قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام وماء زمزم

قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام وماء زمزم

📝 ملخص القصة

يتعلّم مالك من أبيه قبل سفرهما للعمرة قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام: طفولته في وادٍ بلا ماء مع أمه هاجر، ونبع زمزم، وصبره وطاعته، وبناءه الكعبة مع أبيه إبراهيم عليهما السلام.

📖 نص القصة

كان مالك في الثامنة من عمره، ولم يكن يستطيع أن ينام من الفرح. فغدًا سيسافر مع أبيه وأمه إلى مكة لأداء العمرة لأول مرة. جلس على سريره، وحوله حقيبته الصغيرة، وفيها ثوب الإحرام الأبيض الصغير الذي اشتراه له أبوه. دخل أبوه الغرفة وقال: «ألم تنم بعد يا مالك؟» قال مالك: «لا أستطيع يا بابا! أريد أن أرى الكعبة، وأشرب من ماء زمزم!»

جلس الأب بجانبه وقال: «إذن سأحكي لك قصة تجعلك تحب زمزم والكعبة أكثر. قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام». قال مالك: «ابن إبراهيم عليه السلام؟» قال الأب: «نعم. وهذه القصة رواها لنا النبي محمد ﷺ، وهي في صحيح البخاري، ونقرأ بعضها في القرآن».

قال الأب: «كان إبراهيم عليه السلام قد كبر في السن، ولم يكن له أولاد. فدعا الله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100]. فاستجاب الله دعاءه، ورزقه من زوجته هاجر ولدًا اسمه إسماعيل. والقرآن يقول: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101]. والحليم هو الهادئ الصبور الذي لا يغضب بسرعة».

ثم قال: «وأمر الله إبراهيم أن يأخذ هاجر وابنها الرضيع إسماعيل إلى مكان بعيد، في وادٍ بين الجبال، ليس فيه ماء ولا زرع ولا أحد من الناس. هذا الوادي هو مكة، قبل أن تصير مدينة. فأخذهما إبراهيم، ووضعهما هناك، وترك لهما كيسًا فيه تمر، وقربة فيها ماء، ثم رجع».

قال مالك بقلق: «تركهما وحدهما؟» قال الأب: «نعم، بأمر الله. وتبعته هاجر وقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أحد ولا شيء؟ فلم يلتفت إليها. فسألته: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فقالت هاجر كلمة عظيمة: إذن لا يضيّعنا. يعني: ما دام الله أمر بهذا، فالله لن يتركنا».

قال مالك: «كانت شجاعة جدًّا!» قال الأب: «نعم، كانت تثق بالله ثقة كبيرة. وحين ابتعد إبراهيم حتى لم يعودا يريانه، استقبل المكان الذي ستكون فيه الكعبة، ورفع يديه ودعا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]».

قال مالك: «أفئدة من الناس تهوي إليهم... يعني قلوب الناس تحب أن تأتي إلى هناك؟» قال الأب: «بالضبط! وانظر، استجاب الله دعاءه. ملايين الناس كل سنة يذهبون إلى مكة، وأنت منهم غدًا إن شاء الله!» ابتسم مالك ابتسامة كبيرة.

ثم أكمل الأب: «بقيت هاجر تأكل من التمر وتشرب من الماء، وترضع إسماعيل. حتى نفد الماء. فعطشت، وعطش طفلها، وبدأ يبكي ويتلوّى من العطش. فلم تحتمل أن تنظر إليه، فقامت تبحث عن ماء أو عن أحد يساعدها».

قال الأب: «صعدت على جبل صغير قريب اسمه الصفا، ونظرت إلى الوادي، هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا. فنزلت، وحين وصلت إلى بطن الوادي رفعت ثوبها وسعت سعيًا سريعًا، حتى وصلت إلى جبل آخر اسمه المروة، فصعدت عليه ونظرت، فلم ترَ أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات: من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا».

قال مالك بحماس: «السعي! نحن سنسعى بين الصفا والمروة في العمرة!» قال الأب: «نعم يا مالك. والنبي ﷺ قال عن سعي هاجر: فلذلك سعى الناس بينهما. يعني نحن حين نسعى، نتذكّر أمّنا هاجر وصبرها وثقتها بالله».

ثم قال الأب: «وفي المرة الأخيرة، وهي على المروة، سمعت صوتًا. فنظرت، فإذا هي بالملَك عند مكان زمزم، فبحث في الأرض حتى ظهر الماء. فجعلت هاجر تحوّط الماء بيديها، وتغرف منه في قربتها، والماء يفور. والنبي ﷺ قال: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عينًا جارية».

صفّق مالك وقال: «ماء زمزم! وما زال موجودًا حتى اليوم؟» قال الأب: «نعم، منذ آلاف السنين وهو يفيض، ويشرب منه ملايين الناس. والنبي ﷺ قال عن زمزم إنه مبارك، وإنه طعام طُعْم. ولهذا نشربه ونحن ندعو الله».

ثم قال الأب: «وشربت هاجر وأرضعت ابنها. وبعد مدة مرّت قبيلة اسمها جُرهُم، فرأوا الطيور تحوم فوق الوادي، فعرفوا أن هناك ماء. فجاؤوا واستأذنوا هاجر أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم. فسكنوا هناك، وصار الوادي مكانًا فيه حياة. وكبر إسماعيل بينهم، وتعلّم منهم اللغة العربية، وصار شابًّا قويًّا».

ثم سكت الأب قليلًا وقال: «وحين كبر إسماعيل وصار يستطيع أن يمشي ويعمل مع أبيه، رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه. ورؤيا الأنبياء وحي من الله. فأخبر إسماعيل بذلك. والقرآن يحكي جواب إسماعيل: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]».

قال مالك بصوت منخفض: «كان مطيعًا جدًّا...». قال الأب: «نعم، أطاع الأب والابن أمر الله. وحين استسلما لأمر الله، ناداه الله أنه قد صدّق الرؤيا، وفدى الله إسماعيل بكبش عظيم. والقرآن يقول: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. فلم يُذبح إسماعيل، بل نجّاه الله، لأن الله أراد أن يختبر طاعتهما، فنجحا في الاختبار. ونحن في عيد الأضحى نذبح الأضاحي ونتذكّر هذا».

ثم قال الأب: «وبعد سنين، جاء إبراهيم إلى مكة، وأمره الله أن يبني بيتًا لعبادته. فبنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة معًا. كان إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني. وكانا يدعوان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]».

قال مالك: «يعني الكعبة التي سأراها غدًا بناها إبراهيم وإسماعيل؟» قال الأب: «نعم، أساسها الذي رفعاه، وجُدّدت عبر الزمن. وانظر إلى أدبهما: بنيا أعظم بيت، ومع ذلك يدعوان: ربنا تقبّل منا. لم يتكبّرا، بل خافا ألا يقبل الله عملهما».

ثم قال الأب: «ومدح الله إسماعيل في القرآن فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 54-55]. ومن نسل إسماعيل جاء نبيّنا محمد ﷺ».

وقبل أن يطفئ النور قال الأب: «وهل تعرف أن إسماعيل كان راميًا ماهرًا بالسهام؟ مرّ النبي ﷺ يومًا على جماعة من الصحابة يتسابقون في الرمي، فقال لهم، كما في صحيح البخاري: ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا. فشجّعهم على الرياضة والقوة». قال مالك: «يعني الرياضة من سنّة الأنبياء؟» قال الأب: «نعم، المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، كما قال النبي ﷺ. فاعتنِ بجسمك كما تعتني بقلبك».

أغمض مالك عينيه وقال: «سأشرب زمزم وأدعو الله، وسأسعى بين الصفا والمروة وأتذكّر هاجر، وسأنظر إلى الكعبة وأتذكّر إبراهيم وإسماعيل». ثم فتح عينيه وقال: «وسأكون صادق الوعد مثل إسماعيل. وعدت جدّتي أن أدعو لها هناك».

قبّله أبوه على جبينه وقال: «وهذا أجمل وعد يا مالك». ثم قرأ معه دعاء النوم، وأطفأ النور. ونام مالك يحلم بوادٍ بين الجبال، ونبع صافٍ يفور من الأرض، وبيت عظيم يطوف حوله الناس من كل مكان.

💬 التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!

×