📖 نص القصة
كان عمر في العاشرة من عمره، وكان أبوه قد سافر للعمل في بلد بعيد منذ ثلاثة أشهر. وفي تلك الليلة جلس عمر عند النافذة صامتًا، ينظر إلى الشارع المظلم. جاءت جدّته وجلست بجانبه، ووضعت يدها على كتفه وقالت: «ما بك يا عمر؟» قال بصوت حزين: «اشتقت إلى بابا يا جدّتي. أشعر أن الأيام لا تمرّ».
ضمّته جدّته وقالت: «الشوق إلى من نحب شعور طبيعي يا حبيبي، وليس عيبًا أن نحزن. حتى الأنبياء حزنوا واشتاقوا. هل أحكي لك قصة نبيّ اشتاق إلى ابنه سنين طويلة جدًّا، أطول بكثير من ثلاثة أشهر؟» رفع عمر رأسه وقال: «من هو؟» قالت: «نبي الله يعقوب عليه السلام».
قالت الجدّة: «يعقوب عليه السلام هو ابن إسحاق، وحفيد إبراهيم عليهم السلام. ويسمّى أيضًا إسرائيل، ولذلك سُمّي أولاده وذريّتهم بني إسرائيل. وكان ليعقوب اثنا عشر ولدًا، منهم يوسف وأخوه الصغير بنيامين».
ثم قالت: «وكان يعقوب يحب يوسف حبًّا كبيرًا، لما رأى فيه من الصلاح والذكاء. وذات صباح جاءه يوسف وهو صغير وقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. ففهم يعقوب بحكمته أن هذه رؤيا عظيمة، وأن الله سيختار يوسف ويعلّمه».
قال عمر: «وماذا قال له؟» قالت الجدّة: «نصحه نصيحة الأب الحكيم: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5]. كان يعرف أن إخوة يوسف يغارون منه، فخاف عليه. وانظر يا عمر، لم يقل إن إخوتك أشرار، بل قال إن الشيطان هو العدو. كان أبًا رحيمًا بأولاده كلهم».
ثم أكملت: «لكن الإخوة غاروا من يوسف، وطلبوا من أبيهم أن يأخذوه معهم ليلعب. فقال يعقوب: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: 13]. فوعدوه أن يحفظوه، فأرسله معهم. لكنهم ألقوه في بئر، ورجعوا في المساء يبكون، وقالوا إن الذئب أكله، وجاؤوا بقميصه وعليه دم كذب».
قال عمر بغضب: «كذبوا على أبيهم!» قالت الجدّة: «نعم، وعرف يعقوب أنهم لا يقولون الحق. لكن انظر ماذا قال. لم يصرخ ولم يعاقب، بل قال كلمة صارت درسًا لكل المؤمنين: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]».
سأل عمر: «ما معنى صبر جميل يا جدّتي؟» قالت: «قال العلماء: الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه إلى الناس. يعني تحزن في قلبك، وتشكو إلى الله وحده، لكنك لا تتسخّط على قضاء الله، ولا تقول كلامًا يغضبه. هذا هو الصبر الجميل».
ثم قالت الجدّة: «ومرّت سنوات طويلة. ويعقوب لا يعرف أين يوسف. وكان يوسف في مصر، وقد مرّ بأحداث كثيرة، حتى صار مسؤولًا عن خزائن مصر. وجاء القحط والجوع إلى البلاد، فأرسل يعقوب أولاده إلى مصر ليشتروا الطعام. وطلب منهم العزيز، وهو يوسف ولم يعرفوه، أن يأتوا بأخيهم الصغير بنيامين في المرة القادمة».
قال عمر: «وهل وافق يعقوب أن يرسل بنيامين؟» قالت الجدّة: «تردّد كثيرًا، فقد فقد يوسف من قبل. ثم أخذ عليهم عهدًا أن يحفظوه، فلما أعطوه العهد قال: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: 66]. ونصحهم ألّا يدخلوا من باب واحد، بل من أبواب متفرقة، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67]».
قال عمر: «يعني أخذ بالأسباب، ثم توكّل على الله». قالت الجدّة بإعجاب: «بالضبط يا عمر! هذا هو التوكّل الصحيح: أن تعمل ما تستطيع، ثم تترك النتيجة لله».
ثم قالت: «لكن بنيامين لم يرجع معهم هذه المرة، لأن يوسف أبقاه عنده بتدبير من الله. فرجع الإخوة وأخبروا أباهم. فحزن يعقوب حزنًا شديدًا، وتذكّر يوسف، وبكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن، يعني ضعف بصره. يقول الله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. والكظيم هو الذي يكتم حزنه ولا يؤذي به أحدًا».
قال عمر بصوت خافت: «مسكين يعقوب...». قالت الجدّة: «لكن اسمع ماذا قال حين لامه أولاده على كثرة تذكّر يوسف: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86]. كان يشكو إلى الله وحده. وكان عنده أمل كبير، لأنه يعرف أن الله رحيم».
ثم قالت الجدّة: «وبدل أن ييأس، أرسل أولاده مرة أخرى وقال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. تخيّل يا عمر، بعد كل هذه السنين، ما زال يقول: لا تيأسوا!»
قال عمر: «وهل وجدوه؟» ابتسمت الجدّة وقالت: «نعم! ذهبوا إلى مصر، وهناك كشف لهم يوسف عن نفسه، وسامحهم، وأعطاهم قميصه وقال: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا. وحين خرجت القافلة من مصر، قال يعقوب في أرضه البعيدة: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]».
قال عمر بدهشة: «شمّ رائحته من بعيد؟» قالت الجدّة: «هذا ما أخبرنا به القرآن، وهو من آيات الله. ثم جاء البشير وألقى القميص على وجه يعقوب، فعاد بصيرًا. فقال لأولاده: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 96]».
ثم قالت: «واعتذر الإخوة لأبيهم وطلبوا منه أن يستغفر لهم، فقال بقلب رحيم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: 98]. ثم سافرت العائلة كلها إلى مصر، والتقى يعقوب بيوسف بعد الفراق الطويل، وجمع الله شملهم».
ثم قالت الجدّة: «وقبل أن يموت يعقوب عليه السلام، جمع أولاده ليعطيهم أهم وصية. يقول الله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]. لم يسألهم عن المال ولا عن البيت، بل سألهم عن عبادة الله».
ثم قالت الجدّة: «وقال النبي ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له. رواه مسلم. وهكذا كان يعقوب عليه السلام».
سكت عمر طويلًا، ثم قال: «جدّتي، يعقوب انتظر سنين طويلة ولم ييأس. وأنا أنتظر بابا ثلاثة أشهر فقط، وأعرف أين هو، وأكلّمه بالهاتف!» ضحكت الجدّة وقالت: «صدقت يا حبيبي. فماذا ستفعل؟»
قال عمر: «سأصبر صبرًا جميلًا. لن أتذمّر، وسأدعو لبابا كل ليلة أن يحفظه الله ويرجعه إلينا سالمًا. وسأقول مثل يعقوب: إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله». ثم رفع يديه ودعا لأبيه، وقالت الجدّة: «آمين». ونام عمر تلك الليلة وقلبه مطمئن، يعرف أن الفرج يأتي بعد الصبر.
ضمّته جدّته وقالت: «الشوق إلى من نحب شعور طبيعي يا حبيبي، وليس عيبًا أن نحزن. حتى الأنبياء حزنوا واشتاقوا. هل أحكي لك قصة نبيّ اشتاق إلى ابنه سنين طويلة جدًّا، أطول بكثير من ثلاثة أشهر؟» رفع عمر رأسه وقال: «من هو؟» قالت: «نبي الله يعقوب عليه السلام».
قالت الجدّة: «يعقوب عليه السلام هو ابن إسحاق، وحفيد إبراهيم عليهم السلام. ويسمّى أيضًا إسرائيل، ولذلك سُمّي أولاده وذريّتهم بني إسرائيل. وكان ليعقوب اثنا عشر ولدًا، منهم يوسف وأخوه الصغير بنيامين».
ثم قالت: «وكان يعقوب يحب يوسف حبًّا كبيرًا، لما رأى فيه من الصلاح والذكاء. وذات صباح جاءه يوسف وهو صغير وقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. ففهم يعقوب بحكمته أن هذه رؤيا عظيمة، وأن الله سيختار يوسف ويعلّمه».
قال عمر: «وماذا قال له؟» قالت الجدّة: «نصحه نصيحة الأب الحكيم: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5]. كان يعرف أن إخوة يوسف يغارون منه، فخاف عليه. وانظر يا عمر، لم يقل إن إخوتك أشرار، بل قال إن الشيطان هو العدو. كان أبًا رحيمًا بأولاده كلهم».
ثم أكملت: «لكن الإخوة غاروا من يوسف، وطلبوا من أبيهم أن يأخذوه معهم ليلعب. فقال يعقوب: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: 13]. فوعدوه أن يحفظوه، فأرسله معهم. لكنهم ألقوه في بئر، ورجعوا في المساء يبكون، وقالوا إن الذئب أكله، وجاؤوا بقميصه وعليه دم كذب».
قال عمر بغضب: «كذبوا على أبيهم!» قالت الجدّة: «نعم، وعرف يعقوب أنهم لا يقولون الحق. لكن انظر ماذا قال. لم يصرخ ولم يعاقب، بل قال كلمة صارت درسًا لكل المؤمنين: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]».
سأل عمر: «ما معنى صبر جميل يا جدّتي؟» قالت: «قال العلماء: الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه إلى الناس. يعني تحزن في قلبك، وتشكو إلى الله وحده، لكنك لا تتسخّط على قضاء الله، ولا تقول كلامًا يغضبه. هذا هو الصبر الجميل».
ثم قالت الجدّة: «ومرّت سنوات طويلة. ويعقوب لا يعرف أين يوسف. وكان يوسف في مصر، وقد مرّ بأحداث كثيرة، حتى صار مسؤولًا عن خزائن مصر. وجاء القحط والجوع إلى البلاد، فأرسل يعقوب أولاده إلى مصر ليشتروا الطعام. وطلب منهم العزيز، وهو يوسف ولم يعرفوه، أن يأتوا بأخيهم الصغير بنيامين في المرة القادمة».
قال عمر: «وهل وافق يعقوب أن يرسل بنيامين؟» قالت الجدّة: «تردّد كثيرًا، فقد فقد يوسف من قبل. ثم أخذ عليهم عهدًا أن يحفظوه، فلما أعطوه العهد قال: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: 66]. ونصحهم ألّا يدخلوا من باب واحد، بل من أبواب متفرقة، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67]».
قال عمر: «يعني أخذ بالأسباب، ثم توكّل على الله». قالت الجدّة بإعجاب: «بالضبط يا عمر! هذا هو التوكّل الصحيح: أن تعمل ما تستطيع، ثم تترك النتيجة لله».
ثم قالت: «لكن بنيامين لم يرجع معهم هذه المرة، لأن يوسف أبقاه عنده بتدبير من الله. فرجع الإخوة وأخبروا أباهم. فحزن يعقوب حزنًا شديدًا، وتذكّر يوسف، وبكى حتى ابيضّت عيناه من الحزن، يعني ضعف بصره. يقول الله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. والكظيم هو الذي يكتم حزنه ولا يؤذي به أحدًا».
قال عمر بصوت خافت: «مسكين يعقوب...». قالت الجدّة: «لكن اسمع ماذا قال حين لامه أولاده على كثرة تذكّر يوسف: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86]. كان يشكو إلى الله وحده. وكان عنده أمل كبير، لأنه يعرف أن الله رحيم».
ثم قالت الجدّة: «وبدل أن ييأس، أرسل أولاده مرة أخرى وقال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. تخيّل يا عمر، بعد كل هذه السنين، ما زال يقول: لا تيأسوا!»
قال عمر: «وهل وجدوه؟» ابتسمت الجدّة وقالت: «نعم! ذهبوا إلى مصر، وهناك كشف لهم يوسف عن نفسه، وسامحهم، وأعطاهم قميصه وقال: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا. وحين خرجت القافلة من مصر، قال يعقوب في أرضه البعيدة: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]».
قال عمر بدهشة: «شمّ رائحته من بعيد؟» قالت الجدّة: «هذا ما أخبرنا به القرآن، وهو من آيات الله. ثم جاء البشير وألقى القميص على وجه يعقوب، فعاد بصيرًا. فقال لأولاده: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 96]».
ثم قالت: «واعتذر الإخوة لأبيهم وطلبوا منه أن يستغفر لهم، فقال بقلب رحيم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: 98]. ثم سافرت العائلة كلها إلى مصر، والتقى يعقوب بيوسف بعد الفراق الطويل، وجمع الله شملهم».
ثم قالت الجدّة: «وقبل أن يموت يعقوب عليه السلام، جمع أولاده ليعطيهم أهم وصية. يقول الله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]. لم يسألهم عن المال ولا عن البيت، بل سألهم عن عبادة الله».
ثم قالت الجدّة: «وقال النبي ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له. رواه مسلم. وهكذا كان يعقوب عليه السلام».
سكت عمر طويلًا، ثم قال: «جدّتي، يعقوب انتظر سنين طويلة ولم ييأس. وأنا أنتظر بابا ثلاثة أشهر فقط، وأعرف أين هو، وأكلّمه بالهاتف!» ضحكت الجدّة وقالت: «صدقت يا حبيبي. فماذا ستفعل؟»
قال عمر: «سأصبر صبرًا جميلًا. لن أتذمّر، وسأدعو لبابا كل ليلة أن يحفظه الله ويرجعه إلينا سالمًا. وسأقول مثل يعقوب: إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله». ثم رفع يديه ودعا لأبيه، وقالت الجدّة: «آمين». ونام عمر تلك الليلة وقلبه مطمئن، يعرف أن الفرج يأتي بعد الصبر.
💬 التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق على هذه القصة!