قصة سيدنا إدريس عليه السلام والصدق والصبر

قصة سيدنا إدريس عليه السلام والصدق والصبر

📝 ملخص القصة

تتعلّم ليان من جدّتها ما ذكره القرآن الكريم عن نبي الله إدريس عليه السلام: أنه كان صدّيقًا نبيًّا، ومن الصابرين، وأن الله رفعه مكانًا عليًّا، وتكتشف أن القصص القصيرة في القرآن تحمل دروسًا كبيرة.

📖 نص القصة

كانت ليان في الثامنة من عمرها، تحب الكتابة كثيرًا. عندها دفتر صغير وأقلام ملوّنة، تكتب فيه كل يوم شيئًا جديدًا. وفي يوم من الأيام، كانت تقرأ مع جدّتها في سورة مريم، فمرّت بآية فيها اسم لم تسمعه من قبل كثيرًا. توقّفت وسألت: «يا تيتا، من هو إدريس؟»

ابتسمت الجدّة، وأغلقت المصحف بلطف، وقالت: «إدريس عليه السلام نبيّ من أنبياء الله الكرام يا ليان. وهو من الأنبياء الأوائل الذين جاؤوا بعد أبينا آدم عليه السلام بزمن، وقبل نوح عليه السلام كما ذكر كثير من العلماء». قالت ليان: «وماذا فعل؟ احكي لي قصته كلها!»

ضحكت الجدّة وقالت: «سأحكي لكِ يا ليان، لكن سأخبرك سرًّا أولًا. القرآن الكريم لم يذكر لنا عن إدريس عليه السلام قصة طويلة مثل قصة يوسف أو موسى. بل ذكره في آيات قليلة، في موضعين فقط. لكن هذه الآيات القليلة فيها كنوز كبيرة. ونحن لا نزيد على ما قاله الله ورسوله شيئًا من عندنا، لأن الأنبياء لهم مكانة عظيمة، ولا يجوز أن نقول عنهم ما لا نعرفه».

قالت ليان: «يعني لن نخترع له حكايات؟» قالت الجدّة: «لا يا حبيبتي. سنقرأ ما قاله الله عنه، ونفهمه، ونتعلّم منه. وهذا أجمل من أي حكاية مخترعة».

ثم فتحت الجدّة المصحف على سورة مريم، وقرأت بصوت هادئ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 56-57]. ثم قالت: «انظري يا ليان، في هاتين الآيتين ثلاث صفات عظيمة لإدريس عليه السلام. من يعدّها لي؟»

نظرت ليان إلى الآية وقالت: «صدّيق... ونبيّ... و... رفعناه مكانًا عليًّا!» صفّقت الجدّة وقالت: «أحسنتِ! لنبدأ بالأولى: صدّيقًا. الصدّيق يا ليان ليس فقط الذي يقول الصدق مرة أو مرتين، بل هو الذي يكون الصدق صفته الدائمة: صادق في كلامه، وصادق في أفعاله، وصادق مع الله ومع الناس. حتى صار الصدق جزءًا منه».

فكّرت ليان قليلًا، ثم قالت: «يا تيتا، أمس قلت لماما إنني رتّبت غرفتي، لكنني لم أرتّبها كلها». ابتسمت الجدّة وقالت: «وماذا تفعلين الآن؟» قالت ليان: «سأخبرها بالحقيقة، وأرتّبها». قالت الجدّة: «هذا هو الطريق إلى الصدق يا ليان. والنبي محمد ﷺ قال إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقًا».

ثم قالت الجدّة: «والصفة الثانية: نبيًّا. يعني أن الله اختاره وأوحى إليه، ليعلّم الناس عبادة الله وحده، ويدعوهم إلى الخير، وينهاهم عن الشر. والأنبياء هم أفضل الناس، اختارهم الله لأنهم أطهر الناس قلوبًا وأحسنهم أخلاقًا».

ثم قالت: «والصفة الثالثة: ورفعناه مكانًا عليًّا. يعني أن الله رفع منزلته وأعلى قدره. وهناك حديث صحيح يا ليان، في قصة الإسراء والمعراج، حين صعد النبي محمد ﷺ إلى السماوات، أخبرنا أنه لقي إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، فرحّب به وقال له: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح».

فتحت ليان عينيها بدهشة وقالت: «في السماء الرابعة! والنبي محمد ﷺ رآه!» قالت الجدّة: «نعم، وهذا في صحيح البخاري ومسلم. انظري كيف وصفه إدريس: الأخ الصالح. الأنبياء كلهم إخوة، يحب بعضهم بعضًا، ودينهم واحد: عبادة الله وحده».

ثم قلّبت الجدّة الصفحات إلى سورة الأنبياء، وقالت: «وهنا الموضع الثاني الذي ذُكر فيه إدريس عليه السلام». وقرأت: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 85-86].

قالت ليان: «من الصابرين! يعني كان صبورًا؟» قالت الجدّة: «نعم. والصبر يا ليان أنواع: صبر على طاعة الله، مثل الصلاة في وقتها حتى لو كنا متعبين. وصبر عن المعصية، يعني أن نترك الشيء الخطأ حتى لو أردناه. وصبر على ما يصيبنا من تعب أو حزن، فلا نغضب ولا نشكو إلا إلى الله. والأنبياء كانوا أصبر الناس».

سألت ليان: «وأنا يا تيتا، كيف أكون صابرة؟» قالت الجدّة: «حين تتعلّمين شيئًا صعبًا ولا تتركينه. وحين تنتظرين دورك في اللعب دون أن تغضبي. وحين يزعجك أخوك الصغير فتتكلّمين معه بهدوء. كل هذا صبر، والله يحب الصابرين».

ثم سألت ليان سؤالًا آخر: «يا تيتا، سمعت مرة أن إدريس عليه السلام هو أول من كتب بالقلم. هل هذا صحيح؟» فكّرت الجدّة قليلًا ثم قالت: «سؤال جميل. هذا قول ذكره بعض العلماء والمؤرخين، ومنهم ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء، حين نقل أقوال من قبله. لكنه ليس آية في القرآن، ولا حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ. لذلك نقول: ذكر بعض العلماء ذلك، والله أعلم. وهذا هو الأدب الصحيح في العلم يا ليان: أن نفرّق بين ما نعرفه يقينًا، وما قاله بعض الناس».

قالت ليان: «إذن أقول: الله أعلم؟» قالت الجدّة: «نعم، وهذه كلمة العلماء الكبار. الذي يقول: لا أعلم، أو: الله أعلم، حين لا يعرف، هو أصدق من الذي يتكلّم بلا علم. وهذا أيضًا من الصدق الذي وُصف به إدريس عليه السلام».

نظرت ليان إلى دفترها وأقلامها، ثم قالت: «يا تيتا، سواء كان إدريس عليه السلام أول من كتب أم لا، أنا أحب الكتابة، وأريد أن أكتب أشياء صادقة ومفيدة». ضمّتها الجدّة وقالت: «هذا أجمل ما يمكن أن تفعليه بقلمك يا ليان. والله أقسم بالقلم في القرآن، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]. القلم نعمة عظيمة، نكتب به العلم والخير».

في تلك الليلة، فتحت ليان دفترها، وكتبت في صفحة جديدة بخط جميل: «ما تعلّمته من قصة سيدنا إدريس عليه السلام». ثم كتبت تحتها:
أولًا: كان صدّيقًا، فسأكون صادقة في كلامي وأفعالي.
ثانيًا: كان نبيًّا اختاره الله، فأحب الأنبياء كلهم.
ثالثًا: رفعه الله مكانًا عليًّا، والنبي محمد ﷺ لقيه في السماء الرابعة.
رابعًا: كان من الصابرين، فسأصبر على الأشياء الصعبة.
خامسًا: إذا لم أعرف شيئًا أقول: الله أعلم.

وتذكّرت ليان أيضًا ما سمعته عن رحلة الإسراء والمعراج: فقد أخبر النبي ﷺ، كما في صحيح البخاري ومسلم، أنه لما صعد إلى السماء الرابعة وجد فيها إدريس عليه السلام، فسلّم عليه، فقال إدريس: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. وفكّرت ليان: ما أجمل هذا الترحيب! نبيّ يرحّب بنبيّ، ويصفه بأنه صالح. وفهمت معنى قول الله تعالى عن إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57]، وأن الصدق والصبر يرفعان صاحبهما عند الله.

ثم رسمت بجانب الكلام قلمًا ومحبرة ونجومًا كثيرة في سماء زرقاء. وفي الصباح، أول ما فعلته أنها ذهبت إلى أمها وقالت: «ماما، أمس لم أرتّب غرفتي كلها كما قلت لكِ. آسفة، سأرتّبها الآن». فابتسمت الأم وقبّلتها وقالت: «صدقكِ أجمل عندي من الغرفة المرتّبة يا ليان».

ومنذ ذلك اليوم، كلما قرأت ليان اسم إدريس عليه السلام في القرآن، تذكّرت أن القليل من الكلمات قد يحمل الكثير من الدروس، وأن أجمل ما يوصف به الإنسان أن يقال عنه: كان صادقًا وصبورًا.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×