قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام والنار التي صارت بردًا وسلامًا

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام والنار التي صارت بردًا وسلامًا

📝 ملخص القصة

يحكي الجدّ لحفيديه قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام كما في القرآن الكريم: تفكّره في النجوم والقمر والشمس، ودعوته أباه بأدب، وتحطيمه الأصنام بحجّة ذكية، ونجاته من النار حين قال الله لها: كوني بردًا وسلامًا.

📖 نص القصة

في ليلة صيفية صافية، صعد الجدّ أبو خالد مع حفيديه آدم ذي الأحد عشر عامًا، وهبة ذات العشرة أعوام، إلى سطح البيت. كانت السماء مليئة بالنجوم، والقمر يلمع فوق التلال. استلقت هبة على البساط وقالت: «ما أجمل النجوم يا جدّو! من يستطيع أن يعدّها؟» قال الجدّ: «لا أحد إلا الله الذي خلقها. وهذه السماء تذكّرني بقصة نبيّ عظيم، تفكّر في النجوم والقمر والشمس، حتى عرف أن لها خالقًا واحدًا. إنه إبراهيم عليه السلام».

قال آدم: «إبراهيم خليل الله؟» قال الجدّ: «نعم. والقرآن يقول: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. والخليل هو أحب الأحباب. وهو أبو الأنبياء، فمن ذريّته جاء إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى، وجاء من نسل إسماعيل نبيّنا محمد ﷺ».

ثم بدأ الجدّ القصة: «عاش إبراهيم عليه السلام في قوم يعبدون الأصنام، ويعظّمون الكواكب. وكان أبوه آزر يصنع الأصنام. لكن الله آتى إبراهيم الحكمة والرشد منذ صغره، فكان يرى أن هذه الحجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع».

ثم قال: «والقرآن يحكي لنا كيف حاور إبراهيم قومه الذين يعبدون الكواكب، ليُريهم بالعقل أنها لا تستحق العبادة. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]. أي حين غاب الكوكب، قال: كيف أعبد شيئًا يغيب ويختفي؟».

قالت هبة: «لأن الربّ لا يغيب!» قال الجدّ: «أحسنتِ. ثم رأى القمر بازغًا أكبر وأضوأ، فلما أفل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]. ثم رأى الشمس، وهي أكبر شيء يرونه، فلما غابت هي أيضًا، قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 78-79]».

قال آدم: «فهمت. الكوكب والقمر والشمس كلها مخلوقات تطلع وتغيب، والخالق هو الذي خلقها». قال الجدّ: «نعم، وهكذا علّم إبراهيم قومه أن يستعملوا عقولهم. والعلماء يقولون إن إبراهيم عليه السلام كان في هذا الموقف يناظر قومه ويُقيم عليهم الحجّة، فهو كان موحّدًا عارفًا بربّه».

ثم قال الجدّ: «وبدأ إبراهيم بأقرب الناس إليه: أبيه. وانظرا إلى أدبه الجميل معه. كان يناديه بكلمة لطيفة: يا أبتِ. والقرآن يقول: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42]». قالت هبة: «يا أبتِ... ما أجملها!» قال الجدّ: «نعم، حتى حين غضب أبوه وهدّده، ردّ إبراهيم بهدوء: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: 47]. فتعلّما يا أولادي: حتى حين نختلف مع والدينا، نبقى مؤدّبين ولطفاء معهم».

ثم أكمل الجدّ: «وحاول إبراهيم أن ينصح قومه، فقالوا: هكذا وجدنا آباءنا يفعلون. فأراد أن يُريهم بطريقة عملية أن الأصنام لا تنفع شيئًا. وفي يوم خرج القوم إلى عيد لهم خارج المدينة، فدخل إبراهيم إلى معبد الأصنام، فكسّرها كلها، إلا صنمًا كبيرًا تركه. والقرآن يقول: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 58]».

قال آدم: «ولماذا ترك الكبير؟» ابتسم الجدّ وقال: «هنا الذكاء! حين رجع القوم، ورأوا أصنامهم مكسّرة، غضبوا وسألوا: من فعل هذا؟ فقالوا: سمعنا فتى يذكرهم اسمه إبراهيم. فأحضروه أمام الناس وسألوه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾. فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 62-63]».

ضحكت هبة وقالت: «فاسألوهم! وهم لا يتكلّمون!» قال الجدّ: «بالضبط. فسكت القوم، ورجعوا إلى أنفسهم لحظة، وعرفوا في داخلهم أن الأصنام لا تنطق. فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾. فقال لهم إبراهيم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: 65-66]».

قال آدم: «إذن عرفوا الحق!» قال الجدّ بحزن: «عرفوه، لكن الكبر منعهم من اتباعه. فبدل أن يتوبوا، قرّروا أن يعاقبوا إبراهيم. قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: 68]. فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا، وأشعلوا نارًا عظيمة، وألقوا فيها إبراهيم عليه السلام».

شهقت هبة وأمسكت بيد جدّها. فقال الجدّ بصوت مطمئن: «لا تخافي يا هبة، فالله مع أوليائه. وقد صحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم قال حين أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. فماذا حدث؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]».

قال آدم بدهشة: «النار صارت باردة؟» قال الجدّ: «صارت بردًا وسلامًا. الله الذي خلق النار وجعلها تحرق، هو الذي أمرها ألا تحرق. فلم تؤذِ إبراهيم بشيء، وخرج منها سالمًا. والقرآن يقول: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: 70]».

نظرت هبة إلى السماء وقالت: «يا جدّو، لو كنت مكانه لخفت كثيرًا». قال الجدّ: «الخوف شيء طبيعي يا هبة. لكن إبراهيم علّمنا كلمة نقولها حين نخاف: حسبي الله ونعم الوكيل. يعني: الله يكفيني، وهو خير من أعتمد عليه. والنبي محمد ﷺ وأصحابه قالوها أيضًا حين خوّفهم الناس».

ثم قال الجدّ: «وبعد ذلك هاجر إبراهيم عليه السلام في سبيل الله، وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]. وتنقّل في البلاد يدعو إلى الله، ورزقه الله بعد كبر سنّه ولدين صالحين نبيّين: إسماعيل وإسحاق عليهما السلام. وبنى مع ابنه إسماعيل الكعبة المشرّفة في مكة، وهذه قصة سأحكيها لكما في ليلة أخرى».

قال آدم: «يعني نحن حين نصلّي إلى الكعبة، نصلّي إلى البيت الذي بناه إبراهيم!» قال الجدّ: «نعم. وفي كل صلاة، حين نقرأ التشهّد، نقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فنحن نذكره في كل صلاة».

ثم قال الجدّ: «وهل تعرفان بماذا سمّى الله إبراهيم؟ قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. والخليل هو الحبيب القريب جدًّا. وقال عنه أيضًا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: 120-121]. يعني كان وحده كأنه أمّة كاملة في الخير، مطيعًا لله، شاكرًا لنعمه». قالت هبة: «ونحن نذكره في كل صلاة يا جدّي!» قال الجدّ: «أحسنتِ، في الصلاة الإبراهيمية: كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».

سكت الثلاثة قليلًا، ينظرون إلى النجوم. ثم سأل الجدّ: «ماذا تعلّمتما من قصة إبراهيم عليه السلام؟» قال آدم: «تعلّمت أن أستعمل عقلي وأفكّر في خلق الله، فكل شيء حولنا يدلّ على الخالق». وقالت هبة: «وتعلّمت أن أتكلّم مع بابا وماما بأدب، حتى لو اختلفنا، مثلما قال إبراهيم: يا أبتِ». وقال آدم: «وأن نقول الحق بشجاعة وذكاء». وقالت هبة: «وأن نقول حين نخاف: حسبي الله ونعم الوكيل».

ضمّ الجدّ حفيديه وقال: «بارك الله فيكما. وتعلّمنا أيضًا أن الله لا يترك من يتوكّل عليه. النار العظيمة صارت بردًا وسلامًا، لأن الله أراد ذلك». ثم رفع يديه ودعا: «اللهم اجعلنا على ملّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا». وردّد الطفلان: «آمين»، والنجوم تلمع فوقهم كأنها تشهد معهم أن لا إله إلا الله.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×