنا عندي فكرة تجعل هذه الغرفة صديقتك.

قامت الجدّة إلى الخزانة الخشبيّة القديمة، وأخرجت لحافًا كبيرًا مصنوعًا من مربّعات صغيرة كثيرة، كلّ مربّع بلون مختلف: أحمر وأصفر وأزرق وأخضر وبنفسجيّ ووردي. فرشته فوق السرير، فصار السرير كأنّه حديقة ملوّنة. قالت جود بدهشة: ما أجمله! من أين جاء هذا اللحاف يا جدّتي؟ قالت الجدّة: خِطْتُه بيديّ منذ سنوات طويلة، وكلّ رقعة فيه لها حكاية. هل تريدين أن تسمعي الحكايات؟ هزّت جود رأسها بسرعة، واندسّت تحت اللحاف مع زغلول.

أشارت الجدّة إلى رقعة صفراء عليها زهور صغيرة، وقالت: هذه الرقعة من فستان أمّك عندما كانت في عمرك. كانت تلبسه وتركض في الحديقة وراء الفراشات، وكانت تقع وتقوم وتضحك. لمست جود الرقعة الصفراء بإصبعها الصغير، وتخيّلت أمّها بنتًا صغيرة تركض بين الزهور، فابتسمت. ثم أشارت الجدّة إلى رقعة زرقاء فيها خطوط بيضاء، وقالت: وهذه من قميص جدّك رحمه الله، كان يلبسه عندما يأخذنا إلى البحر يوم الجمعة، ويبني لأمّك قصورًا من الرمل.

قالت جود: وهذه الرقعة الحمراء؟ ضحكت الجدّة وقالت: هذه من شال قديم كنت ألبسه في الشتاء، ويوم وُلدتِ أنتِ يا جود لففتُكِ به وأنتِ صغيرة جدًّا مثل حبّة الخوخ. فتحت جود عينيها وقالت: أنا كنت ملفوفة بهذا الشال؟ قالت الجدّة: نعم، وكنتِ تمسكين إصبعي بيدك الصغيرة ولا تتركينه. ضمّت جود الرقعة الحمراء إلى خدّها، وشعرت أنّها دافئة جدًّا، كأنّها تعرفها منذ زمن طويل.

ثمّ أشارت الجدّة إلى رقعة خضراء صغيرة في الزاوية، وقالت: وهذه آخر رقعة خِطْتُها. هل تعرفين من أين هي؟ فكّرت جود قليلًا ثم هزّت كتفيها. قالت الجدّة: إنّها من مريلة المطبخ التي لبسناها اليوم ونحن نصنع كعك النجوم. قطعتُ منها قطعة صغيرة وخِطتُها هنا، حتى يتذكّر اللحاف يومنا الجميل معًا. صاحت جود فرحًا: يعني أنا صار لي رقعة في اللحاف! قالت الجدّة: نعم يا حبيبتي، أنتِ الآن جزء من حكاية هذا اللحاف.

صار الليل هادئًا، وسمعت جود صوتًا خفيفًا عند النافذة: طق، طق. خافت قليلًا وسألت: ما هذا الصوت؟ قالت الجدّة: هذا غصن شجرة الليمون يسلّم على النافذة، يقول لكِ: تصبحين على خير يا جود. ثم سمعت جود صوتًا آخر بعيدًا: مياو. فضحكت وقالت: وهذه القطّة البيضاء تقول تصبحين على خير أيضًا! قالت الجدّة: صحيح، كلّ أصوات هذا البيت أصدقاء لكِ. لم تعد الغرفة كبيرة ولا غريبة، بل صارت مليئة بالأصدقاء والحكايات.

شربت جود الحليب الدافئ، ثمّ قالت: جدّتي، هل يمكن أن تقرئي لي كما تفعل أمّي؟ قالت الجدّة: سأفعل أفضل من ذلك، سأغنّي لكِ الأغنية التي كنت أغنّيها لأمّك. وبدأت الجدّة تغنّي بصوت ناعم هادئ: نامي يا صغيرة، نامي يا قمر، النجمة تحرسك والغيم سهر. أغمضت جود عينيها، وأخذت تتنفّس ببطء، ويدها الصغيرة على الرقعة الحمراء، وزغلول نائم في حضنها.

قبل أن تغفو تمامًا، همست جود: جدّتي، عندما أكبر سأخيط لحافًا مثل هذا، وأضع فيه رقعة من مريلتك. قبّلتها الجدّة على جبينها وقالت: وأنا سأعلّمك الخياطة خطوة خطوة. ثمّ أطفأت المصباح الكبير، وتركت المصباح الصغير مضاءً بنور برتقاليّ دافئ، وقالت: تصبحين على خير يا جود. لكنّ جود كانت قد نامت، تحلم بفراشات صفراء، وبحر أزرق، وكعك على شكل نجوم.

لكنّ جود لم تنم طويلًا في تلك الليلة الأولى من دون أن تستيقظ. ففي منتصف الليل فتحت عينيها، ورأت ظلًّا طويلًا على الحائط، فخافت وجلست في سريرها. نظرت جيّدًا، فإذا بالظلّ هو ظلّ الكرسيّ الخشبيّ الذي وضعت عليه الجدّة ثيابها. تذكّرت جود ما قالته جدّتها: كلّ ما في هذا البيت صديق لكِ. فقالت بصوت خافت: مرحبًا أيّها الكرسيّ، تصبح على خير. ثمّ سحبت اللحاف حتى ذقنها، ولمست الرقعة الحمراء، فعاد الأمان إلى قلبها.

وقبل أن تعود إلى النوم، أخذت جود تعدّ الرقع الملوّنة بإصبعها كما تعدّ النجوم: واحد أحمر، اثنان أصفر، ثلاثة أزرق، أربعة أخضر. وكلّما عدّت رقعة تذكّرت حكايتها: فستان أمّها، وقميص جدّها، وشال يوم ولادتها، ومريلة الكعك. وعندما وصلت إلى العدد عشرة، شعرت أنّ جفنيها صارا ثقيلين كحبّتي تمر، وأنّ السرير صار ناعمًا مثل غيمة.

وفي تلك اللحظة سمعت خطوات خفيفة، فإذا بالجدّة تطلّ من الباب لتطمئنّ عليها. رأت جود مستيقظة فاقتربت وجلست بجانبها، وأخذت تربّت على ظهرها برفق، وتهمس: أنا هنا يا جود، الجدّة قريبة منكِ. قالت جود وهي نصف نائمة: كنت أعدّ الرقع يا جدّتي. ابتسمت الجدّة وقالت: إذن صرتِ تحفظين حكايات اللحاف كلّها. وبقيت الجدّة بجانبها حتى عادت أنفاس جود هادئة منتظمة، ثمّ خرجت على أطراف أصابعها.

في الصباح، استيقظت جود على رائحة الخبز الطازج وصوت أمّها في الصالة. ركضت إليها وعانقتها بقوّة، وقالت: أمّي، أمّي، نمت تحت لحاف فيه فستانك الأصفر، وشال جدّتي الأحمر، ومريلة كعك النجوم! ضحكت الأمّ وقالت: إذن عرفتِ سرّ لحاف الجدّة. ومنذ ذلك اليوم، صارت جود تحبّ أن تنام عند جدّتها، لأنّها تعرف أنّ الشوق يصبح أخفّ عندما يحيط بنا من يحبّنا، وعندما نتذكّر اللحظات الجميلة معًا.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×